اللامنتمي… حين يرفض الإنسان أن يمرض بالوهم

من بين الكتب التي تركت أثراً بالغاً في الفكر الوجودي المعاصر، يحتل كتابا (اللامنتمي) The Outsider و(الدين والمتمرد) Religion and the Rebel للمفكر والأديب الإنجليزي كولن ولسن مكانة خاصة؛ لأنهما لا ينشغلان بتقديم نظرية فلسفية مجردة بقدر ما يحاولان تشخيص ما أسماه ولسن “الحالة الإنسانية”. ولم يكن اهتمامه موجهاً إلى المرض النفسي بالمعنى الطبي، وإنما إلى ذلك الشعور العميق بالغربة والضيق والتمرد الذي لازم عدداً كبيراً من أعظم المبدعين في الأدب والفلسفة والفن والموسيقى.
فلقد استعرض ولسن عشرات الشخصيات التي عاشت هذا الصراع الداخلي؛ من روائيين وشعراء وفلاسفة ورسامين ومفكرين، ولم يكن هدفه أن يثبت إصابتهم باضطرابات نفسية، بل كان يرى أن هؤلاء قد امتلكوا حساسية استثنائية جعلتهم أكثر قدرة من غيرهم على رؤية الشقوق العميقة التي تخترق التجربة الإنسانية. ولذلك كان يعترض على الميل الشائع إلى اختزال كل معاناة وجودية في تشخيص سريري، وكأن كل من يشكك في قدرة الحضارة المعاصرة على تفسير الإنسان يحتاج إلى طبيب نفسي. فلقد كان ولسن يرى أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فالمبدع الذي يشعر بأن العالم يفتقد المعنى ليس بالضرورة مريضاً، بل قد يكون أكثر الناس إدراكاً لحقيقة هذا العالم. والإنسان الذي يعجز عن الانسجام مع “السائد” ليس بالضرورة عاجزاً عن التكيف، وإنما قد يكون قد رأى في ذلك “السائد” ما لم يره غيره. وهنا يتحول اللامنتمي من شخص فشل في الاندماج إلى شاهد على أزمة وجودية شاملة.
ومن منظور الميتابايولوجيا يمكن النظر إلى هذه الرؤية بوصفها تشخيصاً بالغ الدقة، وإن كانت تفتقر إلى تفسير السبب الجذري الذي جعل الإنسان يعيش هذا العبء الوجودي أصلاً. فما يسميه ولسن “الحالة الإنسانية” يمكن فهمه بوصفه أثراً مباشراً لما أسميه “فائض التمثّل”؛ وهو ذلك التحول الجذري الذي جعل الإنسان يخرج من الاقتصاد الصارم للطبيعة إلى عالم امتلأ بالمعاني المتضخمة، والرموز، والأوهام، والتصورات، والمخاوف، والطموحات التي لا تنتهي.
فاللامنتمي لا يختلف عن بقية البشر من حيث الطبيعة، وإنما يختلف عنهم في مقدار مقاومته للخضوع لهذا الفائض؛ فهو يرى التناقضات التي اعتاد الآخرون التعايش معها، ويشعر بثقل الأسئلة التي نجحت المجتمعات في دفنها تحت طبقات كثيفة من العادات، والموروثات، والأيديولوجيات، والأساطير، والانشغالات اليومية. فاللامنتمي هو أقل استعداداً لقبول الأجوبة الجاهزة، وأكثر ميلاً إلى تمزيق الأقنعة التي صنعتها الحضارة لتخفف عن الإنسان رعب مواجهته لنفسه.
ولذلك فإن كثيراً من هؤلاء المبدعين كانوا يوصفون بالمتمردين أو العدميين أو المرضى النفسيين، بينما قد يكونون في حقيقة الأمر أشخاصاً امتلكوا من رهافة الحس ما جعلهم يعجزون عن التكيف مع الوهم الجماعي؛ إذ أنهم لا يعانون لأنهم مرضى، بل لأنهم رأوا من الحقيقة ما يجعل التعايش مع الزيف أكثر إيلاماً من مواجهة الواقع.
