ما بعد الداروينية… هل بدأ عصر النماذج التطورية البديلة؟

من بين جميع النتائج التي يمكن أن تترتب على نظرية الانعطافة التطورية الأولى، ربما لا توجد نتيجة أكثر قدرة على الارتقاء بفهمنا للإنسان وللكيفية التي تأتى له بها أن يصبح على هذا القدر من التناشز مع كل من الطبيعة وكائناتها من جهة، ومع ماضيه التطوري من جهة أخرى، من أنها قد تدعونا إلى إعادة النظر في الكيفية التي اعتدنا أن ننظر بها الى التطور نفسه. فطوال أكثر من قرن ونصف، انصبّ الجهد العلمي، بحق، على إعادة بناء التاريخ الفعلي للحياة البايولوجية؛ أي محاولة الإجابة عن سؤال واحد: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ولماذا حدث؟ وقد أثمرت هذه الجهود إنجازات هائلة جعلت البايولوجيا التطورية إحدى أكثر العلوم نضجاً وقدرة على تفسير التنوع الحيوي وأصول الكائنات الحية.
غير أن هذا النجاح الكبير قد يكون، في الوقت نفسه، قد رسّخ افتراضاً لم يلتفت إليه كثير من الباحثين؛ وهو أن التاريخ الذي وقع بالفعل هو التاريخ الوحيد الذي يستحق الدراسة. فصار التطور يُقرأ بوصفه سلسلة واحدة من الأحداث المتصلة، وكأن جميع الطرق الأخرى التي كان يمكن للطبيعة أن تسلكها قد اختفت من دائرة البحث العلمي بمجرد أنها لم تتحقق.
وهنا تحديداً يبرز الأفق الجديد الذي تفتحه فرضية الانعطافة التطورية الأولى. فهي لا تكتفي بتقديم تفسير مختلف لبعض خصائص الإنسان، بل تقترح تغييراً أعمق في طبيعة السؤال العلمي نفسه. فبدلاً من الاقتصار على سؤال: “كيف أصبح الإنسان كما هو؟”، تضيف سؤالاً آخر لا يقل مشروعية من الناحية المنهجية: “كيف كان يمكن أن يصبح لو لم يتغير مسار تطوره؟”
قد يبدو هذا السؤال لأول وهلة أقرب إلى التأمل الفلسفي أو إلى الخيال العلمي، غير أن العلوم المعاصرة لم تعد غريبة عن مثل هذه المقاربات. فالفيزياء، على سبيل المثال، تعتمد بصورة واسعة على النماذج الافتراضية، كما تعتمد علوم المناخ والاقتصاد والوراثة وعلم الأوبئة على محاكاة سيناريوهات لم تقع، ولكنها كانت ممكنة الوقوع. ولم يعد الهدف من هذه النماذج معرفة الماضي، بل اختبار مدى اتساق الفرضيات وفهم العلاقات التي تحكم الظواهر. ولعل البايولوجيا التطورية نفسها تقف اليوم على أعتاب مرحلة مشابهة. فمع التطور الهائل في الذكاء الاصطناعي، والنمذجة الحاسوبية، والوراثة المقارنة، وعلم الأعصاب، ودراسة سلوك الحيوان، أصبح بالإمكان بناء نماذج افتراضية لمسارات تطورية بديلة، ليس بهدف الادعاء بأنها وقعت بالفعل، ولكن لمعرفة مدى انسجامها مع ما نعرفه عن قوانين الحياة البايولوجية.
ومن هنا تكتسب فرضية الانعطافة التطورية الأولى قيمتها المنهجية. فهي لا تطلب من الباحث أن يتخلى عن الأدلة، ولا أن يستبدل العلم بالتخمين، وإنما تدعوه إلى توسيع دائرة البحث بحيث لا يقتصر على الواقع التاريخي وحده، بل يشمل فضاء الإمكانات التي كان الواقع واحداً منها.
وهذا التحول ليس أمراً ثانوياً، لأن دراسة الاحتمالات قد تكون، في أحيان كثيرة، هي الطريق الأقصر لفهم الوقائع نفسها. فالطبيب لا يكتفي بدراسة المريض كما هو، بل يسأل كيف كان سيصبح لو لم يُصَب بالمرض. وعالم البيئة لا يدرس النظام البيئي القائم فقط، بل يحاكي ما كان سيحدث لو اختفى أحد عناصره. وكذلك يفعل الفيزيائي عندما يحذف متغيراً من معادلته ليفهم مقدار أثره في النتيجة النهائية.
