
حين نحت عالم الرياضيات غريغوري شايتين (Gregory Chaitin) مصطلح “الميتابايولوجيا” (Metabiology)، بدا الأمر وكأنه ثورة إبستمولوجية. بيد أن الفحص الدقيق يكشف أن أطروحته لم تكن غير “اختزالٍ جبان”؛ حيث استبدل اختزال البيولوجيا التقليدية للمادة بالكيمياء، باختزالٍ آخر يحوّلها إلى شفرات برمجية وخوارزميات رياضية تطبيعية، رغبةً منه في رفع البيولوجيا إلى مصاف العلوم “الصلبة” كالفيزياء. ففي هذا النموذج، غاب “المعنى” وغابت القفزة الوجودية، وتحولت “الميتا” (Meta) إلى مجرد أداة “ترييض” صماء لا تأتي بجديد على الصعيد المعرفي. وعلى الجانب الآخر، فإن المقاربات الإبستمولوجية أو الفلسفية التي حاولت إنقاذ المصطلح، وقفت عند حدود “الوصف الخجول”؛ فاكتفت بالإشارة العابرة إلى فجوات بين “الإنسان الدارويني” الخاضع للغريزة و”الإنسان كما نعرفه” في مجالات الثقافة والوعي، دون أن تجرؤ على تقديم تصور متكامل يمسك بجذر المسألة.
إن الارتقاء بالبيولوجيا لتصبح “ميتابايولوجيا” حقاً، يتطلب شجاعة معرفية أبعد بكثير؛ إذ أنه يتطلب الإقرار بوجود “تناشز صارخ” بين الإنسان والحيوان على مختلف الأصعدة، والبحث عن العلة الحقيقية وراء هذا الانفصال المفاجئ عن مسار الطبيعة.
تبدأ الميتابايولوجيا، كعلم جديد وشجاع، من الاعتراف الكامل بالماضي التطوري للإنسان. فنحن لا ننكر البيولوجيا؛ فالإنسان سليل ماضٍ تطوري موغل في القدم، يتشارك مع الحيوان في أدق تفاصيل الشفرة الوراثية، والتكوين التشريحي، والناقلات العصبية؛ فالوشائج قائمة والقرابة العضوية حقيقة لا مراء فيها.
لكن، هنا تحديداً ينبثق المأزق الكبير الذي تعجز البيولوجيا التقليدية عن حله: لماذا أثمرت هذه الأصول المشتركة هذا التناشز الصارخ؟
وفقاً للمنطق الدارويني، فإن التطور عملية تراكمية تدريجية تهدف إلى تحسين شروط “التكيف” والبقاء. لكن الإنسان كما نعرفه اليوم هو كائن “سيء التكيف” وفقاً لمقاييس الطبيعة؛ فالانسان هو الكائن الوحيد الذي يعاني من قلق العدم، والاضطرابات الوجودية، والهشاشة النفسية المفرطة، وهو الوحيد الذي قد يعادي غريزته ويضحي بحياته في سبيل مفهوم مجرد كالعدالة. إن التطور الطبيعي ما كان له يوماً، لو سار في خطه المرسوم، أن ينتهي بهذا الكائن الرمزي الوجودي. فنحن البشر لسنا مجرد “حيوانات بذكاء متفوق”، بل نحن كائنات تشتق وجودها من قطيعة بنيوية مع ماضيها الحيواني. إن التحدي الحقيقي للميتابايولوجيا لا يقف عند حد إثبات “الاختلاف” بيننا وبين المملكة الحيوانية، بل يكمن في امتلاك الجرأة للإقرار بأن هنالك حدثاً ما، طارئاً وجسيماً، قد وقع في لحظة بعينها من تاريخنا التطوري، وكانه هو العلة الفاعلة وراء انفصال الإنسان عن مسار تطوره الطبيعي.
فلقد كنا نسير في ذات القطيع الطبيعي، خاضعين خضوعاً مطلقاً لقوانين الطبيعة والانسجام الغريزي، حتى جاءت تلك “اللحظة الحرجة” التي لم تكن في الحسبان؛ قد تكون هذه اللحظة طفرة عصبية غير مفسرة، أو انكساراً نفسياً في وعي الكائن البشري الأول، أو قفزة معرفية ميتا-جينية أخرجت الإنسان من “جنة العفوية الحيوانية” وقذفت به في “جحيم الوعي بالذات”.
وهذا الحدث الطارئ هو الذي جعل الإنسان:
• يخرج على الطبيعة: بدلاً من التكيف مع البيئة، أجبر البيئة على التكيف مع قلقه.
• يشتق مساراً تطورياً جديداً: مساراً “فوق-بيولوجياً” (Supra-biological) لا تحكمه “الجينات الأنانية” المزعومة، بل تحكمه أنساق المعنى، والميثولوجيا، والصراع بين الكينونة والعدم.
بناءً على هذا التأسيس الراديكالي، يمكننا وضع الحد المعرفي الفاصل بين العلمين (البايولوجيا والميتابايولوجيا)؛ فالبيولوجيا هو علم دراسة الكائنات الحية الخاضعة لناموس الطبيعة والتكيف والانسجام الغريزي بغية البقاء، أما الميتابايولوجيا فهو العلم الذي يدرس القوانين التي تحكم الإنسان منذ لحظة خروجه على الطبيعة وانفصاله عن مساره التطوري الأول؛ إنه دراسة سيكولوجية الكائن المتناشز وهشاشته الوجودية وكيفية تحويله لفائض الوعي العصبي إلى ثقافة ومعنى واغتراب دائم.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الميتابايولوجيا، وحتى تكون أهلاً لحمل اسمها، يجب ألا تُستعبد من قِبل رياضيات شايتين الصماء ولا من قِبل تردد الفلسفة التحليلية. بل يجب أن تكون على هذا القدر من الجرأة لتعلن أن الإنسان كما نعرفه، كظاهرة غير طبيعية وحالة متمردة ومتجاوزة للمنطق، ما كان له ان يظهر لو لا “حادث ما” أصاب بيولوجيته القديمة بخلل جعله يجنح عن مسار تطوره الطبيعي، فجعله الكائن الوحيد الذي يملك ماضياً حيوانياً، وحاضراً ومستقبلاً ميتافيزيقياً. ومن دون هذه الشجاعة في تأصيل القطيعة بين الانسان والطبيعة، ستبقى الميتابايولوجيا مجرد “ملحق زائد” لا قيمة له في هوامش علم الأحياء التقليدي.
