
من بين جميع الأسئلة التي تثيرها نظرية الانعطافة التطورية الأولى، ربما لا يوجد سؤال أكثر جرأة ولا أشد تحدياً من محاولة تصور الكائن الذي كان يمكن أن يصبح عليه الإنسان لو أن تلك الانعطافة لم تحدث أصلاً. فنحن، وبعد هذه الرحلة الطويلة التي قطعتها هذه السلسلة عبر عشرات المقالات، لم نعد ننظر إلى الإنسان بوصفه النتيجة الحتمية التي كان لا بد أن يصل إليها التطور البايولوجي، وإنما بوصفه نتيجة مسار تطوري انحرف، في لحظة مفصلية، عن وجهته الطبيعية. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما الوجهة التي كان سيتخذها التطور لو أنه لم ينحرف عن وجهته الطبيعية قط؟
إن هذا السؤال لا يدعونا إلى إعادة بناء الماضي فحسب، وإنما يدعونا إلى إعادة بناء مستقبلٍ لم يحدث. فهو يطلب منا أن نتخيل كائناً لم يوجد قط، ومع ذلك فإن كل ما نعرفه اليوم عن الإنسان يوحي بأنه كان مرشحاً للوجود أكثر من الإنسان الذي نعرفه الآن، لو بقي التطور محافظاً على استمراريته واتصاله، ولم يتعرض لذلك الانقطاع الذي غيّر مساره تغييراً جذرياً.
فلقد اعتدنا أن ننظر إلى الإنسان المعاصر بوصفه ذروة المشروع التطوري، وأن نتعامل مع صفاته الحالية كما لو كانت النتيجة الطبيعية التي كان لابد للطبيعة أن تبلغها. غير أن فرضية الانعطافة التطورية الأولى تقلب هذا التصور رأساً على عقب؛ إذ أنها تجعل الإنسان الذي نعرفه استثناءً تطورياً، وليس خاتمة ضرورية للتطور. وبذلك يغدو الإنسان الحالي واحداً من الاحتمالات الممكنة، وليس الاحتمال الوحيد. ولو صح ذلك، فإن أول ما يمكن توقعه هو أن ذلك الكائن الافتراضي كان سيبقى أكثر التصاقاً بعالم الطبيعة من الإنسان الحالي. فلم يكن ليفقد غطاءه الشعري الذي رافق أسلافه عبر ملايين السنين، لأن الظروف التي اقتضت هذا التحول ما كانت لتنشأ أصلاً. وكان جهازه المناعي سيظل يعمل بالكفاءة التي تميز سائر الكائنات البايولوجية، فلا يعود ذلك الكائن الذي يقضي جانباً كبيراً من تاريخه في صراع دائم مع الأمراض والأوبئة والاختلالات المناعية. وكان نشاطه الجنسي سيبقى خاضعاً للقانون الذي يحكم الحياة البايولوجية كلها، قانون اقتصاد الطبيعة، وما كان سيتحول إلى رغبة منفصلة عن وظيفتها البايولوجية، ولا إلى صناعة أو تجارة، ولا إلى موضوع دائم للإثارة والخيال والإدمان، بل كان سيبقى، كما هو الحال عند معظم الكائنات الحية، نشاطاً محكوماً بضرورات التناسل واستمرار النوع، لا أكثر. كما ما كان ذلك الكائن سيعرف العدوان بالصورة التي عرفها الإنسان. نعم، كان سيقاتل دفاعاً عن نفسه أو عن نسله، كما تفعل الكائنات البايولوجية الأخرى، لكنه لم يكن ليبني جيوشاً، ولا إمبراطوريات، ولا مصانع للأسلحة، ولا معسكرات للإبادة، ولا سجونا للتعذيب، ولا تاريخاً طويلاً من الحروب التي يقتل فيها الإنسان أخاه الإنسان باسم الدين أو الوطن أو العرق أو الثروة أو الفكرة. غير أن أعظم اختلاف بين ذلك الكائن الافتراضي والإنسان الذي نعرفه لا يكمن في جسده، بل في عقله. فلقد انتهت هذه السلسلة من المقالات إلى أن السمة الأكثر تميزاً للعقل الإنساني ليست الذكاء، ولا اللغة، ولا القدرة على التفكير المجرد، وإنما خضوعه لما أسميناه فائض التمثّل؛ ذلك النشاط الذهني الذي يدفع الإنسان إلى تجاوز الواقع باستمرار، وإعادة تشكيله في صورة تصورات وتأويلات ورموز واحتمالات لا تنتهي. ولو لم تحدث الانعطافة التطورية الأولى، لما وُجد فائض التمثل بهذا المعنى أصلاً. ولظل الإدراك منضبطاً بحدود الواقع المباشر، كما هو الحال في بقية الكائنات الحية. وعندئذ لم تكن لتولد الأساطير، أو تنشأ الفلسفات، كما لم تكن الإيديولوجيات لتظهر، ولا الحضارات لتقوم بالصورة التي نعرفها، ولم تكن العلوم نفسها لتتخذ هذا المسار التراكمي الذي فرضه عقلٌ لا يكف عن التساؤل وإعادة تفسير العالم.
