من فايتسنباوم إلى الذكاء الاصطناعي… هل أخطأنا في تحديد مصدر الخطر؟

من بين جميع المفكرين الذين تنبّهوا مبكرًا إلى الأسئلة الأخلاقية التي أثارها ظهور الحاسوب والذكاء الاصطناعي، ربما لا يحتل أحد المكانة التي يحتلها عالم الحاسوب الألماني الأمريكي جوزيف فايتسنباوم. فقد كان الرجل أحد الرواد الذين أسهموا في تأسيس هذا الحقل المعرفي، قبل أن يصبح من أبرز منتقديه، بعد أن فوجئ بالأثر النفسي العميق الذي أحدثه برنامجه الشهير ELIZA في نفوس المستخدمين. لقد أدرك، منذ ستينيات القرن الماضي، أن الإنسان قد يخلع على الآلة من صفات الفهم والتعاطف والوعي أكثر مما تمتلكه حقيقة، وأن هذا الميل قد يقود إلى نتائج أخلاقية ومعرفية خطيرة. ولا شك أن هذا التحذير كان، ولا يزال، بالغ الدلالة. ففايتسنباوم سبق عصره في إدراك أن المشكلة لا تكمن في قدرة الحاسوب على الحساب، وإنما في استعداد الإنسان لأن يتنازل طواعية عن جزء من مسؤوليته الفكرية والأخلاقية لصالح الآلة. غير أن هذه الرؤية، على عمقها، ربما كانت تحتاج إلى مزيد من الدقة في تحديد مصدر الخطر الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي، في ذاته، ليس سوى أداة؛ شأنه شأن الكتاب، أو المطبعة، أو المجهر، أو التلسكوب. وكل أداة من هذه الأدوات قد ترتقي بالإنسان، وقد تسهم في إضعافه، تبعًا للكيفية التي يستخدمها بها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلة أكثر ذكاء، وإنما في أن يختار الإنسان أن يصبح أقل تفكيرًا؛ فما إن يعتاد الإنسان إيكال مهمة التحليل، والابتكار، والبحث، والتأمل، والتخيل، إلى الذكاء الاصطناعي، حتى تبدأ قدراته العقلية بالتراجع تدريجيًا. وذلك لأن القدرات العقلية، شأنها شأن العضلات، تنمو بالاستخدام وتضمر بالإهمال. فإذا أصبحت الآلة هي التي تكتب، وتحلل، وتستنبط، وتقترح، وتبدع، فلن يكون مستغربًا أن يفقد الإنسان، شيئًا فشيئًا، قدرته على ممارسة هذه الوظائف بنفسه.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛ ففي الوقت الذي يزداد فيه الذكاء الاصطناعي خبرة مع كل سؤال يوجَّه إليه، وكل معلومة تضاف إلى نماذجه، قد يسير الإنسان في الاتجاه المعاكس تمامًا، متخليًا عن أهم ما ميزه عبر تاريخه الطويل والمتمثل بـ عقله المبدع. ولو حدث ذلك، فلن يكون الذكاء الاصطناعي هو من تسبب في هذا التراجع، وإنما الإنسان نفسه. فالآلة لم تنتزع منه عقله قسرًا، ولم تمنعه من التفكير، وإنما قدمت له خدمة، فاختار هو أن يحولها إلى بديل دائم عن جهده العقلي.
ولهذا يبدو الأمر شبيهًا بمن ينصح إنسانًا بألا ينجب أطفالًا خوفًا من أن يكبر أحدهم يومًا فيصبح أذكى من أبيه. فالمشكلة ليست في الطفل، وإنما في الأب إذا توقف عن التعلم بعد أن أنجبه. وكذلك الذكاء الاصطناعي؛ فهو امتداد لقدرات الإنسان، وليس خصمًا لها، إلا إذا قرر الإنسان بنفسه أن يتنازل عن دوره.
ومن زاوية فلسفية أوسع، فإن هذه القضية تعيدنا إلى سؤال قديم عن طبيعة الإنسان نفسه؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يصنع أدوات تتجاوز قدراته، ثم يخشى من هذه الأدوات بدل أن يسأل عن السبب الذي جعله يشعر بالتهديد منها. وربما كان الأولى أن يتحول السؤال من: “كيف نحد من تقدم الذكاء الاصطناعي؟” إلى: “كيف نحول دون تراجع الإنسان؟”.
وإذا جاز للأسماء أن تحمل أحيانًا دلالات رمزية تتجاوز معناها اللغوي، فإن اسم فايتسنباوم يدعو إلى تأمل أدبي طريف. فمعنى هذه الكلمة الألمانية “شجرة المعرفة”،  ولذلك فهي تستدعي، على سبيل الاستعارة، صورة الشجرة التي ارتبطت في العهد القديم بقصة المعرفة الأولى. ومن هنا يمكن للخيال الفلسفي أن يقيم مقارنة رمزية بين هذه الصورة وبين الموقف الذي اتخذه فايتسنباوم من الذكاء الاصطناعي.
غير أن هذه المقارنة تصبح أكثر إثارة حين نقابلها بالرواية القرآنية. فبينما يطلق سفر التكوين على الشجرة اسم “شجرة معرفة الخير والشر”، يمتنع القرآن الكريم عن تسميتها بهذا الاسم، ولا يمنحها أي توصيف من هذا القبيل، وإنما يكتفي بالإشارة إليها بوصفها “الشجرة”. وهذا الفارق ليس مجرد اختلاف في الألفاظ، بل هو يعكس اختلافًا أعمق في زاوية النظر إلى الحدث نفسه.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن فايتسنباوم، شأنه شأن كثير من المفكرين، نظر إلى الذكاء الاصطناعي من خلال تمثل معين جعله يراه مصدرًا للخطر، بينما كان بالإمكان اعتماد مقاربة أخرى تنقل مركز الثقل من الآلة إلى الإنسان. فالآلة لا ترغب، ولا تطمع، ولا تتكبر، ولا تتخاذل، ولا تكسل، ولا تتوقف عن التعلم بإرادتها. أما الإنسان فهو الذي قد يفعل كل ذلك. ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والمعرفية لا تزال، وستبقى، مسؤولية بشرية قبل أي شيء آخر.
إن مستقبل البشرية لن يتحدد بمقدار ما سيصبح عليه الذكاء الاصطناعي من تطور، بل بمقدار ما سيحافظ عليه الإنسان من يقظة عقله، واستقلال حكمه، واستمرار قدرته على الإبداع؛ فإذا بقي الإنسان مفكرًا وخلاقًا، أصبح الذكاء الاصطناعي أعظم أدوات الحضارة، أما إذا استقال من وظيفته المعرفية، فلن تكون الآلة هي التي هزمته، بل سيكون هو من هزم نفسه بنفسه.

أضف تعليق