فلماذا يبقى التطور البايولوجي وحده محروماً من هذا النوع من الأسئلة؟ إن الإنسان، وفقاً لهذه الرؤية، لا يعود مجرد نهاية لسلسلة تطورية، وإنما يصبح تجربة من بين تجارب كان يمكن للطبيعة أن تفضي إليها. وهذا لا يعني أن وجوده كان مصادفة محضة، ولا أنه بلا جذور بايولوجية، وإنما يعني أن الصورة التي انتهى إليها ليست الصورة الوحيدة الممكنة.
ومن هنا تكتسب المقالة السابقة “الإنسان الذي لم يوجد قط” معناها الحقيقي؛ فهي لا تحاول رسم صورة خيالية لكائن وهمي، وإنما تستخدم هذا الكائن الافتراضي بوصفه أداة منهجية لفهم الإنسان الواقعي. فحين نتخيل المسار التطوري الذي لم يتحقق، يصبح من الممكن أن ندرك، بوضوح أكبر، طبيعة المسار الذي تحقق بالفعل، وأن نميز بين ما هو امتداد طبيعي للتطور، وما قد يكون نتيجة لـ “تحول نوعي” غيّر طريقة عمل العقل الإنساني.
ولعل هذا هو الجانب الأكثر إثارة في النظرية؛ إذ أنها لا تنظر إلى الإنسان بوصفه مجرد كائن أكثر ذكاءً من غيره، ولكن بوصفه كائناً تغيرت البنية الوظيفية لإدراكه، فأصبح يعيش داخل عالم مزدوج؛ عالم الواقع من جهة، وعالم التمثلات والتصورات والتأويلات من جهة أخرى. وإذا صح هذا الافتراض، فإن كثيراً من الظواهر التي تبدو متباعدة فيما بينها، من الأسطورة والفلسفة والدين والعلم، إلى الحرب والإدمان والإسراف والتعصب، قد لا تكون إلا تعبيرات مختلفة عن هذا التحول التطوري المفاجيء  نفسه. وهنا تتجاوز النظرية حدود البايولوجيا التطورية لتدخل في حوار مباشر مع الإبستمولوجيا، وفلسفة العلم، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس التطوري، وسوسيولوجيا الدين، وحتى فلسفة التاريخ. فهذه النظرية لا تقدم تفسيراً لصفة واحدة من صفات الإنسان، ولكنها تقترح إطاراً يمكن أن تنتظم داخله ظواهر إنسانية كثيرة ظلت تُدرس حتى اليوم باعتبارها موضوعات منفصلة عن بعضها البعض. ولا يعني هذا أن النظريات السائدة قد فقدت قيمتها المعرفية، أو أن مناهج البحث الراهنة أصبحت غير ذات جدوى. بل، وعلى العكس، فإن أي نموذج جديد لا يكتسب قيمته إلا إذا استطاع أن يتحاور مع تلك المناهج، وأن يفسر ما تفسره، وأن يضيف إليها أسئلة جديدة أو يربط بين نتائجها بطريقة أكثر اتساعاً. فالتقدم العلمي لا يتحقق بإلغاء ما سبقه، وإنما بتوسيع قدرته التفسيرية وإعادة تنظيم معارفه في أطر أكثر شمولاً.
ولعلنا نقترب اليوم من لحظة تاريخية تسمح لأول مرة بحدوث هذا النوع من التحول. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة للحساب، بل أصبح مختبراً للنماذج الفكرية، وميداناً يمكن أن تُختبر فيه الفرضيات الكبرى من خلال بناء عوالم افتراضية متماسكة داخلياً، ومقارنتها بما تكشفه العلوم التجريبية المختلفة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه نظرية الانعطافة التطورية الأولى ليس ما إذا كانت تصف الماضي وصفاً صحيحاً فحسب، وإنما ما إذا كانت قادرة على إنتاج برنامج بحثي جديد، يفتح أمام العلوم الإنسانية والطبيعية معاً أسئلة لم يكن من الممكن طرحها من قبل.
فربما لا يكون الإنجاز الأكبر لأي نظرية هو أن تقدم جواباً جديداً، وإنما أن تجعل البشرية تطرح أسئلة جديدة لم تكن تعلم أنها قادرة على طرحها. وإذا كان الأمر كذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه النظرية قد لا تكمن في إعادة كتابة تاريخ الإنسان وحده، بل في إعادة تعريف الكيفية التي يدرس بها العلم نفسه تاريخ الحياة، والانتقال من علم يقتفي أثر ما وقع، إلى علم يستكشف أيضاً ما كان يمكن أن يقع، وما يكشفه ذلك من أسرار عن الإنسان والطبيعة معاً.

أضف تعليق