ولعل هذا الاستنتاج يبدو لأول وهلة صادماً؛ لأنه يعني أن أعظم منجزات الإنسان هي من نتائج ذلك الخروج عن المسار الطبيعي. لكن هذا لا يقلل من قيمتها بقدر ما يبين أنها ليست امتداداً بسيطاً للتطور البايولوجي، وإنماا ثمرة لتحول نوعي غيّر كيفية عمل العقل نفسه.
والأمر ذاته ينطبق على الجانب الآخر من الصورة؛ فذلك الكائن لم يكن ليعرف الغيرة المرضية، ولا الحسد، ولا الحقد، ولا جنون العظمة، ولا الشعور القاتل بالذنب، ولا الرغبة في الانتقام، ولا القلق الوجودي، ولا الصراعات النفسية التي جعلت الإنسان الكائن الوحيد الذي بمقدوره أن يتحول إلى العدو الأكبر لنفسه. فلم تكن نفس الانسان لتتمزق بين ما هو كائن وما يتخيل انه ما ينبغي أن يكون، لأنه لم يكن ليعيش أصلاً داخل ذلك العالم اللامتناهي من التمثلات. ولم يكن ليعرف الإدمان، ولا الإسراف، ولا البغاء، ولا التعذيب، ولا التعصب، ولا الاستغلال، ولا سائر الظواهر التي ناقشتها هذه السلسلة من المقالات باعتبارها تجليات مختلفة لهيمنة فائض التمثّل على العقل الإنساني. وكان الإنسان ليبقى مندمجاً في اقتصاد الطبيعة، لا يستهلك إلا ما يحتاج إليه، ولا يرغب إلا فيما يخدم بقاءه، ولا يفسد من أجل فكرة أو وهم أو رغبة لا وجود لها إلا داخل رأسه.
وهنا نبلغ السؤال الذي كان ليبدو، وحتى وقت قريب، أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى البحث العلمي: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على رسم صورة لهذا الكائن الذي لم يوجد قط؟ لعل الإجابة هي: نعم، إلى حد بعيد، فالذكاء الاصطناعي لا يمتلك خيالاً بالمفهوم الإنساني، لكنه يمتلك قدرة استثنائية على بناء النماذج الافتراضية انطلاقاً من المعطيات المتاحة. فهو يستطيع أن يجمع نتائج البايولوجيا التطورية، وعلم الوراثة، وعلم الأعصاب، وسلوك الحيوان، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، ثم يعيد تركيبها وفق فرضية مختلفة، ليرسم أمامنا صورة محتملة لمسار تطوري لم يتحقق.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيخبرنا بما حدث فعلاً، وإنما بما كان يمكن أن يحدث لو تغيرت شروط البداية. فالذكاء الاصطناعي لا يستحضر الماضي، بل يستكشف فضاء الإمكانات الكامنة فيه.
ولعل هذه هي المرة الأولى في تاريخ الفكر الإنساني التي يصبح فيها من الممكن التعامل مع سؤال من هذا النوع بطريقة تتجاوز حدود التأمل الفلسفي الخالص. فالذكاء الاصطناعي يتيح لنا أن نحول الفرضيات الكبرى إلى نماذج يمكن اختبار اتساقها الداخلي، ومقارنتها بما نعرفه عن الإنسان والطبيعة، وهو ما قد يفتح باباً جديداً تماماً أمام الدراسات الميتابايولوجية في المستقبل.
وربما لن نستطيع يوماً أن نعرف على وجه اليقين كيف كان سيبدو ذلك الإنسان الذي لم يولد قط. غير أن مجرد محاولة رسم ملامحه قد تكون من أفضل السبل لفهم الإنسان الذي ولد بالفعل. فحين نرى بوضوح الطريق الذي لم يسلكه التطور، يصبح من الأسهل علينا أن نفهم الطريق الذي سلكه، وأن ندرك أن الإنسان الذي نعرفه ليس بالضرورة الصورة الوحيدة التي كان يمكن أن تظهر الى الوجود، بل ربما يكون أكثر الصور استثناءً وغرابة.
