هوس الإنسان بالثنائيات… الين واليانغ مثالاً

من بين جميع الآثار التي خلّفها فائض التمثّل في العقل الإنساني، ربما لا يوجد أثر أشد رسوخًا من ميل الإنسان إلى إعادة تشكيل الواقع وفق قوالب ذهنية ليست جزءًا من الواقع نفسه، وإنما هي جزء من الكيفية التي اعتاد بها أن يفكر فيه. فالإنسان لا يكتفي بأن يلاحظ العالم، بل يعيد إنتاجه داخل ذهنه في صورة تمثلات، ثم ينسى بعد ذلك أن ما يتعامل معه هو صورة ذهنية وليس الواقع كما هو. وهنا تبدأ واحدة من أقدم الظواهر الفكرية في تاريخ الإنسان؛ ظاهرة الهوس بالثنائيات. فلقد اعتاد الإنسان أن يظن أن انتظام الكون لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان قائماً على وجود عنصرين متقابلين، وأن استمرار الوجود هو رهنٌ ببقاء هذين الضدين في حالة توازن دائم. ومن هنا امتلأت الحضارات القديمة والحديثة بصور لا حصر لها من التفكير الثنائي؛ من المذهب الثنوي الذي افترض وجود مبدأين أزليين للخير والشر، إلى عقيدة الين واليانغ في الفلسفة الصينية، مرورًا بثنائية الخير والشر، والروح والجسد، والعقل والعاطفة، وانتهاءً بمحاولات تفسير كثير من الظواهر الطبيعية على أنها تجسد ازدواجيات أساسية في بنية الكون.
غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو: هل هذه الثنائيات موجودة حقًا في العالم، أم أنها موجودة في الذهن الذي ينظر إلى العالم فحسب؟
إن نظرية فائض التمثّل تدفعنا إلى إعادة النظر في هذا الافتراض برمته. فالإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، لم يعد يكتفي بإدراك الوقائع كما هي، وإنما أصبح يميل إلى تنظيمها داخل أنماط ذهنية مبسطة يسهل التعامل معها. ومن أكثر هذه الأنماط حضورًا الميل إلى تقسيم الوجود إلى قطبين متقابلين، وكأن العقل يعجز عن تصور الواقع إلا إذا جعله ميدانًا لصراع أو توازن بين قوتين متعارضتين.
غير أن الواقع، حين يُنظر إليه بعيدًا عن هذه التمثلات، يبدو أكثر تعقيدًا وأقل ميلًا إلى هذه الاختزالات. فليس هناك، في الحقيقة الفيزيائية، شيء اسمه “الظلام” بوصفه كيانًا يقابل النور. فالظلام ليس وجودًا مستقلاً ينافس الضوء، وإنما هو غياب الضوء. وليس ثمة قوتان تتصارعان داخل الكون؛ بل هناك حالة يوجد فيها الضوء، وحالة ينتفي فيها وجوده. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحرارة والبرودة. فالبرودة ليست طاقة مستقلة تقف بإزاء الحرارة، وإنما هي انخفاض في مقدار الطاقة الحرارية. إن الفيزياء لا تتعامل مع البرودة باعتبارها مادة أو قوة مضادة للحرارة، وإنما باعتبارها نقصًا في الحرارة نفسها. والأمر ذاته يمكن أن يقال، من المنظور الأخلاقي، عن الخير والشر. فالشر لا يقتضي، بالضرورة، وجود مبدأ وجودي يقابل الخير، بل يمكن النظر إليه بوصفه امتناعًا عن فعل الخير، أو غيابًا له، كما أن الظلام هو غياب للنور، وليس وجودًا مستقلاً ينازعه الوجود.
