الميتابايولوجيا… من رياضيات التطور إلى علم ما بعد التطور

لعل من النادر أن يظهر في تاريخ العلوم مصطلح جديد يحمل من الطموح أكثر مما يحمل من التعريف. وهذا ما حدث مع مصطلح الميتابايولوجيا (Metabiology) .فمنذ أن صاغه عالم الرياضيات الأمريكي غريغوري شايتين في كتابه Proving Darwin (اثبات نظرية داروين)، ارتبط هذا المصطلح بمحاولة جريئة لإعادة قراءة نظرية التطور من خلال أدوات الرياضيات، ونظرية المعلومات، والتعقيد الخوارزمي. ولم يكن هدف شايتين إعادة تعريف الحياة أو تفسير الإنسان تفسيراً جديداً، وإنما كان يسعى إلى البرهنة على أن بعض المبادئ الداروينية يمكن التعبير عنها بصياغات رياضية دقيقة تجعل البايولوجيا أقرب، من حيث البناء النظري، إلى الفيزياء والكيمياء. ولا شك أن هذه المحاولة تمثل جهداً معرفياً مهماً في تاريخ فلسفة العلم. غير أنها، على الرغم من جدة أدواتها، لم تغيّر موضوع البايولوجيا نفسه، ولم تنقلها إلى مستوى معرفي جديد يجعلها علماً مختلفاً عن البايولوجيا التي نعرفها. فقد بقي التطور هو التطور، وبقي الإنسان هو ذاته الإنسان الذي تصفه الداروينية، ولم يكن الاختلاف إلا في اللغة التي يُصاغ بها الوصف؛ إذ استُبدلت بعض مفاهيم الاصطفاء الطبيعي والاحتمال البيولوجي بمفاهيم مستمدة من الرياضيات ونظرية المعلومات.
ومن هنا يبرز سؤال لا يقل دلالة وقيمة عن السؤال الذي حاول شايتين الإجابة عنه: هل يكفي أن نستخدم الرياضيات في دراسة التطور لكي تصبح البايولوجيا ميتابايولوجيا حقاً؟ قد تكون الإجابة بالنفي! فالانتقال من علم ما إلى “ما بعده” لا يتحقق بمجرد تبديل أدوات الوصف، وإنما يقتضي الانتقال إلى مستوى جديد من الأسئلة. فالفيزياء لا تصبح ميتافيزياء (ميتافيزيقا) لأنها استعانت بالرياضيات، وإنما لأنها تجاوزت وصف الظواهر إلى البحث في المبادئ التي تجعل تلك الظواهر ممكنة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى البايولوجيا؛ فهي لا تصبح ميتابايولوجيا لأنها صيغت بلغة رياضية، وإنما عندما تتجاوز سؤال “كيف تطور الإنسان؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “لماذا انتهى التطور إلى كائن يناقض، في كثير من خصائصه، المنطق البايولوجي الذي كان السبب من وراء ظهوره؟” ومن هنا تبدأ الحاجة إلى تعريف آخر للميتابايولوجيا.
لقد ظهرت لاحقاً مقاربات إبستمولوجية حاولت توسيع معنى هذا المصطلح فأشارت إلى أن الإنسان، كما نعرفه اليوم، يبدو مختلفاً عن الصورة التي تتوقعها القراءة الداروينية التقليدية. وكانت هذه الإشارات ذات قيمة فلسفية، لأنها لفتت الانتباه إلى أن الظاهرة الإنسانية قد تتطلب مستوى تفسيرياً يتجاوز الوصف التطوري المباشر. غير أن هذه المقاربات بقيت، هي الأخرى، عند حدود التشخيص العام؛ فقد اكتفت بالإقرار بوجود اختلاف بين الإنسان وسائر الكائنات، من دون أن تقدم تصوراً واضحاً للعلة التي أنتجت هذا الاختلاف، أو للحظة التي غادر فيها الإنسان مساره التطوري الطبيعي.
وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى ميتابايولوجيا بالمعنى الكامل للكلمة؛ فالميتابايولوجيا، إذا أُريد لها أن تستحق هذا الاسم، لا يجوز أن تكون مجرد بايولوجيا مكتوبة بلغة أخرى، ولا مجرد تأمل فلسفي في نتائج التطور، وإنما ينبغي أن تصبح علماً يبحث في الأحداث المفصلية التي غيّرت اتجاه التطور نفسه. فهي لا تبدأ عندما نصف الإنسان، بل عندما نسأل: لماذا أصبح الإنسان استثناءً داخل التاريخ الطبيعي؟
إن أول ما ينبغي أن تنطلق منه الميتابايولوجيا هو الاعتراف الكامل بالماضي التطوري للإنسان. فالإنسان ليس كائناً منفصلاً عن الحياة، ولا يمكن فهمه بمعزل عن ملايين السنين التي سبقت ظهوره المفاجئ. وكل ما كشفته البايولوجيا التطورية من قرابة تشريحية، وجينية، ووظيفية بين الإنسان وسائر الرئيسيات، ينبغي أن يبقى جزءاً ثابتاً من أي نظرية علمية جادة.
