
والآن، بعد أن تبيّن لنا المعنى الحقيقي لاستثنائية الإنسان، بعيداً عن كل مبالغة في تقدير صفاته أو مغالاة في تعظيم قدره، آن الأوان لأن نعيد قراءة الآيات الكريمة التي تحدّث فيها القرآن عن الإنسان، لا بوصفها آيات وعظية متفرقة، ولا بوصفها أحكاماً أخلاقية منفصلة عن بعضها، وإنما بوصفها أجزاء من صورة كلية متماسكة عن هذا الكائن الذي خرج من الانتظام الحيواني البسيط إلى نمط آخر من الوجود. ذلك أن ما كشفته لنا مفاهيم فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس لم يعد يسمح لنا بالتعامل مع الخطاب القرآني عن الإنسان بالطريقة نفسها التي درجت عليها القراءات التقليدية؛ إذ لم يعد ممكناً النظر إلى هذه الآيات على أنها مجرد وصف أخلاقي للضعف البشري، بل غدا من المشروع، بل من الضروري، أن نقرأها بوصفها تشخيصاً عميقاً لبنية الإنسان بعد أن أصابها ذلك الاختلال الذي جعله كائناً لا يشبه الحيوان الذي انحدر منه، ولا يستقيم تفسيره بوصفه امتداداً طبيعياً بسيطاً له. فإذا كانت استثنائية الإنسان لا تعني أنه الكائن الأكمل، ولا الأصفى، ولا الأسمى بالضرورة، وإنما تعني أنه الكائن الذي انقلبت داخله موازين الطبيعة بفعل تحولات أخرجته من اقتصادها الغريزي المضبوط، فإن القرآن يبدو، حين نقرأه من هذه الزاوية، نصاً قد التقط هذه الحقيقة في وقت مبكر على نحو يبعث على الدهشة. فالإنسان في القرآن ليس الكائن الذي جرى تمجيده تمجيداً ميتافيزيقياً فارغاً، بل هو كائن عُرضت صفاته وأحواله بصرامة لافتة: هلوع، جزوع، منوع، قتور، كنود، عجول، خصيم، ظلوم، جهول، ضعيف أمام دوافعه، طاغٍ إذا استغنى، مفتون بما يشتهي، قادر على الكذب والتبرير والمراوغة والعدوان والانحراف. وهذه ليست صفات متناثرة بلا رابط، بل يمكن، في ضوء ما انتهينا إليه، أن تُقرأ بوصفها تجليات مباشرة للفوائض الثلاث التي أعادت تشكيل الكائن البشري: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس.
إذا كان فائض التمثّل هو العلة التي جعلت الإنسان لا يكتفي بإدراك الواقع، بل يعيد إنتاجه داخله في صورة تمثلات وتأويلات وأوهام ومشروعات وخيالات، فإن أول ما ينبغي الالتفات إليه هو أن القرآن قد قدّم وصفاً للإنسان منسجماً إلى حد بعيد مع هذا الفهم. فالإنسان وفقاً للقرآن ليس كائناً يواجه الواقع مواجهة مباشرة شفافة، ولكنه كائن يتدخل بخياله، ويُلبس الأشياء من معانيه، ويضلّ بسبب ما يتوهمه، ويعجز عن رؤية نفسه كما هي بسبب الصورة التي يصنعها عنها.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يصفه القرآن بأنه {خُلِقَ هَلُوعًا}، ثم يشرح هذا الهلع بأنه: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19–21]. فالهلع هنا ليس مجرد خوف غريزي من الألم، بل هو بنية نفسية أعمق من ذلك؛ بنية كائن لا يعيش الحدث كما هو فحسب، بل يعيش ما يتخيله عنه، وما يتوقعه بعده، وما يخشاه قبله، وما يتوهمه من تبعاته. فالإنسان لا يتألم من الشر حين يقع فقط، بل من الصورة التي يبنيها حوله، ومن المستقبل الذي يتخيله انطلاقاً منه، ومن الخسارات التي يستحضرها حتى قبل أن تقع. ومن هنا كان الهلع أثراً من آثار فائض التمثّل بقدر ما هو أثر من آثار الضعف البشري.
