
في محاولاته المستمرة لتبرير الانهيار الدراماتيكي لثاني قوة عظمى في القرن العشرين، عادَ آخر زعماء الاتحاد السوفيتي، ميخائيل غورباتشوف، مراراً وتكراراً ليعلن أن كارثة مفاعل “تشرنوبيل” عام 1986 كانت العلة الرئيسة من وراء انهيار الاتحاد السوفيتي. إلا أن القراءة الموضوعية للتاريخ تفند هذا الزعم؛ فالكوارث الطبيعية، أو التقنية، مهما بلغت جسامتها، لا تسقط إمبراطوريات ما لم تكن بنيتها القيادية مهترئة ومترددة. إن العلة الرئيسة وراء الانهيار السوفيتي لم تكن إشعاعات تشرنوبيل، بل كانت التخبط القيادي لشخص غورباتشوف نفسه. ولو أن رئيساً يمتلك عقلية حازمة ورؤية استراتيجية واضحة – مثل فلاديمير بوتين – كان على رأس السلطة آنذاك، لأتخذ التاريخ مساراً آخر مختلفاً تماماً. فعند مراجعة السنوات الست التي قضاها غورباتشوف في السلطة، نجد سلسلة متصلة من القرارات المتناقضة والخطوات غير المحسوبة. فلقد أطلق غورباتشوف مشروعي “البريسترويكا” (إعادة الهيكلة الاقتصادية) و”الغلاسنوست” (الانفتاح السياسي) دون خطة تنفيذية واضحة، مما أدى إلى تفكيك النظام القديم قبل بناء بديل فعال.
ولقد اتسمت مواقف غورباتشوف بالتردد القاتل، وذلك كما يتبين لنا من المراجعة التاريخية التالية:
• تأرجح بين اليمين واليسار: حيث كان غورباتشوف يتنازل للمحافظين الشيوعيين تارة، ثم ينقلب ليرضي الليبراليين تارة أخرى، ففقد ثقة الطرفين.
• فقدان الهيبة: ففي علم السياسة الروسي، تُبنى الشرعية على القوة والحسم. فالشعب السوفيتي، الذي اعتاد على زعماء يظهرون بمظهر الصلابة، رأى في تردد غورباتشوف ضعفاً وعجزاً، مما أطاح بصورته وهيبته كقائد للدولة.
• الفوضى المؤسساتية: حيث سمح غورباتشوف بانهيار سلطة الحزب المركزي دون أن يحمي مؤسسات الدولة من التحلل، مما فتح الباب أمام النعرات القومية لتفكيك الاتحاد.
إن دحض أطروحة غورباتشوف يصبح جلياً عندما نستحضر نموذجاً قيادياً مغايراً تماماً ظهر في التاريخ الروسي المعاصر. فيكفينا هنا أن نستذكر كيف تسلم فلاديمير بوتين السلطة في روسيا عام 1999 خلفاً للرئيس بوريس يلتسين. فلقد كانت روسيا آنذاك دولة شبه منهارة: اقتصاد ممزق، نفوذ دولي مفقود، وحرب أهلية مشتعلة في القوقاز تهدد بتفكيك الاتحاد الروسي نفسه (وهو سيناريو مشابه جداً لعام 1991). ولكن، كيف تصرف بوتين؟ فلقد اتسمت سياسات بوتين بالحسم وفرض هيبة الدولة وإعادة المركزية القوية؛ حيث واجه بوتين التميز والانفصال بيد من حديد وحفظ وحدة أراضي البلاد. ولقد استعاد بوتين مكانة روسيا كقطب دولي مهاب الجانب.
لنقارن ذلك بما فعله غورباتشوف الذي اتسمت سياساته الخرقاء بتقديم التنازلات والتردد ومحاولة إرضاء الجميع. وتجلى ذلك في محاولته البائسة للتغطية على الآثار الكارثية لانفجار المفاعل في محطة تشرنوبل النووية، كما وتجلى في سياسة الانفتاح غير المدروس التي قادت بالنتيجة الى فوضى عارمة. أما سياساته الخارجية فلقد تميزت بمواقفه المتراجعة أمام الغرب، حتى تفكك حلف وارسو دون مقابل.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المقارنة بين حال روسيا عام 1999 وحالها اليوم توضح الفارق الجوهري الذي يصنعه “شخص القائد”. فتشرنوبيل كان أزمة كبرى، لكن الأزمات تُدار ولا تُسقِط الدول إذا توفرت الإرادة السياسية الصارمة. فالانهيار السوفيتي لم يكن حتمية تاريخية فرضتها حادثة المفاعل، بل كان نتاجاً مباشراً لغياب الحزم، والوقوع في فخ القرارات المتخبطة التي أصدرها غورباتشوف. فلقد أثبت التاريخ أن الدولة الروسية-السوفيتية تحتاج دائماً إلى ربان يمتلك زمام المبادرة ولا يهتز أمام العواصف، وهو ما افتقده غورباتشوف تماماً، وجسده من جاء فيما بعد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
