التناقض… حين أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي ينقض غزله بيده

من بين جميع السمات التي تكشف مقدار القطيعة التي تفصل الإنسان عن بقية الكائنات البايولوجية، ربما لا توجد سمة أكثر وضوحاً ولا أشد حضوراً من ظاهرة التناقض. فالإنسان لا يكتفي بأن يخطط ويقرر ويعمل، وإنما يستطيع، في اللحظة نفسها، أن يتحول إلى أول من يقوض ما بناه، وأن يصبح العقبة الكبرى في طريق المشروع الذي أفنى سنوات من عمره في تشييده. وهذه الظاهرة تكاد تكون غائبة عن عالم الحيوان، الذي تحكمه وحدة الإرادة وانسجام السلوك مع الغاية البايولوجية التي وجد من أجلها. فالطائر الذي يبدأ ببناء عشه لا يتوقف في منتصف الطريق لأنه راوده الشك في جدوى البناء، ولا يعود بعد أن يفرغ منه ليهدمه بملء إرادته. والنحل لا يقضي شهوراً في بناء خليته ثم يقرر، في نوبة غضب عابرة، أن يدمرها. كما أن الذئب لا يتراجع عن مطاردة فريسته لأن إرادة أخرى نشأت داخله تناقض الأولى. فالحيوان، وإن تعددت دوافعه الغريزية، فإنه يبقى محكوماً بمنظومة بايولوجية تجعل قراراته منسجمة مع مقتضيات البقاء، فلا تنشطر إرادته إلى إرادتين متصارعتين، ولا تتوزع طاقته بين البناء والهدم في الوقت ذاته.
أما الإنسان، فقد أصبح يعيش هذه الازدواجية على نحو يكاد يكون سمة ملازمة لوجوده. فهو يضع الخطة، ثم يتراجع عنها. ويؤسس المشروع، ثم يهدمه. ويبني البيت الذي أنفق عليه سنوات من الجهد والمال، ثم قد يبدد الأسرة التي كان ذلك البيت قد شُيّد من أجلها بسبب شك عابر، أو غضب لحظي، أو كلمة قيلت في ساعة انفعال. وهكذا تتحول سنوات طويلة من التخطيط والعمل والإنفاق إلى أنقاض، ليس لأن الطبيعة فرضت ذلك، ولكن لأن الإنسان نفسه أصبح يحمل في داخله قوة تُناقض ما أراده قبل قليل.
ومن منظور الميتابايولوجيا، لا يبدو هذا التناقض حادثة عرضية، ولا مجرد ضعف في ضبط الانفعال، وإنما يمثل إحدى النتائج المباشرة لخروج الإنسان من الاقتصاد الصارم الذي يحكم عالم الطبيعة؛ فالكائنات البايولوجية جميعها تخضع لما يمكن تسميته بقانون اقتصاد الطبيعة، فهي لا تبذل من الطاقة إلا ما يخدم بقاءها، ولا تهدر وقتاً أو جهداً أو موارد في أعمال تعود بعدها الى نقضها وإبطالها. فالطبيعة لا تعرف الإسراف في الجهد، ولا تعرف أن يعمل الكائن ضد نفسه بإرادته الحرة.
أما الإنسان فقد أصبح، بعد الانعطافة التطورية الأولى، الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يبدد سنوات من العمل الشاق في ساعات قليلة، وأن يهدم ما بناه بيده، وأن يضيع ثروات هائلة نتيجة قرارات متناقضة، وأن يستهلك من وقته وجهده وأمواله أضعاف ما كان ينبغي أن يستهلكه لو بقي منسجماً مع مقتضيات الاقتصاد البايولوجي.
ولعل أخطر ما في هذا التناقض أنه لا يقف عند حدود الحياة الفردية، وإنما يمتد إلى حياة الأمم والدول والحضارات. فما أكثر المشروعات “الوطنية” التي بدأت بحماسة ثم أُجهضت قبل اكتمالها، وما أكثر الحروب التي اندلعت بقرارات متسرعة ثم انتهت إلى تدمير الشعوب التي اتُّخِذت تلك القرارات باسمها، وكم من حضارة أنفقت مواردها في البناء ثم قضت عليها إرادات متناقضة داخلها قبل أن يتمكن عدو خارجي من إسقاطها. وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتجسد في رأس الدولة أو صانع القرار؛ فالقائد الذي لا تستقر إرادته، والذي يتردد بين قرار ونقيضه، لا يهدر طاقته الشخصية فحسب، وإنما يهدر أيضاً طاقات أمة بأكملها. فالتردد، والتناقض، وسوء تقدير العواقب، كثيراً ما تترتب عليها انهيار اقتصادات، وضياع فرص تاريخية، وسقوط دول، لا لقصور في الإمكانات، بل لعجز الإرادة عن الثبات على ما ثبتت صحته وجدواه.
غير أن أكثر صور التناقض إثارة للتأمل هي تلك التي تطال الجانب الديني نفسه. فالإنسان قد يعلن إيمانه المطلق بالنص الذي يقدسه، ثم يسلك في حياته العملية على نحو يناقض ما يؤمن به. وقد يزعم أنه يعبد إلهاً واحداً، ثم يجعل ولاءه الحقيقي لعصبة أو طائفة أو زعيم أو مصلحة، فتغدو هذه المرجعيات منافساً عملياً لما يعلنه بلسانه من توحيد. وقد يقرأ النصوص التي تدعوه إلى الرحمة والعفو وضبط النفس، ثم يمارس العدوان الظالم والكراهية والانتقام باسم الدين ذاته.
وهذه المفارقة لا تكشف ضعف الالتزام الأخلاقي فحسب، ولكن تكشف البنية المتناقضة التي أصبح العقل الإنساني يعيش في ظلها؛ إذ بات قادراً على أن يؤمن بالشيء ويعمل نقيضه، وأن يدافع عن مبدأ ثم ينقضه حين تتعارض معه مصالحه أو تمثلاته أو انفعالاته.
ولذلك جاء القرآن الكريم محذراً من هذا النمط من السلوك، لا بوصفه خطأً عملياً فحسب، وإنما بوصفه نقضاً لما بناه الإنسان بنفسه، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. وهذه الصورة القرآنية البليغة لا تصف امرأة بعينها بقدر ما ترسم نموذجاً إنسانياً متكرراً؛ نموذج الكائن الذي يبذل جهده في البناء، ثم يعود ليقوض ما أنجزه بيده في تناقض لا تعرفه الطبيعة، ولا تمارسه الكائنات التي ما تزال خاضعة لقوانينها.
ومن هنا، فإن التناقض لا يبدو مجرد سلوك فردي يمكن علاجه بالنصيحة أو بالتدريب على اتخاذ القرار، بل يمثل علامة أخرى على القطيعة التي أحدثتها الانعطافة التطورية الأولى؛ فمنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يعيش بوحدة الإرادة التي تميز الحيوان، وإنما أصبح ساحة تتصارع فيها الرغبات، والتمثلات، والمخاوف، والأوهام، والطموحات، حتى غدا قادراً على أن يريد الشيء ونقيضه في آن واحد.
ولعل هذا هو أحد أعظم الأثمان التي دفعتها البشرية لقاء خروجها من بساطة الطبيعة. فما دام الإنسان يحمل في داخله هذا الانقسام، فسوف يبقى معرضاً لأن يكون هو نفسه أكبر خصم لمشروعاته، وأول معول يهدم به ما شيده بيديه، مصداقاً للصورة التي رسمها القرآن قبل قرون طويلة؛ صورة الإنسان الذي ينقض غزله بعد قوة أنكاثاً.

أضف تعليق