
من بين جميع الظواهر التي تُميز الإنسان عن بقية الكائنات البايولوجية، ربما لا توجد ظاهرة أكثر حضورًا في حياته اليومية من ظاهرة الوهم. فالإنسان لا يعيش داخل الواقع وحده، بل يعيش أيضًا داخل تصورات عن الواقع، وكثيرًا ما تكون هذه التصورات أبعد ما تكون عن الحقيقة. وهو لا يخطئ أحيانًا في فهم العالم فحسب، بل يبني جانبًا كبيرًا من مشاعره ومواقفه وقراراته على أشياء لم تحدث أصلًا، أو على معانٍ لا وجود لها إلا في ذهنه. ومن هنا يبدو الوهم وكأنه أحد أكثر المكونات رسوخًا في التجربة الإنسانية. وفي المقابل، يصعب العثور على ما يماثل هذه الظاهرة في عالم الطبيعة. فالحيوان قد يخطئ في تقدير موقف ما بسبب نقص المعلومات أو محدودية الإدراك، لكنه لا يبدو قادرًا على إنشاء عوالم كاملة من التصورات والافتراضات والتفسيرات التي لا وجود لها في الخارج. فالغزال الذي يسمع صوتًا في الأعشاب قد يظنه مفترسًا فيهرب، لكن هذا ليس وهمًا بالمعنى الإنساني للكلمة، بل استجابة احترازية فرضتها ضرورات البقاء. أما الإنسان فقد يستطيع أن يعيش سنوات طويلة داخل مخاوف لا وجود لها، أو داخل آمال لا تستند إلى واقع، أو داخل تصورات عن الآخرين لا علاقة لها بما هم عليه حقيقة. وهنا يظهر أثر فائض التمثّل بوصفه أحد المصادر العميقة للوهم. فالإنسان لا يتعامل مع الأشياء مباشرة، بل من خلال تمثلاته عنها. وهو لا يرى الواقع كما هو، وإنما كما تسمح له منظومته الرمزية والنفسية أن يراه، وكلما ازداد اتساع عالم التمثلات، ازدادت المسافة الفاصلة بين الشيء والصورة الذهنية التي يحملها الإنسان عنه، وفي هذه المسافة يولد الوهم.
فكم من إنسان اعتقد أن الآخرين يكرهونه بينما لم يكن أحد يفكر فيه أصلًا؟ وكم من شخص ظن أنه مظلوم بسبب مؤامرة كبرى بينما كانت المشكلة ناتجة عن خطأ عابر أو سوء فهم بسيط؟ وكم من علاقة إنسانية انهارت لأن أحد الطرفين بنى موقفه على نوايا متخيلة لا على حقائق موجودة؟ إن الإنسان لا يتعامل غالبًا مع ما يقوله الآخرون فحسب، بل مع ما يتخيل أنهم يقصدونه. ولا يتفاعل مع أفعالهم وحدها، بل مع التأويلات التي ينسجها حول تلك الأفعال.
ولهذا فإن جانبًا كبيرًا من الصراعات البشرية لا ينشأ من الواقع نفسه، بل من الصور الذهنية التي يصنعها البشر عن الواقع. فكثير من الخصومات تبدأ بسبب سوء ظن. وكثير من العداوات تتغذى على توقعات وافتراضات لا على وقائع، بل أن بعض الحروب الكبرى في التاريخ قامت على أوهام متبادلة حول نوايا الآخرين ومقاصدهم ومخططاتهم. ولا يقتصر الأمر على العلاقات الاجتماعية، بل يمتد إلى رؤية الإنسان للحياة نفسها. فالإنسان يتوهم أحيانًا أن السعادة موجودة في مكان معين أو في امتلاك شيء معين، ثم يكتشف بعد الوصول إليه أن ما كان يطارده لم يكن إلا صورة ذهنية صنعها بنفسه. ويتوهم أن المستقبل سيحمل له خلاصًا نهائيًا من مشكلاته، ثم يكتشف أن المشكلات انتقلت معه إلى المستقبل ذاته. ويتوهم أن الخوف سيحميه من المخاطر، بينما يتحول هذا الخوف نفسه إلى مصدر معاناة تفوق أحيانًا حجم الخطر الحقيقي بكثير. والأخطر من ذلك أن الوهم لا يتسلل إلى المشاعر اليومية فقط، بل إلى الفلسفات والإيديولوجيات والنظريات الكبرى أيضًا. فالإنسان يمتلك قدرة فريدة على تحويل تصورات ذهنية إلى حقائق “مقدسة” لا تقبل المراجعة. وقد يقضي حياته كلها مدافعًا عن صورة ذهنية بناها في عقله حتى بعد أن تتراكم الأدلة التي تنقضها. ولهذا فإن التاريخ الفكري للبشرية يمكن قراءته جزئيًا بوصفه تاريخًا طويلًا من الصراع بين الواقع والأوهام التي ينتجها فائض التمثّل.
ومن هنا يمكن القول إن الوهم ليس حادثًا عرضيًا في حياة الإنسان، بل هو أحد الأثمان التي دفعها نتيجة خروجه من الاقتصاد المعرفي البسيط الذي يحكم عالم الطبيعة. فكلما اتسعت قدرة الإنسان على التمثل والتخيل والتأويل، اتسعت معها قدرته على الابتعاد عن الواقع. والقدرة ذاتها التي سمحت له بإنتاج الفن والفلسفة والعلم، هي نفسها التي فتحت الباب أمام إنتاج الأوهام والمخاوف والتصورات الزائفة.
ولعل مأساة الانسان الكبرى لا تكمن في أنه يعيش داخل الوهم أحيانًا، بل في أنه غالبًا لا يدرك أنه يعيش فيه. فالوهم لا يقدم نفسه بوصفه وهمًا، وإنما بوصفه حقيقة. ولهذا يكون التخلص منه من أصعب المهام التي تواجه العقل البشري. فليس من السهل على الإنسان أن يشكك في الأفكار التي بنى عليها مشاعره، ولا في التصورات التي اعتاد أن يرى العالم من خلالها.
وهكذا يبدو الوهم واحدًا من أكثر آثار فائض التمثّل عمقًا وتأثيرًا. فبينما تعيش الكائنات البايولوجية الأخرى أقرب ما يكون إلى الواقع المباشر، يعيش الإنسان داخل طبقات متراكبة من الصور والتفسيرات والتوقعات. ومن داخل هذه الطبقات يولد جزء كبير من ألمه وصراعاته وسوء فهمه للحياة وللآخرين. وربما كان الاقتراب من الحقيقة يبدأ من لحظة بسيطة لكنها شديدة الصعوبة؛ لحظة يدرك فيها الإنسان أن ما يراه ليس بالضرورة ما هو موجود، وأن كثيرًا مما يخشاه أو يرجوه أو يعتقده قد يكون مجرد صورة أخرى من الصور الكثيرة التي يصنعها فائض التمثّل.
