براءة الطفولة… لماذا نفتقد العالم الذي خرجنا منه؟

من بين جميع الظواهر الإنسانية التي استوقفت الإنسان منذ أن بدأ يدوّن تأملاته حول نفسه، ربما لا توجد ظاهرة أشد حضوراً ولا أكثر استعصاءً على التفسير من ذلك الحنين العميق الذي يشعر به معظم البشر تجاه طفولتهم. فليست الطفولة مجرد مرحلة عُمُرية تنقضي كما تنقضي سائر المراحل، وإنما هي عالم كامل، له منطقه الخاص، وإحساسه الخاص، وطريقته المختلفة في النظر إلى الوجود. ولهذا ظل الإنسان، عبر العصور، يستعيد طفولته بشيء من الشوق الممزوج بالحسرة، وكأنه لا يحن إلى زمن مضى فحسب، وإنما إلى صورة مختلفة عن نفسه فقدها إلى غير رجعة.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن البشرية، منذ أقدم العصور، قد أجمعَت على وصف الطفل بالبراءة. ولم يكن هذا الوصف مجرد تعبير أدبي أو عاطفي، وإنما كان ملاحظة إنسانية عامة تكررت في مختلف الثقافات والحضارات. فالطفل يبدو أكثر صفاءً، وأقل توتراً، وأبعد عن الحسد والكراهية والعداوة وسوء الظن، وأقرب إلى الثقة والعفوية والتلقائية. وما أن يقترب من عتبة البلوغ حتى تبدأ هذه الصورة بالتبدل تدريجياً، وكأن عالماً جديداً يقتحم حياته دون استئذان، ليجد نفسه فجأة في مواجهة مشاعر لم يكن يعرفها من قبل، وأسئلة لم تخطر له على بال، واضطرابات لم يكن قد اختبرها قط.
وهنا يبرز السؤال الذي ظل معلقاً طوال تاريخ الفكر الإنساني: ماذا يحدث للإنسان حين يغادر عالم الطفولة؟ ولماذا تبدو هذه المغادرة، في كثير من الأحيان، أشبه بصدمة وجودية حقيقية؟ ولماذا يشعر الإنسان، بعد سنوات طويلة، أن أجمل ما امتلكه في حياته لم يكن مالاً ولا نجاحاً ولا سلطة، وإنما تلك البراءة التي فقدها دون أن يشعر؟ لقد حاولت مدارس علم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع تقديم أجوبة متعددة لهذا السؤال، فربط بعضهم الأمر بالنضج العقلي، وربطه آخرون بالوعي الجنسي، وغيرهم بتزايد المسؤوليات الاجتماعية، أو بانتهاء مرحلة الاعتماد على الوالدين، أو باصطدام الإنسان بواقع الحياة. ولا ريب أن جميع هذه العوامل تترك آثاراً حقيقية في الشخصية الإنسانية، غير أنها تبقى في نهاية المطاف أوصافاً لما يحدث، وليس تفسيراً لسبب حدوثه. فهي تخبرنا بما يرافق الانتقال من الطفولة إلى الرشد، لكنها لا تفسر لماذا يأخذ هذا الانتقال طابع الانقلاب النفسي العميق الذي يكاد يكون سمة مشتركة بين البشر جميعاً.
