العدوان على الحيوان… حين أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يسوم غيره من الكائنات سوء العذاب

من بين جميع الظواهر التي تكشف مقدار القطيعة التي تفصل الإنسان عن بقية الكائنات البايولوجية، ربما لا يوجد ما هو أكثر دلالة من الكيفية التي عامل بها الإنسان الحيوانات عبر تاريخه الطويل. فالافتراس موجود في الطبيعة، والصراع من أجل البقاء حقيقة لا تنكرها البايولوجيا، غير أن شيئًا آخر مختلفًا تمامًا ظهر مع الإنسان؛ إذ لم يعد الحيوان يُقتل من أجل الغذاء أو الدفاع عن النفس أو حفظ النوع فحسب، بل أصبح موضوعًا للتسلية، وللاستعراض، وللتجارة، وللربح، ولإشباع نزعات لا تمت بصلة إلى ضرورات البقاء.
ولو تتبعنا التاريخ المكتوب لوجدنا أن روايات الرحالة والمؤرخين والشهود، على اختلاف حضاراتهم وأديانهم وأزمنتهم، تكاد تُجمِع على أن الحيوانات التي سخّرها الإنسان لخدمته قد ذاقت من صنوف العذاب ما لم يكن له ما يبرره. فالخيول والحمير والبغال والجمال والثيران والفيلة وغيرها من الحيوانات التي قامت عليها الزراعة والنقل والتجارة والحروب تعرضت، في كثير من البيئات، للضرب المبرح، والإجهاد المتواصل، والتجويع، والإهمال، حتى غدا ذلك جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية. وهذه ليست سمة حضارة بعينها ولا شعب مخصوص، وإنما ظاهرة إنسانية عامة صاحبت الإنسان في معظم مراحله التاريخية.
ولم يقف الأمر عند الحيوانات التي عاش معها الإنسان، بل امتد إلى حيوانات البراري والغابات والبحار. فكثير من عمليات الصيد لم تكن تهدف إلى سد الجوع، ولا إلى دفع خطر، وإنما كانت تمارس لمجرد التسلية، أو لإثبات المهارة، أو لإشباع شهوة رؤية المطاردة وسفك الدماء. لقد أصبح قتل الحيوان، في كثير من الثقافات، نشاطًا ترفيهيًا يُمارس في أوقات الفراغ، لا ضرورة بايولوجية تفرضه، ولا منفعة وجودية تستدعيه.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الإنسان لم يكتف بأن يمارس هذا العنف بنفسه، بل نجح في تحويله إلى احتفال جماهيري. فما تزال بعض المجتمعات تحتفي حتى يومنا هذا بمشاهد تقوم في جوهرها على تعذيب الحيوان أمام آلاف المتفرجين. ففي مصارعة الثيران، على سبيل المثال، يتحول الألم إلى عرض، ويتحول نزف الدم إلى مادة للتشويق، ويصبح سقوط الحيوان المنهك وسط التصفيق والهتاف خاتمةً لمشهد لا يمكن تفسيره بالحاجة إلى الطعام، ولا بالدفاع عن النفس، ولا بأي منفعة تطورية يمكن أن تفسر هذا السلوك المُفرِط في عدوانيته الهمجية. ولم تتوقف مخيلة الإنسان عند هذا الحد، بل أبدعت أشكالًا أخرى من استغلال الحيوان، كتدبير صراعات الديكة، ومصارعة الكلاب، وغيرها من المنافسات التي يُكرَه فيها الحيوان على قتال حيوان آخر من أجل متعة المتفرجين أو رهانات المقامرين. وهنا يبلغ الانفصال عن اقتصاد الطبيعة ذروة يتعذر العثور على ما يشبهها في عالم الأحياء؛ فالحيوان لا ينظم نِزالات بين أبناء نوعه ليتسلى بمشاهدتها، ولا يراهن على نتائجها، ولا يجمع الجمهور للتصفيق “للمنتصر”. أما الإتجار بالحيوان، فهو فصل آخر من هذه القصة الطويلة. فما يزال العالم يشهد قتل أعداد هائلة من الأفيال من أجل العاج، ووحيد القرن من أجل قرونه، وأسماك القرش من أجل زعانفها، وأنواع عديدة من الزواحف والطيور والثدييات من أجل جلودها أو فرائها أو ريشها أو اقتنائها كسلع نادرة. كما تستمر تجارة الحيوانات الأليفة والبرية، المشروعة وغير المشروعة، في نقل ملايين الكائنات الحية عبر العالم، يموت كثير منها قبل أن يبلغ وجهته، لا لأنها تشكل خطرًا على الإنسان، بل لأنها تحولت إلى سلعة لها ثمن.
