
من بين جميع الظواهر التي تكشف مقدار القطيعة التي تفصل الإنسان عن ماضيه البايولوجي، ربما لا توجد ظاهرة أشد إثارة للحيرة من ظاهرة الانتحار. فهي ليست مجرد سلوك فردي معزول، ولا مجرد استجابة نفسية لظرف طارئ، وإنما تمثل، إذا نظرنا إليها من منظور نظرية الانعطافة التطورية الأولى، إعلاناً صريحاً عن انفصال الإنسان عن واحد من أكثر قوانين الطبيعة رسوخاً؛ ذلك القانون الذي يجعل من الحفاظ على الحياة المبدأ الأعلى الذي تنتظم حوله جميع الوظائف البايولوجية.
فالطبيعة، عبر مئات ملايين السنين، لم تكف عن تنقية الكائنات الحية من كل ما يبدد فرص بقائها أو يقلل من احتمالات استمرار نوعها. ولهذا نجد أن السلوك الحيواني، مهما بدا لنا معقداً، يبقى موجهاً في نهاية المطاف نحو حماية الحياة والمحافظة عليها. وقد تمر بعض الحيوانات بظروف قاهرة تدفعها إلى الانزواء أو الامتناع عن الطعام أو العجز عن التكيف مع بيئتها، كما قد يحدث في بعض حالات الثدييات البحرية أو الحيوانات الأسيرة، غير أن تفسير هذه الظواهر بوصفها “انتحاراً” بالمعنى الإنساني يظل قفزة تتجاوز ما تسمح به الأدلة. فالحيوان لا يبدو أنه يتخذ قراراً واعياً يقضي بإنهاء حياته، وإنما يخضع لاستجابات بايولوجية وبيئية قد تنتهي به الى الموت من غير أن يكون الموت هو الغاية المقصودة.
أما الإنسان، فتلك قصة أخرى تماماً. فالإنسان، بحسب نظرية الانعطافة التطورية الأولى، لم يعد بعد تلك اللحظة الفاصلة يخضع لقوانين الطبيعة وحدها، بل وجد نفسه أسيراً لقانون جديد تمثل في فائض التمثّل؛ ذلك العالم الهائل من التصورات والتأويلات والخيالات والافتراضات التي أصبح قادراً على تشييدها داخل ذهنه، ثم التعامل معها وكأنها حقائق لا تقل حضوراً عن الواقع نفسه.
ومن هنا يصبح الانتحار مفهوماً على نحو مختلف. فهو لا ينشأ، في كثير من الحالات، من استحالة التكيف مع الواقع بقدر ما ينشأ من العجز عن التكيف مع صورة ذهنية للواقع. فالإنسان لا ينهزم دائماً أمام ما حدث فعلاً، وإنما قد ينهزم أمام ما يتخيله عن نفسه، أو عن الآخرين، أو عن المستقبل، أو عن نظرة الآخرين إليه، أو عن استحالة تغير الظروف التي يعيشها. وهكذا يصبح الواقع أقل سلطاناً من التمثلات التي صنعها العقل حوله.
ولعل مرحلة المراهقة تقدم أوضح الأمثلة على ذلك. ففي هذه المرحلة يشتد تأثير جماعة الأقران (Peer Effect)، ويصبح قبول الآخرين أو رفضهم معياراً بالغ التأثير في تكوين الصورة الذاتية للفرد عن نفسه. وقد يشعر بعض المراهقين، تحت وطأة هذا الضغط، بأنهم عاجزون عن الاندماج أو عن نيل القبول الاجتماعي، فيتحول هذا الشعور إلى قناعة راسخة بأن المستقبل قد أُغلق في وجوههم، مع أن الواقع كثيراً ما يكون أوسع بكثير من تلك الصورة التي رسمها لهم فائض التمثّل. وينطبق الأمر نفسه، بدرجات مختلفة، على مراحل عمرية أخرى قد يطغى فيها الإحساس باليأس أو العزلة أو فقدان المعنى حتى يبدو وكأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة، رغم أنه ليس كذلك بالضرورة.
ومن هذا المنظور، لا يكون الانتحار مجرد فقدان للحياة، وإنما يمثل انتصاراً للرواية الذهنية على الواقع، وانتصاراً للتمثل على الحقيقة. فالإنسان لا يقدم، في تلك اللحظة، على إنهاء وجوده لأن قوانين الطبيعة تدفعه إلى ذلك، بل لأن فائض التمثّل أقنعه بأن الخيارات قد انتهت، وأن المستقبل قد انغلق، وأن الألم لن يتغير، مع أن التاريخ الإنساني مليء بأناس ظنوا ذلك ثم تبدلت حياتهم تبدلاً جذرياً.
إن الطبيعة لا تعرف هذا المنطق. فهي لا تسمح لكائن حي أن يبدد أثمن مواردها، وهو الحياة نفسها. أما الإنسان، فقد أصبح، بعد الانعطافة التطورية الأولى، وفق هذا الإطار النظري، الكائن الوحيد القادر على أن يجعل تمثلاته الذهنية أقوى من غريزة البقاء ذاتها، وأن يمنح الوهم سلطة قد تتجاوز سلطة الواقع.
ومن هنا تتجلى إحدى أخطر نتائج فائض التمثّل؛ فهو لا يقتصر على صناعة الأساطير والإيديولوجيات والأحكام المسبقة وسوء الظن والتنافس المرضي، بل قد يبلغ ذروته حين يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن إنهاء حياته هو الحل الوحيد الممكن، بينما يكون هذا الاعتقاد نفسه جزءاً من الأزمة التي صنعها فائض التمثّل نفسه. ولهذا فإن مقاومة فائض التمثّل لا تبدأ بتغيير العالم، وإنما تبدأ بتفكيك السلطة التي يمارسها على العقل. فليس كل ما يبدو نهائياً هو نهاية، وليس كل ما يوحي بالعجز يعكس حقيقة العجز، وليس كل تصور يفرض نفسه على الذهن يمثل الواقع كما هو. وربما كانت أعظم انتصارات الإنسان هي أن يرفض أن يسمح لتمثل عابر، مهما بدا طاغياً، بأن يصادر مستقبله أو أن يحرمه من إمكانية أن تتغير حياته على نحو لم يكن يتوقعه.
إن الإنسان، في نهاية المطاف، لا يُختبر فقط بقدرته على مواجهة الواقع، بل بقدرته على ألا يستسلم للصور التي يصنعها عقله عن ذلك الواقع. وفي هذه المسافة الفاصلة بين الحقيقة والتمثل، قد يكون الفرق بين استمرار الحياة وفقدانها.