وهنا تقترح نظرية الانعطافة التطورية الأولى تفسيراً مختلفاً تماماً. فهي تنطلق من فرضية أن الطفولة ليست مجرد مرحلة ناقصة من مراحل اكتمال الإنسان، وإنما هي النافذة الأخيرة التي يطل منها الإنسان على ماضيه البايولوجي السابق للانعطافة التطورية. فالطفل، بحسب هذه الرؤية، لا يمثل إنساناً لم يكتمل بعد، وإنما يمثل بقايا حالة أقدم، ما تزال آثارها كامنة في تكوينه، قبل أن تبدأ نتائج تلك الانعطافة بالتعبير عن نفسها. ولهذا لا تبدو البراءة، وفق هذا المنظور، فضيلة أخلاقية مكتسبة، بل حالة بايولوجية مؤقتة. إنها الأثر الأخير لذلك الإنسان الذي لم يكن قد خضع بعد لسلطان فائض التمثّل، ولم يكن قد أصبح أسيراً للقلق الوجودي، ولا للتضخم الذاتي، ولا لوهم المحورية، ولا للصراعات النفسية التي سترافقه طوال حياته. فالطفل يعيش الواقع كما هو، أكثر مما يعيش تمثلاته عنه، ولذلك تبدو علاقته بالعالم أكثر مباشرة، وأقل تعقيداً، وأشد انسجاماً مع ذاته. غير أن هذه الحالة لا تستمر طويلاً. فما إن يقترب الجسد من البلوغ حتى تبدأ مرحلة جديدة تختلف عن كل ما سبقها. ووفقاً لنظرية الانعطافة التطورية الأولى، فإن هذه المرحلة لا تتمثل في مجرد اكتمال الوظائف الجنسية أو الهرمونية، وإنما في استيقاظ البرنامج البايولوجي الذي خلّفته تلك الانعطافة الأولى في تاريخ الإنسان. وكأن الجسم، عند هذه العتبة المفصلية، يستعيد ذاكرة تطورية قديمة ظلت كامنة طوال سنوات الطفولة، ثم تبدأ فجأة بإعادة تشكيل الشخصية من الداخل. وعندئذ لا يكون الإنسان قد فقد طفولته فحسب، بل يكون قد دخل للمرة الأولى إلى العالم الذي دخل إليه آدم بعد أن ذاق الشجرة. فذلك الخليط المتناقض من القلق، والدهشة، والخوف، والحيرة، والاغتراب، والشعور بالنقص، والوعي الحاد بالذات، والإحساس بالعري الوجودي، لا يمثل وفق هذا التصور مجرد تغيرات نفسية عارضة، وإنما يعيد إنتاج الصدمة الأولى التي رافقت الانعطافة التطورية ذاتها.
ولعل هذا هو ما يفسر أن كثيراً من المراهقين يشعرون، لأول مرة، بأن العالم لم يعد كما كان، وأنهم هم أنفسهم لم يعودوا الأشخاص الذين كانوا بالأمس؛ فهم لا يفتقدون ألعابهم فقط، بل يفتقدون طريقة كاملة في الإحساس بالوجود. ولهذا تبدو مرحلة المراهقة، عند كثير من البشر، أشبه بعبور مفاجئ بين عالمين متنافرين، وليس مجرد انتقال طبيعي بين مرحلتين من العُمُر.
ومن هنا يمكن فهم سر الحنين الإنساني إلى الطفولة. فالإنسان لا يشتاق، في الحقيقة، إلى سنواته الأولى، وإنما يشتاق إلى آخر لحظة عاش فيها قبل أن تستيقظ فيه آثار الانعطافة التطورية الأولى. فهو يحن إلى آخر مرحلة كان فيها أكثر قرباً من توازنه البايولوجي القديم، وأكثر ابتعاداً عن سلطان فائض التمثّل. ولذلك لا يستطيع الإنسان أن يستعيد طفولته مهما عاد إلى الأماكن نفسها أو التقى الأشخاص أنفسهم، لأن ما فقده لم يكن زمناً، بل “بنية كاملة للإحساس بالعالم”. وعلى هذا الأساس، فإن الطفولة تكتسب دلالة جديدة لم يسبق، فيما يبدو، أن نُظر إليها من خلالها. فهي ليست مجرد مقدمة للحياة الحقيقية، كما اعتادت الثقافة الحديثة أن تصورها، بل تمثل آخر شاهد حي على الإنسان كما كان قبل أن تغيره الانعطافة التطورية الأولى. فالطفولة إذاً هي نافذة صغيرة بقيت مفتوحة على الماضي السحيق، قبل أن تغلقها نهائياً رياح البلوغ.
ولعل هذا هو السر في أن براءة الطفل لا يمكن تصنيعها، ولا يمكن استعادتها بالإرادة، ولا تستطيع أعظم المدارس النفسية أن تعيد الإنسان إليها بعد أن يغادرها. فهي ليست مهارة يتعلمها، ولا عادة يكتسبها، وإنما أثر بايولوجي عابر، لا يلبث أن ينحسر عندما تبدأ آثار تلك الانعطافة بالتجلي الكامل في الشخصية الإنسانية.
وهكذا، فإن السؤال الذي حيّر الإنسان طويلاً: لماذا نفتقد الطفولة؟ يجد، في ضوء نظرية الانعطافة التطورية الأولى، جواباً مختلفاً جذرياً. فنحن لا نفتقد الطفولة لأنها كانت أسعد أيام حياتنا فحسب، بل لأنها كانت آخر ما تبقى فينا من الإنسان الذي سبق الشجرة، وآخر لحظة عشنا فيها قبل أن تستيقظ داخلنا، مرة أخرى، أصداء الصدمة الأولى التي غيّرت مسار الإنسان إلى الأبد.

أضف تعليق