فائض التمثّل وقصص الأنبياء… نحو معيار تشخيصي لتمييز النص الإلهي من الإضافات البشرية

من بين جميع التطبيقات التي يمكن أن يثمر عنها مفهوم فائض التمثّل، ربما لا يوجد ميدان أكثر خصوبة لاختباره من ميدان قصص الأنبياء. فهذه القصص تمثل عبر التاريخ إحدى أكثر البيئات التي استثارت الخيال الإنساني، وأطلقت العنان للرغبة في الإضافة والتفسير والتوسع والتفصيل. ولهذا السبب تحديدًا تصبح مجالًا مناسبًا لدراسة الكيفية التي يعمل بها فائض التمثّل، وكيف يترك بصمته على النصوص التي يصوغها الإنسان، حتى عندما يكون منطلقه نصًا دينيًا مقدسًا. وإذا اتخذنا القرآن الكريم نموذجًا للنص الإلهي، فإن أول ما يلفت الانتباه هو مقدار الانضباط الذي يحكم عرضه لقصص الأنبياء. فالقرآن لا يروي القصص بقصد إشباع الفضول، ولا يسعى إلى إمتاع المتلقي بحبكات درامية أو تفاصيل سردية، ولا يغرق في أوصاف الأشخاص والأمكنة والأزمنة إلا بالقدر الذي يخدم غاية الهداية التي جاء من أجلها. ولذلك يبدو النص القرآني شديد الاقتصاد في عباراته، متوازنًا في سرده، متحررًا من الحشو والإسهاب، ملتزمًا بالحد الذي تقتضيه الرسالة دون زيادة تستجيب لتوقعات المتلقي أو رغباته الحكائية.
والأمر اللافت كذلك أن القرآن يعرض الأنبياء بوصفهم بشرًا اصطفاهم الله لتبليغ رسالاته، وليس بوصفهم كائنات خرجت عن حدود البشرية. فهم يأكلون ويشربون ويمرضون ويخافون ويفرحون ويحزنون ويجاهدون ويصبرون، ويظلون في جميع أحوالهم عبادًا لله لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئًا إلا ما شاء الله. وحتى حين يذكر القرآن المعجزات المرتبطة ببعض الأنبياء، فإنه يربطها دائمًا بإرادة الله وقدرته، فلا تتحول إلى صفات ذاتية مستقلة للنبي، ولا تصبح وسيلة لرفعه إلى مرتبة تتجاوز حدود العبودية.
غير أن الصورة تختلف اختلافًا ملحوظًا عندما ننتقل إلى كثير من النصوص البشرية التي تناولت الأنبياء عبر التاريخ. فهناك يبرز فائض التمثّل بكل وضوح. إذ يبدأ العقل البشري في سد ما يراه فراغات، وإكمال ما يتوهم أنه نقص، وإضافة أحداث لم يذكرها النص الأصلي، وصياغة حوارات مطولة، ووصف تفاصيل لم يرد لها أثر في النص الإلهي، ثم لا يلبث أن يضفي على الأنبياء صفات استثنائية تتضخم شيئًا فشيئًا حتى تكاد تخرجهم من الإطار الذي وضعهم فيه الوحي الإلهي. وهذا التوسع السردي ليس مجرد ميل أدبي بريء، بل يمثل أحد أكثر المظاهر وضوحًا لعمل فائض التمثّل؛ فالعقل الإنساني يجد صعوبة في الاكتفاء بما ورد في النص الأصلي، لأنه اعتاد أن يملأ كل مساحة صامتة بتصوراته الخاصة. فهذا العقل لا يحتمل الفراغ المعرفي، ولا يرضى بأن يقف عند حدود ما أُذن له بمعرفته، ولذلك ينزع بطبيعته إلى إنتاج التأويلات، وصناعة التفاصيل، وتوسيع الحكاية بما يجعلها أكثر توافقًا مع ذائقته السردية.
