
إذا كان دحض مزاعم ميخائيل غورباتشوف حول حتمية انهيار الاتحاد السوفيتي يعتمد في جزئه الأول على تحليل تخبطه القيادي ومقارنته بنموذج الحسم الروسي اللاحق، فإن التاريخ يمنحنا برهاناً موازياً عاصر نفس الحقبة الزمنية وواجه ذات التحديات. ويتمثل هذا البرهان في النموذج الصيني أواخر ثمانينيات القرن العشرين. فلطالما تحجج غورباتشوف بأن النظام الشيوعي المركزي كان غير قابل للإصلاح وأن الانهيار كان مسألة وقت، ولكن التجربة الصينية المعاصرة له جاءت لتثبت العكس تماماً، فالعيب لم يكن في النظام أو في ضخامة التحديات، بل كان في عجز الرُّبان الذي يقود السفينة.
فمع نهاية الثمانينيات، واجهت كل من موسكو وبكين ضغوطاً داخلية وخارجية هائلة للمطالبة بالتغيير السياسي والانفتاح. وفي الوقت الذي اختار فيه غورباتشوف سياسة التراجع والتردد وسمح بإنهاك سلطة الدولة المركزية تحت شعار “الغلاسنوست” (الانفتاح) غير المدروس، اتخذت القيادة الصينية، بزعامة المهندس الحقيقي للنهضة الصينية “دنغ شياو بينغ”، مساراً حازماً ومغايراً تماماً.
فلقد تميزت الاستراتيجية الصينية بوضوح الرؤية وقوة الإرادة السياسية عبر ركيزتين:
1. أولوية الاقتصاد على الفوضى السياسية: حيث آمنت القيادة الصينية بأن الإصلاح الاقتصادي الجذري ورفع مستوى معيشة الشعب يجب أن يسبق أي انفتاح سياسي، لأن الحرية السياسية في ظل الجوع والفقر لا تنتج سوى الفوضى وتفكك الدول.
2. الحسم الصارم في حفظ الاستقرار: فعندما وصلت الاحتجاجات في ميدان “تيانانمين” عام 1989 إلى مرحلة هددت هيبة الدولة واستقرارها ووحدتها، لم تتردد القيادة الصينية في اتخاذ قرارات حازمة ومؤلمة لإنهاء الأزمة، لعلمها أن بديل الاستقرار هو الحرب الأهلية والتمزق الذي عاشه الاتحاد السوفيتي لاحقاً.
إن النتائج التاريخية للمسارين كانت حاسمة في الحكم على كفاءة القيادتين. فبينما قادت سياسات غورباتشوف المترددة إلى محو الاتحاد السوفيتي من الخارطة بحلول مطلع عام 1991 وتحويل روسيا إلى دولة مفلسة في التسعينيات، أدت صرامة القيادة الصينية ورؤيتها الاستراتيجية إلى تحول دراماتيكي أبهر العالم. وبينما تميزت سياسات “دنغ شياو بينغ” بإصلاح اقتصادي رأسمالي مرن مع الإبقاء على قبضة سياسية حديدية (الاقتصاد أولاً). كانت سياسات غورباتشوف، في المقابل، تتصف بتفكيك البنية السياسية للدولة قبل بناء الاقتصاد (السياسة أولاً).
وبينما تميز تعامل دنغ شياو بينغ مع الضغوط بالحزم الصارم ورفض التدخلات الخارجية وإعطاء الأولوية القصوى للاستقرار والسيادة، كان غورباتشوف ميالاً للتردد وتقديم التنازلات المستمرة، الأمر الذي أدى إلى فقدان سيطرة الدولة المركزية على جمهوريات الاتحاد.
ولقد أدت سياسات دنغ شياو بينغ في النهاية الى الحفاظ على وحدة البلاد وانتشال الملايين من الفقر والصعود كقوة عظمى، بينما انتهت سياسات غورباتشوف الى تفكك الدولة وانهيار الاقتصاد وضياع الهيبة الدولية عام 1991.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المقارنة الموضوعية بين موسكو وبكين في تلك الحقبة الحرجة تقطع الشك باليقين؛ فالحزب الشيوعي الصيني واجه تحديات ديموغرافية واقتصادية كانت أشد تعقيداً من تلك التي واجهها الاتحاد السوفيتي، ولم يكن يمتلك ترسانة نووية موازية آنذاك، ومع ذلك نجت الصين وازدهرت بفضل وجود قيادة قوية، حازمة، وتعرف تماماً متى تضرب بيد من حديد ومتى تفتح أبواب المناورة الاقتصادية. وهذا التباين الصارخ يؤكد مجدداً أن كارثة تشرنوبيل أو الأزمات الهيكلية لم تكن لِتُسقط الاتحاد السوفيتي لو كان على رأسه قائد بمواصفات “بوتين” في الحزم أو “دنغ شياو بينغ” في المكر الاستراتيجي. فلقد انهار الاتحاد السوفيتي لأن غورباتشوف كان يفتقر إلى الميزة الأهم في رجل الدولة؛ ألا وهي القدرة على اتخاذ القرار الحاسم دون تردد.
