كيف يعيننا فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس على تبيّن حقيقة كون الإنسان كائناً استثنائياً؟

من بين جميع الأسئلة التي ظلّت تطارد العلوم الإنسانية والبايولوجية والفلسفية معاً، ربما لا يوجد سؤال أكثر إلحاحاً من هذا السؤال: ما الذي يجعل الإنسان كائناً استثنائياً حقاً؟ فمنذ أن بدأ الإنسان الحديث ينظر إلى نفسه بعين العلم، وهو يتأرجح بين صورتين متعارضتين: صورة ترى فيه الامتداد الأرقى للسلسلة الحيوانية، وصورة أخرى تلمح فيه كائناً خرج على هذه السلسلة خروجاً لا يمكن تبسيطه ولا احتواؤه بردّه إلى مجرد تعقيد أعلى في الدماغ أو إلى زيادة كمية في الذكاء. ولعل الأزمة الكبرى في المقاربات السائدة أنها كثيراً ما حاولت أن تحسم هذا التوتر على نحو متعجل، فإما أن تُذيب الإنسان في ماضيه الحيواني حتى يكاد لا يبقى منه إلا حيوان أكثر براعة، وإما أن ترفعه إلى مقام الاستثناء من غير أن تملك تفسيراً دقيقاً لماهية هذا الاستثناء وآلياته وتجلياته. غير أن الإنسان، حين يُقرأ من خلال فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس، لا يعود مجرد كائن أذكى من الحيوان، ولا مجرد كائن أكثر تهذيباً أو أكثر تحضراً، بل يظهر بوصفه الكائن الذي أصابه تحول بنيوي عميق أخرجه من الاقتصاد الطبيعي للسلوك، وأدخله في طور من الفائض جعل حياته النفسية، وعدوانه، ورغبته، وحضارته، بل وحتى علاقته بالحقيقة، تعمل جميعاً على نحو لم يعد له نظير في عالم الأحياء.
إن الحديث عن فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس لا يراد به مجرد تكثير المصطلحات أو إعادة تسمية ما هو معروف سلفاً، وإنما يراد به القبض على ثلاثة مواضع انكسرت فيها البنية الحيوية القديمة للإنسان، فخرج من حدودها إلى نمط جديد من الوجود. ذلك أن استثنائية الإنسان لا تتجلى أول ما تتجلى في اللغة، أو في الذكاء، أو في الصناعة، أو في القدرة على التكيف، بل تتجلى قبل ذلك في أن الإنسان لم يعد يكتفي بأن يدرك كما يُدرِك الحيوان، أو يعتدي كما يعتدي الحيوان، أو يرغب كما يرغب الحيوان، بل أصبح يتمثل على نحو مفرط، ويعتدي على نحو مفرط، ويرغب على نحو مفرط. ومن هذا الإفراط تحديداً ولد الإنسان كما نعرفه: ليس بوصفه استمراراً للغريزة، بل بوصفه الكائن الذي انفصل عن توازنها، وراح يبني فوق هذا الانفصال عالماً كاملاً من الحضارة، والوهم، والأخلاق، والجريمة، والفن، والشعور بالعار، والسلطة، والحرب، والندم، والأسطورة، والمعنى.
ولعل أول هذه المفاتيح، وأعمقها أثراً، هو فائض التمثّل. فالحيوان يدرك العالم من حيث هو مجال للحركة والاستجابة والالتقاط والتجنب، ويملك من الذكاء ما يكفي لأن يتعلم ويتكيف ويحلّ بعض المشكلات، لكنه لا يغادر الواقع إلى واقع آخر موازٍ من صنعه، ولا يعيش داخل شبكة كثيفة من الصور الذهنية التي تنفصل شيئاً فشيئاً عن الشيء نفسه. أما الإنسان فقد أصابه من التمثّل ما جعله لا يكتفي بأن يرى العالم، بل يعيد إنتاجه داخل رأسه، ثم يضيف إلى هذا الإنتاج طبقات من الاحتمال، والتأويل، والتوقع، والمقارنة، والاستحضار، والتجريد، والرمز، والافتراض المضاد، والعيش داخل ما لم يحدث كما لو أنه حدث، أو داخل ما كان يمكن أن يحدث لو أن مجرى الوقائع انحرف قليلاً عما وقع بالفعل. ومن هنا لم يعد الإنسان يسكن في العالم وحده، بل صار يسكن أيضاً في الصور التي يصنعها عن العالم، وفي الصور التي يصنعها عن نفسه، وفي الصور التي يصنعها عن الآخرين، وفي الصور التي يصنعها عن الصور ذاتها.