غير أن تشخيص الأزمة، مهما بلغ من العمق، لا يكفي وحده. وهنا يكمن الحد الذي انتهى إليه المشروع الوجودي عند ولسن، ويبدأ عنده سؤال آخر: إذا كانت البشرية قد شخصت آلامها، فمن أين يأتي العلاج؟ فالميتابايولوجيا ترى أن الإنسان لم يكن قادراً، بعقله وحده، على إدراك طبيعة “الحدث” الذي أخرجه من نظام الطبيعة، ولا على تقدير العواقب البعيدة لهذا التحول. ولذلك فلم يكن هنالك من أحدٍ بوسعه أن يعين الإنسان على حل هذا الإشكال الوجودي إلا الوحي؛ لا بوصفه بديلاً عن العقل، بل بوصفه البيان الذي يكشف للإنسان حقيقة ما جرى له، والطريق الذي يمكن أن يعيده إلى الاتزان. فالقرآن، في هذا التصور، لا يبدأ من حيث تبدأ الفلسفات الإنسانية، بل من النقطة التي تعجز عندها جميع محاولات الإنسان عن تفسير نفسه بنفسه.
ولعل المأساة الكبرى لم تكن في نزول الوحي، ولكن في الكيفية التي استقبله بها البشر. فما إن بلغهم النص الإلهي حتى بدأت طبقات جديدة من فائض التمثّل تتراكم فوقه؛ بالتأويلات المتضخمة، والإضافات، والتحريف، والانتقاء، وإنتاج نصوص بشرية مُنحت سلطة تكاد تضاهي سلطة الوحي نفسه، حتى أصبح الإنسان، في كثير من الأحيان، يقرأ تلك الطبقات البشرية أكثر مما يقرأ النص الإلهي الذي جاءت لتفسره.
ومن هنا يصبح اللامنتمي، في أعمق صوره، ليس عدواً للدين، وإنما عدواً للوهم الذي يحيط بالدين، وعدواً لكل سلطة معرفية تحول بين الإنسان وبين مواجهة حقيقته. فهو يرفض أن يستبدل البحث عن الحقيقة بالاطمئنان إلى المألوف، ويرفض أن يجعل من الإجماع دليلاً على الصواب، أو من الكثرة برهاناً على الحقيقة.
إن اللامنتمي ليس إنساناً منفصلاً عن البشر، بل هو إنسان عاد إليهم حاملاً مرآة يخشون النظر فيها. فهو يصرخ في وجه الإنسانية قائلاً: إلى متى تواصلون الهرب من أنفسكم؟ إلى متى تظنون أن المزيد من التقدم التقني، أو الثروة، أو القوة، أو الأيديولوجيا، أو حتى التدين الشكلي، قادر على معالجة جرح وجودي لم تُشخَّص أسبابه بعد؟
إن أعظم المبدعين لم يكونوا أنبياء، ولم يدّعوا امتلاك الوحي، لكنهم كانوا يمتلكون شجاعة نادرة على تسمية الألم باسمه. أما الوحي فقد جاء ليكشف ليس الألم وحده، بل علَّته، وليبين أن الإنسان لا يستطيع النجاة من ضعفه إلا إذا اعترف أولاً بحقيقته، ثم سلك طريق إصلاحها قبل أن يأتي اليوم الذي تنكشف فيه جميع الأوهام، فلا يبقى إلا الحق، ويستيقظ الإنسان على مشهد يوم عظيم طالما فرّ من التفكير فيه؛ وهو يوم لا تنفع فيه السرديات التي صنعها فائض التمثّل، ولا الأقنعة التي اختبأ خلفها، ولا الأصوات التي أقنعته بأن مشكلته كانت مجرد اضطراب نفسي، بينما كانت في حقيقتها أزمة وجود، ومسؤولية، ومصير.

أضف تعليق