ومن هنا يمكن فهم بطلان المذهب الثنوي الذي افترض وجود إلهين متقابلين؛ إله للخير وإله للشر. فهذا التصور، قبل أن يكون موضع نقاش ديني، فإنه يواجه إشكالًا منطقيًا عميقًا؛ إذ أن مفهوم الإله، بحكم تعريفه، يدل على الكمال المطلق والاستغناء المطلق، وما كان كذلك فلا يحتاج إلى إله آخر يشاركه سلطانه أو ينازعه تدبير الكون. ولهذا جاء البيان القرآني حاسمًا في نفي هذا التصور بقوله تعالى:
﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. فهذه الآية الكريمة لا تنفي فقط تعدد الآلهة، وإنما تكشف أيضًا عن الخلل المنطقي الكامن في افتراض أن انتظام الوجود يحتاج إلى قوتين متضادتين تقتسمان الهيمنة عليه. وعلى هذا الأساس يمكن إعادة قراءة عقيدة الين واليانغ؛ فقد نظرت الفلسفة الصينية القديمة إلى الكون بوصفه نتاج توازن دائم بين قوتين متقابلتين؛ إحداهما تمثل السكون والأنوثة والظلمة، والأخرى تمثل الحركة والذكورة والنور. وقد مثل هذا التصور محاولة فلسفية عميقة لفهم انتظام العالم، غير أن صحته تتوقف على صحة الافتراض الأول؛ وهو أن الأضداد تمثل مكونات أصلية في بنية الواقع، وليس مجرد أنماط ذهنية يستخدمها الإنسان لتنظيم خبرته بالعالم.
أما إذا كان فائض التمثّل هو الذي يدفع العقل إلى إعادة رسم الواقع في صورة ثنائيات متقابلة، فإن هذه الفلسفة، شأنها شأن كثير من التصورات البشرية، تصبح تعبيرًا عن بنية الإدراك الإنساني أكثر مما هي وصفٌ لبنية الكون نفسه.
ولعل أكثر ما يكشف هذا الأمر هو أن الطبيعة، قبل ظهور الإنسان، لم تكن تعرف هذه الأحكام القيمية التي أغرقها بها العقل البشري. فالزلازل، والبراكين، والأعاصير، والفيضانات، ليست خيرًا ولا شرًا في ذاتها. فهي مجرد عمليات طبيعية تؤدي وظائف جيولوجية ومناخية معقدة أسهمت، عبر ملايين السنين، في تشكيل الأرض وإدامة ديناميكيتها، حتى جاء الإنسان، وتحت سلطان فائض التمثّل، فألبس هذه الظواهر أوصافًا أخلاقية لا تنتمي إليها، لأنها مست كيانَه أو مصالحه أو مشاعره.
ومن هذا المنظور، فإن الشر الذي يتحدث عنه الإنسان لا يظهر في كثير من الأحيان بوصفه خاصية في العالم، بل بوصفه نتيجة لما يضفيه الإنسان على العالم من أحكام وتمثلات، أو نتيجة لاختياراته هو حين يمتنع عن فعل الخير، أو يسيء استعمال قدرته على الاختيار. ولذلك قد يكون من أدق ما يمكن أن تقودنا إليه الميتابايولوجيا هو إعادة النظر في هوس الإنسان بالثنائيات كلها. فليس كل ما يبدو ضدين هما ضدان بالفعل، وليس كل ما يتصوره العقل زوجًا متقابلًا يمثل عنصرين متكافئين في بنية الوجود. فكثير من هذه الثنائيات لا يزيد على كونه محاولة ذهنية لتبسيط واقع بالغ التعقيد، فرضها فائض التمثّل على الإنسان حتى غدت جزءًا من طريقته في التفكير، وليس من طبيعة الأشياء نفسها.
ولعل التحرر الحقيقي لا يبدأ حين يضيف الإنسان إلى معارفه مزيدًا من الثنائيات، وإنما حين يتعلم كيف يشك في الثنائيات ذاتها، وكيف يميز بين الواقع كما هو، والصورة التي رسمها له فائض التمثّل، فعندئذ فقط يصبح العالم أقل انقسامًا، وأكثر وحدة، وأكثر انسجامًا مما توهمه العقل البشري عبر تاريخه الطويل.

أضف تعليق