غير أن هذا الاعتراف، على ضرورته، لا يكفي وحده. فالإنسان، كما نعرفه، لا يمثل مجرد امتداد تدريجي للحيوان، وإنما يمثل أيضاً قطيعة يصعب تجاهلها. فهو الكائن الوحيد الذي يعيش في صراع دائم مع ذاته، ويستطيع أن ينقض ما بناه بإرادته، وأن يضحي بحياته طوعاً، وأن يختلق الأكاذيب والأساطير والإيديولوجيات، وأن يخوض الحروب المنظمة، وأن يعاني القلق الوجودي، والعار، والشعور بالذنب، والحنين، والتناقض، وسائر الظواهر التي تكاد تكون غائبة عن العالم الحيواني. وهذا التناشز ليس تفصيلاً ثانوياً يمكن إلحاقه تدريجياً بالتفسير الدارويني، بل هو ظاهرة مركزية تستوجب البحث عن سببها.
ومن هنا يصبح السؤال المؤسس للميتابايولوجيا سؤالاً مختلفاً تماماً عن سؤال البايولوجيا التطورية. فالأخيرة تسأل: كيف نشأ الإنسان؟ أما الأولى فتسأل: ما الحدث الذي جعل الإنسان يخرج عن المسار الذي كان يسير فيه؟ إن نظرية الانعطافة التطورية الأولى تقترح أن هذا التناشز لم يكن نتيجة تراكم بطيء للصفات وحده، وإنما كان ثمرة حدث تطوري مفصلي مباغت غيّر اتجاه التطور البشري، فانتقل الإنسان من مسار طبيعي مشترك مع الحيوان إلى مسار جديد أصبح فيه خاضعاً لقوانين مختلفة في جوانب عديدة من حياته النفسية والاجتماعية والثقافية.
وبغض النظر عن كيفية تقييم هذه الفرضية علمياً، فإن قيمتها الدلالية لا تكمن في تفاصيلها وحدها، وإنما في أنها تعيد تعريف موضوع الميتابايولوجيا نفسه. فهي تجعل هذا العلم معنياً بدراسة الانقطاعات والانعطافات والتحولات الكبرى التي غيرت مسار التطور البشري، لا بمجرد وصف نتائجها. وبهذا تنتقل الميتابايولوجيا من كونها لغة جديدة للبايولوجيا إلى إطار نظري يبحث في الأسباب التي تجعل التاريخ الطبيعي ينتج، في لحظات نادرة، كائنات لا يمكن فهمها بمجرد الرجوع إلى ما سبقها.
وعند هذه النقطة يصبح من الممكن اقتراح تعريف جديد لهذا الحقل المعرفي: الميتابايولوجيا هي العلم الذي يدرس الأحداث والانعطافات التي تعيد توجيه المسار التطوري للكائنات الحية، وتبحث في الأسباب التي تجعل بعض مخرجات التطور تتجاوز المنطق البايولوجي الذي نشأت منه، مع الحفاظ على اتصالها الكامل بتاريخها التطوري السابق.
وبهذا المعنى، فإن الميتابايولوجيا ليست بديلاً عن البايولوجيا التطورية، ولا نقضاً لها، وإنما هي مستوى معرفي أعلى منها. فالداروينية تجيب عن سؤال: كيف وصلنا إلى الإنسان؟ أما الميتابايولوجيا فتجيب عن سؤال آخر لا يقل دلالة معرفية: لماذا أصبح الإنسان مختلفاً إلى هذا الحد؟
ولعل هذا هو الشرط الذي يجعل الميتابايولوجيا جديرة باسمها؛ إذ إنها لا تضيف بادئة “ميتا” إلى البايولوجيا بوصفها “زينة لغوية” أو توسعاً فلسفياً، وإنما لأنها ترتقي بموضوع البحث نفسه من دراسة التطور البشري إلى دراسة السبب الذي أدى الى تغير وجهة هذا التطور. وعندئذ فقط تغدو الميتابايولوجيا علماً جديداً بحق، قادراً على مدّ الجسور بين البايولوجيا، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، والفلسفة، والإبستمولوجيا، ودراسات الدين، من أجل تفسير أعظم مفارقة في تاريخ الحياة: كيف خرج الإنسان على الطبيعة وهو أحد أبنائها؟

أضف تعليق