وهم المحورية… حين أقنع فائضُ التمثّل كلَّ إنسانٍ بأنه مركز العالم

من بين جميع الآثار التي خلّفها فائض التمثّل في الشخصية الإنسانية، ربما لا يوجد أثر أشد رسوخاً ولا أبعد مدى من ذلك الذي أصاب علاقة الفرد بنوعه. فالإنسان لم يخرج من عالم الحيوان وهو يحمل وعياً جديداً بنفسه فحسب، وإنما خرج أيضاً وهو يحمل تصوراً جديداً عن مكانته في الوجود؛ وهو تصورٌ لم يقتصر على إدراك الذات، بل تجاوز ذلك إلى تضخيمها حتى أصبحت، في نظر صاحبها، محوراً تدور حوله الوقائع والأحداث. ومن هنا نشأ أحد أخطر أشكال الاختلال التي أصابت الجنس البشري؛ اختلال العلاقة بين الفرد والنوع. ففي عالم الحيوان لا يظهر الفرد بوصفه مركز الكون، وإنما بوصفه عضواً في نوع تحكمه ضرورات البقاء والتناسل. أما الإنسان، وبعد أن خضع لسلطان فائض التمثّل، فقد بدأ ينظر إلى نفسه باعتبارها القضية الأهم، والحدث الأبرز، والغاية التي ينبغي أن تتجه إليها أنظار الآخرين. وهكذا تحولت الذات، في وعي الإنسان، من مجرد فرد ضمن مليارات الأفراد إلى مركز متخيَّل للعالم كله. ولم يكتف فائض التمثّل بإنتاج هذا الوهم، بل وجد في الأسرة البيئة المثالية لترسيخه جيلاً بعد جيل. فالوالدان، بدافع المحبة الغريزية والرغبة الصادقة في تنشئة أبنائهم، يسهمان، من حيث لا يشعران، في تعزيز هذا الإحساس بالمحورية. فالطفل يسمع منذ سنواته الأولى أنه الأجمل، والأذكى، والأكثر تميزاً، وأنه يستحق عناية خاصة تختلف عن سائر البشر. وتصبح هذه الرسائل المتكررة جزءاً من بنيته النفسية، حتى تغادر مستوى الوعي لتستقر في أعماق اللاوعي، حيث تتحول إلى يقين داخلي يصعب مراجعته لاحقاً.
وهكذا يلتقي ما ورثه الإنسان من ماضيه التطوري البشري المثقل بفائض التمثّل مع ما تضيفه عملية التنشئة الاجتماعية، فينشأ الفرد مقتنعاً بأن له مكانة استثنائية لا يشاركه فيها أحد. غير أن المشكلة تبدأ عندما يغادر هذا العالم الصغير الذي كانت الأسرة تمثل مركزه، ليجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً؛ وهو واقع لا يمنحه الامتياز الذي اعتاد توقعه، ولا يعامله بوصفه الشخصية الرئيسية في مسرح الحياة، بل يضعه بين مليارات البشر الذين يحمل كل واحد منهم الاعتقاد نفسه!
وهنا تقع الصدمة الكبرى؛ فالواقع لا يكترث بما يتصوره الإنسان عن نفسه، ولا يمنح أحداً امتيازاً لأنه يشعر في داخله بأنه مميز. والكون لا يعيد ترتيب أحداثه استجابة لرغبات الأفراد، والمجتمع لا يستطيع أن يجعل الجميع محور اهتمامه في الوقت نفسه. ولذلك يجد الإنسان نفسه في مواجهة فجوة هائلة بين الصورة التي رسمها لنفسه، وبين العالم الذي لا يعترف بهذه الصورة إلا في حدود ضيقة جداً. ومن هذه الفجوة تتولد “خيبة أمل” لا تنبع من قسوة الواقع بقدر ما تنبع من المبالغة في تصور الذات. فالإنسان لا يتألم لأنه لم يكن محور العالم، وإنما لأنه كان يعتقد، في أعماقه، أنه كذلك. وكلما اتسعت المسافة بين “وهم المحورية” وحقيقة اللامبالاة الكونية، ازدادت حدة الإحباط، واشتد الشعور بالخذلان، وتعاظم الإحساس بأن الآخرين لم ينصفوه، أو أن الحياة قد ظلمته.
ولعل جانباً كبيراً من الاضطرابات النفسية والاجتماعية يمكن فهمه على ضوء هذا الاختلال. فالحسد كثيراً ما يكون احتجاجاً على محورية لم تتحقق، والغيرة تعبيراً عن مركزية ينازعها الآخرون، والنرجسية محاولة يائسة لاستعادة الشعور القديم بـ”المحورية المطلقة”، كما أن السعي المحموم إلى الشهرة أو الهيمنة أو لفت الأنظار قد لا يكون، في كثير من الأحيان، سوى محاولة لتعويض تلك الهوة المؤلمة بين الذات المتخيلة والواقع الفعلي.
ومن هنا أيضاً تنشأ طائفة واسعة من العقد النفسية. فكل إخفاق يُفسَّر بوصفه انتقاصاً من قيمة الذات، وكل نجاح يحققه الآخرون يُستقبل باعتباره تهديداً وجودياً مباشراً للمكانة المتخيلة، وكل تجاهل بسيط يتحول إلى جرح نفسي عميق، لأن الإنسان لا يقيس الأحداث بحجمها الحقيقي، وإنما بحجم الصورة المركزية التي يحملها عن نفسه. إن أخطر ما في هذا الوهم أنه ليس وهماً فردياً، بل هو وهم جماعي؛ فكل إنسان تقريباً يدخل الحياة وهو يحمل قدراً من هذا الإحساس بالمحورية، في الوقت الذي يحمل فيه الآخرون الإحساس نفسه. وهكذا يصبح العالم مزدحماً بذوات تتوقع كلها جميعاً أن تكون في المركز، بينما لا يستطيع الواقع أن يمنح المركز إلا لعدد محدود وفي ظروف محددة. ومن هذا التناقض المستمر تنشأ منافسات لا تنتهي، وصراعات على الاعتراف، ورغبة دائمة في إثبات الذات، ومحاولات متكررة لانتزاع اهتمام الآخرين ولو بأكثر الوسائل تطرفاً.
وعلى ضوء نظرية الانعطافة التطورية الأولى، لا تبدو هذه الظاهرة مجرد خطأ في التربية، ولا مجرد نزعة نفسية عابرة، ولكنها تمثل أثراً مباشراً من آثار فائض التمثّل الذي أخلّ بالتوازن الطبيعي بين الفرد والنوع. فالإنسان لم يعد يرى نفسه جزءاً من الجماعة، بل أصبح يرى الجماعة من خلال نفسه، ولم يعد يقيس ذاته بمعيار النوع، بل أخذ يقيس النوع كله بمعيار ذاته.
ولذلك فإن استعادة التوازن لا تبدأ بتعظيم الإنسان لنفسه، وإنما بإعادته إلى حجمه الحقيقي داخل الجنس البشري. فالإنسان ليس محور الكون، كما أنه ليس عدماً لا قيمة له؛ إنه فرد واحد بين مليارات الأفراد، يمتلك قيمة إنسانية كاملة لأنه إنسان، وليس لأنه مركز الوجود. وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة يتحرر من عبء الدفاع المستمر عن “محورية متخيلة”، ويستبدلها بانتماءٍ صحي إلى نوعه، فيغدو أكثر قدرة على تقبل الآخرين، وأقل عرضة للإحباط، وأكثر انسجاماً مع الواقع كما هو، وليس كما يرسمه فائض التمثّل.

أضف تعليق