والأمر نفسه يصدق على قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]؛ فالعجلة هنا ليست مجرد سرعة حركة أو استعجال عابر، بل هي تعبير عن كائن يسبق الواقع إلى نتائجه، ويريد أن يقفز على الزمن، ويضيق بالفاصل بين الرغبة وتحققها. وهذا لا يكون إلا عند كائن يعيش في داخله أكثر مما يعيش خارجه، ويتحرك بدافع ما يتخيله ممكناً بقدر ما يتحرك بدافع ما هو قائم بالفعل. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (من 72 الاحزاب). وهذا الجمع بين الظلم والجهل يصف كائناً لا يخطئ فقط لأنه يجهل، بل لأنه يسيء تقدير نفسه والعالم والنتائج، فيتجاوز الحدّ وهو يتوهم أنه يحسن صنعاً.
ومن أظهر الآيات دلالة على الطبيعة التمثلية للإنسان قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 14–15]. فهذه الآية وحدها تكاد تختصر المأزق التمثلي كله؛ إذ ترينا أن الإنسان يعرف في قرارة نفسه حقيقة ما يفعل، لكنه لا يلبث أن يُنتج حول نفسه شبكة من الأعذار والتأويلات والمرافعات الداخلية التي تحجب عنه هذا العلم أو تخفف وطأته. إنه لا يجهل فحسب، بل يعرف ثم يُعيد صياغة معرفته على نحو يسمح له بالاستمرار في الانخداع بذاته. وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج فائض التمثّل والتي تتمثل في كون الإنسان لا يكتفي بخداع الآخرين، بل يصبح قادراً على خداع نفسه عبر تمثلات يصنعها بمهارة ليحتمل بها نفسه، أو ليفلت بها من محاكمتها.
ولهذا أيضاً يصف القرآن الإنسان بأنه خصيم مبين: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 4]. فالاختصام هنا ليست مجرد دفاع عن مصلحة، بل هي قرينة على نشوء قدرة تمثلية عالية تمكّن الإنسان من بناء الحجة، وتلوين الوقائع، وتوجيه المعاني، والجدل في الحق بعد تبينه. فالاختصام إذاً ليس حدثاً غريزياً بسيطاً، بل نشاط رمزي ولغوي وتأويلي معقد، وهذا مما لا يفسَّر إلا في ضوء الكائن الذي بات يعيش في فضاء من الصور والمعاني والاحتمالات يتجاوز مجرد الاستجابة المباشرة للواقع.
بل إن القرآن يذهب أبعد من ذلك حين يكشف ميل الإنسان إلى تضخيم حضوره الذاتي والتوهم بأنه قادر على الاستغناء: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6–7]. فالاستغناء هنا ليس حقيقة موضوعية بالضرورة، بل قد يكون صورة عن الذات تولِّد الطغيان؛ أي إن الإنسان لا يطغى فقط إذا استغنى فعلاً، بل إذا رأى نفسه مستغنية. وهذه الإضافة القرآنية الدقيقة، أن رآه استغنى، تكشف وعياً بالغ الحساسية بسلطان الصورة الذهنية على السلوك الإنساني، وبأن ما يحكم الإنسان ليس الواقع دائماً، بل تمثّله عن الواقع، وتمثّله عن نفسه داخله.
والآن، إذا كان الحيوان يعتدي في الغالب دفاعاً عن نفسه أو صغاره أو مجاله الحيوي أو طعامه، فإن الإنسان، بعد انفراط عقد العدوان داخله، قد أصبح قادراً على العدوان بوصفه فعلاً يتجاوز الحاجة إلى الرغبة، ويتجاوز الضرورة إلى اللذة، ويتجاوز الدفاع إلى الإذلال والتشفي والانتقام. وهذه الحقيقة هي من أكثر الحقائق حضوراً في القرآن حين يتحدث عن الإنسان، لا بوصفه كائناً يخطئ عرضاً، بل بوصفه كائناً قادرًا على الإفساد والبغي والقتل والقسوة والخصومة على نحو لا تفسره مجرد بقايا الحيوان فيه.