ومن هنا بدأت عبر التاريخ موجات متتابعة من التعظيم الذي تجاوز حدود الرسالة نفسها. فتنافست المجتمعات في نسبة الكرامات الخارقة، والقدرات المطلقة، والعلوم غير المحدودة، والتصرف في الكون، والتأثير في مصائر البشر، حتى انتهى الأمر عند بعض المجتمعات إلى تأليه بعض الأنبياء أو إسناد صفات إلهية إليهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وكلما ابتعدت الرواية عن النص المؤسس، ازدادت مساحة فائض التمثّل، حتى أصبح من العسير التمييز بين ما هو وحي وما هو نتاج المخيلة الإنسانية.
ومن هذه الزاوية يغدو فائض التمثّل إطارًا تشخيصيًا يمكن الاستفادة منه في دراسة النصوص الدينية. فكلما ازداد النص ميلًا إلى الإغراق في التفاصيل التي لا تخدم غاية الهداية، أو إلى تضخيم الأشخاص، أو إلى إشباع الفضول الحكائي، أو إلى إنتاج صور أسطورية تتجاوز ما يقتضيه النص المؤسس، كان ذلك قرينة تستحق الدراسة بوصفها أثرًا محتملاً لتدخل المخيلة البشرية. وعلى العكس من ذلك، فإن النص الذي يحافظ على الانضباط، ويقاوم الإغراء السردي، ويقف عند حدود الرسالة، ويجعل التوحيد المركز الذي تدور حوله جميع عناصر الخطاب، يقترب من السمات التي يتوقعها هذا الإطار التحليلي للنص الإلهي.
ولا يقتصر هذا الأثر على إضافة الأحداث، بل يمتد إلى طبيعة اللغة نفسها. فكلما تحولت لغة الخطاب إلى لغة تمجيد غير منضبط، أو إلى أوصاف مطلقة لا يقرها النص المؤسس، أو إلى بناء هالات من القداسة حول الأشخاص، ظهر فائض التمثّل بوصفه قوة معرفية تعيد تشكيل النص وفق حاجات الإنسان النفسية والثقافية أكثر مما تعكس حقيقة الوحي.
وهكذا لا يصبح فائض التمثّل مجرد مفهوم يفسر ظاهرة نفسية أو معرفية، بل يتحول إلى أداة نقدية يمكن توظيفها في دراسة تطور السرد الديني عبر التاريخ، وفي تمييز طبقات النص، والكشف عن المواضع التي يبدو فيها أثر الإنسان أكثر حضورًا من أثر الوحي. وهو لا يدعو إلى رفض التراث أو إهماله، وإنما إلى إعادة قراءته بمنهج يميز بين النص المؤسس وبين ما تراكم حوله من شروح وتفسيرات وتمثلات أملتها طبيعة العقل البشري.
ولعل القيمة الأهم لهذا المنهج أنه يعيد الاعتبار إلى البساطة التي امتاز بها الوحي، وإلى الصرامة المعرفية التي التزم بها القرآن في حديثه عن الأنبياء. فالنص الإلهي لا يسعى إلى إبهار الإنسان بالأساطير، وإنما إلى هدايته بالحق، ولا يربي فيه الإعجاب بالأشخاص بقدر ما يربي فيه الإخلاص لله وحده. أما فائض التمثّل، فإنه يميل على الدوام إلى صناعة البطولات الخارقة، وبناء الشخصيات الأسطورية، وإنتاج السرديات التي تستجيب لما ألفه الإنسان منذ طفولته من ولع بالحكاية، حتى يغدو أحيانًا أسيرًا لما أضافه الخيال أكثر من كونه متدبرًا لما أنزله الله.
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة قراءة قصص الأنبياء في ضوء هذا الإطار التشخيصي المقترح؛ وذلك ليس من أجل الانتقاص من التراث، ولا بقصد إثارة الجدل، وإنما لاستعادة التمييز بين الوحي في صورته الأصلية، وما راكمته القرون من إضافات بشرية صنعتها الحاجة إلى التوسع والتقديس،والتخييل، وهي الحاجة التي يمثّل فائض التمثّل أحد أبرز منابعها في التجربة الإنسانية.

أضف تعليق