ولو تأملنا عالم الحيوان نفسه لوجدنا مفارقة تستحق التفكير. فالحيوانات قد تفترس، وقد تتنافس، وقد تتقاتل دفاعًا عن الغذاء أو الإقليم أو الصغار، لكنها لا تعرف تعذيب الفرائس للتسلية، ولا تنظيم مهرجانات لسفك الدماء، ولا إنشاء أسواق تقوم على جمع أجزاء أجساد الكائنات الأخرى بوصفها كماليات للزينة أو رموزًا للمكانة الاجتماعية. إن عالم الحيوان مليء بـ “القسوة” التي تفرضها ضرورات البقاء، لكنه يخلو من القسوة التي لا وظيفة لها سوى إشباع رغبة نفسية متوحشة.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز الأخلاق إلى البايولوجيا نفسها: إذا كانت وشائج القربى التطورية بين الإنسان وسائر الحيوانات وثيقة إلى هذا الحد، فمن أين جاءت هذه القطيعة السلوكية الهائلة؟ وكيف أصبح الكائن الذي يفاخر بعقله، ويتحدث عن الرحمة، والعدالة، والحكمة، هو الكائن الوحيد الذي استطاع أن يحول تعذيب غيره إلى صناعة، وإلى تجارة، وإلى رياضة، وإلى لون من ألوان الترفيه؟ إن هذه الظواهر لا تنفي ما عند الإنسان من “قدرة” على الرحمة، ولا ما قامت به جمعيات كثيرة من جهود لحماية الحيوان والرفق به، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن مفارقة يصعب تجاهلها: فالكائن الوحيد الذي سنّ القوانين لحماية الحيوان هو نفسه الكائن الوحيد الذي احتاج إلى هذه القوانين، لأنه الوحيد الذي استطاع أن يبلغ في ظلمه للحيوان هذا المستوى من التعقيد والتنظيم والاستمرار.
ولعل هذا كله يعيدنا إلى السؤال الأكبر الذي تثيره هذه السلسلة من المقالات. فإذا كانت الطبيعة قد أنتجت ملايين الأنواع التي تتشارك فيما بينها قانون البقاء، فلماذا انفرد الإنسان بهذا اللون من العدوان الذي يتجاوز الحاجة البايولوجية؟ وهل يكفي مبدأ “التطور المتصل” بلا انقطاع وحده لتفسير هذه القطيعة، أم أن تاريخ الإنسان شهد انعطافة استثنائية أخرجته عن كثير من الضوابط التي ما تزال تحكم سلوك بقية الكائنات الحية؟
إن السؤال لا يتعلق بمدى ذكاء الإنسان، بل بكيفية استعمال هذا الذكاء. فما أشد غرابة أن يكون الكائن الذي يتغنى بعقله هو أكثر الكائنات قدرة على تسخير هذا العقل في صناعة وسائل التعذيب، وتنظيم مشاهد القتل، وتحويل الكائنات الضعيفة إلى أدوات للربح والمتعة. وإذا كان العقل قد منح الإنسان سلطانًا على الأرض، فإن هذا السلطان لا يصبح فضيلة إلا حين تقترن به الرحمة. أما إذا انفصلت القوة عن الرحمة، فسوف يغدو الإنسان، رغم كل ما يفاخر به من حضارة، أكثر الكائنات بعدًا عن الاقتصاد الأخلاقي الذي تخضع لسلطانه بقية الكائنات البايولوجية.

أضف تعليق