ويكفي في هذا الباب أن نستحضر قصة ابني آدم، لأن القرآن قدّم فيها ما يشبه الإعلان المبكر عن ولادة العدوان الإنساني في صورته الجديدة. يقول تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [من 30 المائدة]. فهذه الآية لا تصف صراعاً على الطعام أو الأنثى أو النجاة، بل تصف جريمةً احتاجت إلى تطويع نفسي قبل وقوعها؛ أي إلى عملية داخلية من التهيئة، والتبرير، وتسكين الممانعة، حتى أمكن للنفس أن تقبل ما لم يكن مقبولاً. وهذا وحده يكفي للدلالة على أننا أمام عدوان بشري يختلف جوهرياً عن العدوان الحيواني؛ وهو عدوان يحتاج إلى خيال، وإلى حقد، وإلى مقارنة، وإلى حسد، وإلى محاكمة رمزية للآخر قبل تصفيته. إنه عدوان لا يُفهم إلا بوصفه ثمرةً لتزاوج فائض العدوان مع فائض التمثّل.
ومن هنا نتبين ايضاً العلة من وراء تساؤل الملائكة بخصوص آدم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [من 30 البقرة]. فالقرآن يضع الإفساد وسفك الدم في قلب السؤال عن الإنسان منذ اللحظة الأولى، وكأنه يشير إلى أن هذا الكائن يحمل قابلية مخصوصة للعدوان لا تختزل في الوظيفة الحيوية للقتال. فالإفساد أوسع من القتل، لأنه يشمل تخريب العلاقات، وإفساد المعاني، وإفساد العمران، وإفساد النفوس، وإفساد المجال الأخلاقي والاجتماعي كله. وهذه سمة بشرية بامتياز. فالحيوان قد يقتل، لكنه لا يفسد في الأرض بهذا المعنى المركب.
ويأتي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [من 74 البقرة] ليضيف بعداً آخر بالغ الدلالة إلى فهم العدوان البشري. فالقسوة هنا ليست مجرد نقص في التعاطف، بل هي قدرة الإنسان على تعطيل الرحمة داخله، والاستمرار في الأذى دون أن يردعه ألم الآخر أو حقه أو قربه. وهذا ما لا وجود له في عالم الحيوان على الاطلاق، بينما يتحول عند الإنسان إلى بنية كاملة قد تطال الابن والأخ والزوج والحبيب والجار والشعب والأمة. إن قسوة القلب عند بعض البشر هي أحد أكثر تجليات فائض العدوان دلالة، لأنها تكشف عن عدوان تحرر من حدود اللحظة الدفاعية، وصار قادراً على الاستقرار، والتراكم، والاستمرار، والتلذذ أحياناً بتمديد الألم وإدامته.
ولا يقل عن ذلك دلالةً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [من 66 الحج]، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 6–8]. فالكنود ليس مجرد نسيان للنعمة، بل هو نمط من التمرد الداخلي والجحود والتوتر العدائي تجاه ما أُعطي الإنسان، وكأن النفس لا تكتفي بالرغبة في المزيد، بل تقابل ما عندها بالاعتراض والنقمة والتمرّد. وهذه النفس نفسها، حين تجتمع فيها القسوة مع الجحود مع حب التملك والاستحواذ، تغدو قابلة لأن تترجم هذا التوتر كله إلى عدوان على الآخرين، أو على الحق، أو على النظام الأخلاقي نفسه.
وإذا كان القرآن قد وصف الإنسان بأنه خصيم وظلوم ومفسد وقاسي القلب وكنود وطاغٍ، فإن جمع هذه الصفات في صورة واحدة يكشف بوضوح أن العدوان في القرآن ليس حادثاً طارئاً في الإنسان، بل هو جزءٌ أصيلٌ من مأزقه الوجودي بعد خروجه من الاقتصاد الحيواني المنضبط. فنحن لا نكون هنا أمام حيوان يهاجم لأنه خائف أو جائع، بل أمام كائن يستطيع أن يحقد، وأن ينتقم، وأن يخطط، وأن يشوّه السمعة، وأن يغتاب، وأن يفتري، وأن يذلّ، وأن يبطش، وأن يفسد، وأن يواصل الأذى حتى بعد زوال الحاجة إليه. وهذا بالضبط هو ما يلتقطه مفهوم فائض العدوان حين يُستخدم لفهم الإنسان لا بوصفه كائناً شريراً بالمطلق، بل بوصفه كائناً انفرط فيه العدوان عن غاياته الطبيعية.
