خيانة النص أم قصور المدونة؟

ارتبطت ممارسة الترجمة عبر التاريخ بعبء معنوي وثقافي ثقيل، لخصه المثل الإيطالي الذائع: “المترجم خائن” (Traduttore, traditore) . وتنطلق هذه الرؤية الاختزالية من فرضية مأزومة ترى في النقل بين اللغات فعلاً قاصراً بالضرورة، يعجز عن مجاراة النص الأصلي. غير أن القراءة الإبستمولوجية الرصينة تقتضي منا تفكيك هذا التعميم الجائر؛ فالخيانة ليست قضاءً وقدراً حتمياً يرتبط بفعل الترجمة، بل هي متغيّر يعتمد كلياً على كفاءة المترجم وأدواته. ومن هذا المنطلق، يجب التفرقة الحاسمة بين صنفين من المترجمين:
أولاً: صنف يصح فيه المثل (الترجمة السطحية وخيانة الأداة). يضم هذا الصنف المترجمين الذين يفتقرون إلى الاحترافية والعمق المعرفي، ويقعون في فخ “الأمانة الشكلية الحرفية” (Formal Equivalence)؛ فالترجمة هنا تتحول إلى “خيانة” حقيقية لبنية النص وروحه بسبب:
• الجمود المعجمي: الاكتفاء بنقل المقابلات اللفظية الجافة دون الالتفات إلى السلوك الدلالي للكلمة داخل السياق.
• العمى الثقافي: العجز عن رصد الفروق السيميائية والبيئية للنص الأصلي، مما ينتج نصاً هجيناً مشوهاً.
ثانياً: صنف يستعصي على المثل (أمانة الإبداع والوفاء الديناميكي). في المقابل، يقف صنف من المترجمين المحترفين الذين تشكل منجزاتهم دحضاً كاملاً للمثل الإيطالي. فهؤلاء لا يمارسون نقلاً آلياً، بل يعتمدون على مفهوم “الأمانة الديناميكية” (Dynamic Equivalence) وهو المفهوم الذي وضع قواعده عالم اللسانيات “يوجين نايدا” (Eugene Nida)  ويقصد به نقل الرسالة من اللغة الأصلية بحيث يكون لها نفس الأثر والاستجابة النفسية والذهنية لدى القارئ الجديد، تماماً كما كان للنص الأصلي على قارئه الأول. فالمترجم هنا لا يخون، بل يعيد خلق النص بروح الإخلاص والصدقية العالية، ويمتلك الكفاءة الثقافية التي تمكنه من تفكيك شيفرات النص الأصلي وإعادة تركيبها بعبقرية في اللغة الهدف دون المساس بجوهره المعرفي أو الجمالي.
ولقد جاءت الطفرة الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغات الكبيرة لتقدم برهاناً تجريبياً قاطعاً على زيف التعميم الذي بني عليه المثل الإيطالي. فعند دراسة النصوص المترجمة عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، نجد أنها انتقلت من نمط الترجمة الإحصائية القائمة على الكلمات، إلى الترجمة السياقية العميقة القائمة على استيعاب الأنماط الثقافية والتراكيب المعقدة وتطبيق مبادئ “الأمانة الديناميكية” بكيفية آلية وهندسية.
وهذا التطور يثبت أن الوصول إلى ترجمة أمينة ومتقنة هو أمر ممكن معرفياً وتقنياً، وليس مستحيلاً كما روج لذلك الفكر الإنساني التقليدي. إن مقولة “المترجم خائن” في حقيقتها مجرد انعكاس لـ النزعة البشرية المتأصلة إلى التعميم وإطلاق الأحكام جزافاً؛ حيث أسقط الإنسان عجز “المترجم الفرد” (في فترات تاريخية معينة) على “الترجمة كفعل متاح”، واعتبر القصور البشري قدراً لازماً للمهنة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن اختزال ممارسة فكرية رفيعة كالترجمة في وسم “الخيانة” هو تسطيح معرفي يغفل عبقرية المترجمين الكبار. واليوم، يعيد الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع المترجم المحترف صياغة المشهد، ليؤكد أن “الأمانة والاتقان” هما الأصل الكامن في مهنة الترجمة، وأن “الخيانة” ليست سوى عَرَض جانبي يظهر فقط عند غياب المهنية والحرفية. لتظل الترجمة في جوهرها جسراً للتواصل الإنساني المعرفي، مستعصية على الأمثال المعلبة والأحكام المبتسرة.

أضف تعليق