العبء الوجودي ورهافة الحس… لماذا أخطأ الطب النفسي في فهم “اللامنتمي” لـ كولن ولسن؟

لطالما نزع المجتمع الحديث، مدفوعاً ببراغماتية علمية جافة، إلى تصنيف كل خروج عن المألوف على أنه “اضطراب نفسي” يستوجب العلاج. وحين يقف المبدع، فنانًا كان أم أديبًا أو فيلسوفًا، ليشير بأصبع الاتهام إلى عجز العلم المعاصر عن سبر أغوار الظاهرة الإنسانية، وتفكيك معضلة الضعف البشري، تسارع المؤسسات الجاهزة إلى إحالة صرخته إلى عيادة الطبيب النفسي. غير أن المفكر والأديب الإنجليزي الفذ كولن ولسن كان له رأي آخر تماماً، صاغه بحرفية مذهلة في كتابيه التأسيسيين: “اللامنتمي” (The Outsider) و”الدين والمتمرد (سقوط الحضارة) ” (Religion and the Rebel). ففي هذين الأثرين الفكريين، يستعرض ولسن جمهرة غفيرة من عباقرة الفكر والإبداع الذين عانوا من عذابات داخلية ومعاناة نفسية هائلة. لم يَرَ ولسن في هذه المعاناة “مرضاً” بالمعنى الإكلينيكي، بل رآها أثراً جانبياً حتمياً لرهافة الحس، وقدرة فائقة على التشخيص الصائب والدقيق لما يُعرف بـ “الحالة الإنسانية” (The Human Condition) . فما يعبر عنه المبدع ليس خللاً في كيمياء الدماغ، بل هو طلاقة في التعبير عما يعتمل في أعماق الإنسان، كل إنسان، من أوجاع فرضتها عليه حقيقته ككائن بايولوجي “خُلق ضعيفاً”. فلقد أصاب كولن ولسن حين وصف الأمر بكلماته التي تفيض فهماً وإدراكاً لأبعاد الحالة الإنسانية وأعماقها الخفية بقوله: “اللامنتمي ليس مجنوناً؛ بل هو الشخص الذي استيقظ فجأة ليجد نفسه في عالم يسير بصورة عمياء، وهو الوحيد الذي يرى الهاوية”.
فالعلم المعاصر، وبطبيعته التفكيكية، ينجح في قياس الوظائف الحيوية، لكنه يفشل فشلاً ذريعاً في تفسير “معنى الوجود”. وعندما يتحدث المبدع عن مغص وجودي أو قلق دائم، فهو لا يطلب مهدئات تخدر وعيه، بل يعبر عن العبء الوجودي؛ ذلك الثقل المعرفي والروحي الذي لم يكن الإنسان ليصبح الكائن الفريد الذي نعرفه اليوم لولاه. فهذا العبء هو أصل الوعي، والوعي بطبيعته مؤلم. لذا، فإن محاكمة المبدعين ونصحهم بمراجعة الطبيب النفسي كلما تمردوا على ضيق الأفق العلمي، هو تسطيح فكري يعجز عن التمييز بين “المرض” و”اليقظة الروحية الحادة”. أما كولن ولسن فلقد بيَّن بالمقابل، بكثير من العمق، أن الحل لهؤلاء المبدعين، وللإنسانية من ورائهم، لا علاقة له بالعقاقير أو بجلسات التحليل النفسي التقليدية التي تسعى لإعادة المتمرد إلى “حظيرة القطيع السعيد”. فالحل يكمن في شيء آخر تماماً:
• توجيه الطاقة الوجودية وذلك بتحويل القلق الوجودي إلى إرادة قوة وإبداع متجدد.
• الوعي المتعالي، وذلك بالانتقال من مرحلة المعاناة السلبية من “اللامنتمية” إلى مرحلة السيطرة الذهنية والرؤية الثاقبة.
• الاعتراف بالاستثناء، وذلك بأن يفهم المجتمع أن رهافة حس المبدع ليست عيباً خلقياً، بل هي مجسات بشرية متطورة تلتقط ذبذبات الألم الإنساني المشترك وتصيغها في قوالب معرفية وفنية تنير الدرب للآخرين.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الاستمرار في وصم المبدع بالاعتلال النفسي لمجرد أنه يرفض الإجابات المعلبة التي يقدمها العلم المعاصر، هو جريمة بحق الوعي البشري. فكولن ولسن يخبرنا أن هؤلاء “اللامنتمين” هم حراس الشعلة، وهم الذين يحملون العبء الوجودي نيابة عنا جميعاً، وذلك لكي يبقى الإنسان إنساناً، شاعراً بالوجود، رافضاً للآلية، ومستبصراً بالضعف البشري الذي هو، وللمفارقة، مصدر قوته وتميزه الأسمى.

أضف تعليق