أما المحور الثالث، وهو فائض الجنس، فهو من أكثر المحاور التي تتجلى فيها بلاغة الوصف القرآني للإنسان. فالقرآن لا ينظر إلى الجنس بوصفه حاجة عضوية معزولة عن بقية البنية النفسية والرمزية للإنسان، بل يضعه في صلب امتحان هذا الكائن، وفي صلب علاقته بجسده، وبالآخر، وبالفتنة، وبالحدود التي ينبغي أن تُرسم حتى لا تتحول الرغبة الجنسية إلى سلطة كاسحة.
ولهذا لم يكتف القرآن بالنهي عن الفعل الجنسي المحرّم، بل قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. والتعبير هنا شديد الدقة؛ فالنهي ليس عن الزنا فحسب، بل عن الاقتراب منه، لأن القرآن يتعامل مع الرغبة الجنسية بوصفها مساراً قد يبدأ من النظر، ثم التخيل، ثم الاستثارة، ثم التدرج في الاقتراب من الفعل. وهذا يعني أن النص يدرك تماماً أن الجنس عند الإنسان ليس فعلاً بيولوجياً ينفجر فجأة وينطفئ، بل هو بنية رمزية وتمثلية تتغذى على الصور، والإيحاءات، والتخيلات، والمقدمات النفسية والبصرية والسلوكية. وهنا تتجلى دقة التعبير القرآني: فهو يضع يده على حقيقة أن الشهوة الإنسانية ليست حدثاً عضوياً خالصاً، بل هي شبكة متكاملة من المثيرات والتمثلات والاستجابات.
ومن هذا الباب أيضاً تأتي أوامر غض البصر وحفظ الفرج: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ و﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: من 30– من 31]. فغض البصر هنا ليس مجرد أدب اجتماعي، بل هو إجراء وقائي ضد طبيعة بشرية تتسع فيها المسافة بين النظر والرغبة والخيال والسلوك. إنه بيان قرآني صريح بأن العين ليست جهازاً بصرياً محايداً، بل هي منفذٌ إلى منظومة كاملة من التمثل والاستثارة والرغبة. ومن هنا يغدو ضبط النظر جزءاً من ضبط فائض الجنس نفسه، ليس لأن الجسم البشري شر، بل لأن الإنسان هو الكائن الذي يستطيع أن يحوّل الجسم إلى مركز اجتياح داخلي يطغى على التوازن كله.
وتزداد الصورة وضوحاً في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [من 14 آل عمران]. فالقرآن لا ينكر وجود الشهوة، لكنه يضعها في سياق التزيين والتضخيم والانجذاب الذي قد يستبد بالإنسان. والشهوة هنا ليست مجرد اندفاع طبيعي، بل هي قوة قابلة لأن تُزيَّن وتُضخَّم وتُجعل محوراً من محاور الحياة، بحيث يعاد ترتيب العالم من حولها. وهذا بالضبط ما يفعله فائض الجنس؛ إذ أنه لا يكتفي بإبقاء الرغبة ضمن حدود الوظيفة الحيوية، بل يحوّلها إلى فضاء للتمثل، والزينة، والافتتان، والبحث عن الاستثارة، وإعادة تشكيل الذات والآخرين وفق مقتضياتها.
ولا يمكن إغفال قوله تعالى في وصف يوسف عليه السلام: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِه﴾ [من 23 يوسف]، وما تبع ذلك من مشهد الإغلاق، والدعوة، والامتناع، والاعتراف اللاحق بفتنة الجمال والرغبة. فهذه القصة القرآنية ليست حكاية أخلاقية فقط، بل هي أيضاً تشريح بالغ الدقة للطبيعة الجنسية البشرية حين تتداخل فيها الرغبة مع السلطة، ومع التخيل، ومع الجمال، ومع التمنع، ومع الضغط النفسي. إنها تكشف أن الجنس في الإنسان لا يتحرك في فراغ عضوي، بل في فضاء اجتماعي ونفسي ورمزي بالغ التعقيد.
والآن، إذا جمعنا هذه المحاور الثلاثة بعضها إلى بعض، فإننا سنجد أنفسنا أمام صورة قرآنية للإنسان يصعب النظر إليها بوصفها مجرد مواعظ أخلاقية متناثرة. فالقرآن يصف الإنسان بوصفه كائناً يعيش في أسر تمثلاته، ويكابد قلقه وهلعه وعجلته وتبريراته، وهو في الوقت نفسه كائن قادر على الإفساد والقتل والقسوة والطغيان، ثم هو أيضاً كائن مفتون بجسده وبالآخر، معرض لأن تتحول شهوته إلى فتنة مستمرة. وهذه العناصر الثلاثة ليست منفصلة عن بعضها، بل تتشابك على نحو يكاد يطابق ما تكشفه لنا الفوائض الثلاث حين نحاول أن نفهم الإنسان خارج التفسيرات الاختزالية التي تختزله في العقل أو اللغة أو الثقافة أو الذكاء.
فالعدوان الإنساني لا يعمل منفصلاً عن التمثّل؛ إذ أنه يحتاج إلى تبرير، وإلى تضخيم للذات، وإلى تصوير للآخر بوصفه عدواً أو خصماً أو مستحقاً للأذى. والجنس عند الإنسان لا يعمل منفصلاً عن التمثّل هو الآخر؛ إذ يتغذى على الصورة والخيال والافتتان والزينة والمقارنة والاستثارة المؤجلة، بل إن العدوان والجنس معاً قد يتداخلان في الإنسان على نحو يجعل الإذلال الجنسي، أو التملك الجنسي، أو الغيرة، أو الحسد، أو الاستعراض الجسدي، أو العقاب عبر الجسد، وجوهاً مختلفة لاقتصاد نفسي واحد خرج على ضوابطه الطبيعية. وهكذا فنحن لسنا أمام ثلاث ظواهر متجاورة، بل أمام ثلاث قوى متشابكة تشكل، في مجموعها، بنية الإنسان كما يصفه القرآن وكما بدأت الفوائض الثلاث تكشفه لنا.
والآن، ألا يحق لنا ان نسأل السؤال التالي، من بعد كل هذا الذي تبين لنا بشأن حقيقة الانسان التي لم نشرع بتبين معالمها إلا مؤخراً: فهل يمكن أن يكون هذا الوصف الدقيق للإنسان هو من صياغة رجل عاش قبل أكثر من 1400 عام؟ وهنا ينهض السؤال الذي لا مفر من مواجهته: ما الذي يعنيه أن نجد في القرآن هذا الوصف المتماسك والعميق للإنسان، ثم نكتشف بعد كل هذه القرون، وبأدوات مفهومية حديثة، أن هذا الوصف يلتقي التقاءً بنيوياً مع ما تكشفه لنا مفاهيم فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس؟ فهل نحن أمام توافق عارض يمكن تفسيره بالمصادفة؟ أم أمام نص أدرك من حقيقة الإنسان ما لم نبدأ نحن بإدراكه إلا الآن؟
إن القيمة الدلالية لهذا السؤال لا ترجع إلى الرغبة في الانتصار العاطفي للنص القرآني، بل إلى طبيعة التلاقي نفسه. فنحن لا نتحدث هنا عن سبقٍ في معلومة جزئية، ولا عن موافقة لفظية بين آية واكتشاف علمي، بل عن صورة كاملة للإنسان: كائنٌ يعيش داخل تمثلاته، ويكابد قلقه وهلعه وعجلته، ويبرر لنفسه، ويطغى إذا رأى نفسه مستغنياً، ويقتل ويفسد ويقسُو ويتجبّر، وينجذب إلى الشهوة على نحو يتجاوز الوظيفة التناسلية. فهذه ليست صورة يمكن أن تُصاغ من داخل معرفة بشرية ساذجة بطبيعة الإنسان، ولا من داخل بيئة صحراوية محدودة الأدوات المعرفية، ولا من خلال التأمل الأخلاقي العام وحده.
فالرجل الذي عاش قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، في زمن لم يعرف علم النفس، ولا الأنثروبولوجيا، ولا البايولوجيا التطورية، ولا علوم الأعصاب، ولا التحليل النفسي، ولا نظريات الرمز والتمثّل، فكيف أمكن له، لو كان النص القرآني من عنده، أن يلتقط هذه البنية المركبة للإنسان بكل هذا العمق؟ وكيف أمكن له أن يرى أن الإنسان لا يضلّ لأنه يجهل فحسب، بل لأنه يُنتج لنفسه معاذير وصوراً ذهنية تحجب عنه الحقيقة؟ وكيف أمكن له أن يرى أن عدوان الإنسان ليس مجرد امتداد لعدوان الحيوان، بل هو عدوان قادر على الإفساد والتطويع النفسي والقسوة المتعمدة؟ وكيف أمكن له أن يلتقط أن الجنس في الإنسان ليس حاجةً بيولوجية محضة، بل هو فضاء للفتنة، والاستثارة، والزينة، والاقتراب التدريجي من الفاحشة؟
إن هذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بالقول إن القرآن مجرد نص ديني أخلاقي. فالنص الأخلاقي التقليدي قد ينهى ويأمر، لكنه لا يقدّم بالضرورة هذا التشريح العميق لطبيعة الكائن الذي يخاطبه. أما القرآن، حين يُقرأ في ضوء الفوائض الثلاث، فيبدو كأنه يعرف الإنسان من الداخل: يعرف هشاشته، وازدواجيته، وقدرته على التبرير، وقابليته للعدوان، وتورطه في الشهوة، وميله إلى الطغيان، وضعفه أمام تمثلاته عن نفسه وعن العالم. وهذا ما يجعل التلاقي بين القرآن وبين ما تكشفه هذه الفوائض تلاقياً بالغ الدلالة، وليس مجرد تقاطع تأويلي عابر.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه إذا كان مشروع فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس قد أتاح لنا أن نعيد تعريف استثنائية الإنسان بعيداً عن الأساطير التمجيدية التي أحاطت به، فإن أعظم ما يمكن أن يثمره هذا المشروع ربما لا يقف عند حدود فهم الإنسان نفسه، بل يمتد إلى إعادة فتح السؤال عن القرآن أيضاً. فالقرآن، في ضوء هذه القراءة، لا يبدو نصاً يكرر انطباعات بشرية عامة عن الخير والشر، ولا نصاً يعظ الإنسان من الخارج، بل هو نصٌ يصف هذا الكائن من الداخل، ويرسم خريطة دقيقة لاختلالاته الكبرى، ويضع يده على منابع القلق والعدوان والشهوة والتبرير والطغيان قبل أن تتوفر للبشر الأدوات المفهومية التي تسمح لهم بتشخيصها كما ينبغي.
ومن هنا، فإن التلاقي بين الصورة القرآنية للإنسان وبين ما تكشفه الفوائض الثلاث لا يدفعنا فقط إلى إعادة النظر في الإنسان، بل يدفعنا كذلك إلى إعادة النظر في النص الذي وصفه. فكلما ازداد هذا التلاقي وضوحاً، ازداد السؤال إلحاحاً: هل يمكن حقاً أن يكون هذا النص من صياغة رجل عاش قبل أكثر من 1400 عام، في بيئة لم تعرف من حقيقة الإنسان إلا ظاهره المباشر، بينما لم نبدأ نحن في إدراك طبقاته الأعمق إلا الآن؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فإننا نكون قد اقتربنا من نتيجة معرفية ثقيلة الوطأة: أن القرآن لم يسبقنا فقط إلى الحديث عن الإنسان، بل سبقنا إلى فهمه، وأنه وصف هذا الكائن كما لو أنه يعلم، منذ البداية، أن الإنسان ليس مجرد حيوان عاقل، بل هو كائن انفرط فيه التمثّل والعدوان والجنس، فصار بذلك أعقد الكائنات جميعاً، وأشدها حاجةً إلى الوحي الذي يردّه إلى توازنه المفقود.