ففائض التمثّل هو الذي يفسر لنا كيف خرج الإنسان من الإدراك إلى التمثل، ومن التمثل إلى الرمز، ومن الرمز إلى العالم الاعتباري الذي بات يحيط بحياته من كل جانب. فمنه خرجت الأسطورة، ليس بوصفها مجرد حكاية قديمة، بل بوصفها قدرةً على حشد العالم داخل بناء رمزي يُغني عن الواقع أو ينافسه أو يعيد تفسيره. ومنه خرجت الأيديولوجيا، بوصفها تمثلاً جماعياً متضخماً لا يكتفي بوصف العالم بل يفرض عليه صورة مسبقة عمّا ينبغي أن يكونه. ومنه خرجت الهويات الرمزية، والمكانات الاعتبارية، والهيبة، والشعور بالعار، والذنب، والندم، والحسد، والقلق الوجودي، والخوف من المستقبل، والحنين إلى ماضٍ لم يعد قائماً، والعيش في ظل احتمالات لم تقع ولكنها لا تكف عن التأثير في الحاضر كما لو كانت وقائع ماثلة للعيان. فالإنسان لا يرزح تحت وطأة الواقع فحسب، بل تحت وطأة ما يتخيله عن الواقع، وما يظنه كامناً وراءه، وما يخشاه من وجوهه المحتملة، وما يضيفه إليه من معانٍ ليست جزءاً من مادته الخام.
وهنا تتكشف إحدى أخطر نتائج فائض التمثّل، فلقد أصبح الإنسان قادراً على أن يُضلِّل نفسه بالعالم الذي صنعه داخل نفسه. فمنذ اللحظة التي لم يعد فيها مضطراً إلى ملازمة الشيء كما هو، وصار قادراً على العيش داخل صورة ذهنية عنه، بدأ الباب ينفتح أمام سوء الفهم المنهجي للواقع، فصار ممكناً أن يتعامل الإنسان مع الصورة على أنها الأصل، ومع الرمز على أنه حقيقة، ومع التأويل على أنه يقين، ومع السردية على أنها واقع لا يقبل المراجعة. ومن هذه القدرة تحديداً خرج الكذب، والنفاق، والتضخيم، والمبالغة، والإنكار، والتبرير، والتأويلات العقائدية، واختراع الثنائيات الزائفة التي لا يفرضها الوجود بقدر ما يفرضها العقل البشري على الوجود. وبذلك لا يعود فائض التمثّل مجرد تطور في ملكة التفكير، بل يصبح انقلاباً في نمط الوجود الإنساني كله، لأن الإنسان لم يعد يواجه العالم مواجهة مباشرة، بل صار يواجهه من وراء حجاب كثيف من الصور والتوقعات والتفسيرات والمخاوف والرغبات.
غير أن فائض التمثّل، على خطورته، لا يكفي وحده لتفسير حقيقة استثنائية الإنسان، وذلك لأن الإنسان ليس الكائن الذي يفرط في إنتاج الصور فحسب، بل هو أيضاً الكائن الذي يفرط في الأذى. وهنا يأتي فائض العدوان بوصفه المفتاح الثاني. فالعدوان الحيواني، مهما اشتدّ، يبقى محكوماً باقتصاد طبيعي واضح: حماية للنفس، أو دفاع عن الصغار، أو صراع على الغذاء، أو على المجال الحيوي، أو استجابة لخطر آني. فهو عدوان له وظيفة، وله حدود، وله نهاية غالباً عند زوال السبب. أما الإنسان فقد شهد العدوان عنده انفراطاً هائلاً في “عقده الطبيعي”، حتى لم يعد الاعتداء مرتبطاً بضرورات البقاء وحدها، بل صار قادراً على أن يتغذى من الحقد، والضغينة، والكراهية، والمهانة، والغيرة، والشعور بالنقص، والرغبة في الانتقام، واللذة المستمدة من إذلال الخصم أو تحطيمه أو رؤية سقوطه.
فلقد أصبح الإنسان هو الكائن الذي لا يكتفي بإزالة الخطر، بل قد يتلذذ بإطالة الألم؛ ولا يكتفي بردّ الاعتداء، بل قد يحوّل الانتقام إلى مشروع طويل الأمد؛ ولا يكتفي بمخاصمة خصمه، بل يسعى إلى تحطيمه نفسياً ورمزياً واجتماعياً؛ ولا يكتفي بأن يقتل، بل يبرّر القتل، ويؤسّسه، ويشرعنه، ويُلبسه لباس العقيدة أو الشرف أو الرسالة أو الوطنية أو الخلاص. ومن هنا أمكن للإنسان أن ينتج الحروب الإبادية، والتعذيب المنهجي، والسجون العقائدية، والملاحقات الطائفية، والتنكيل، والشماتة المنظمة، والعنف المنزلي، والعنف الرمزي، والنميمة بوصفها عدواناً مؤجلاً، والتشهير بوصفه اغتيالاً معنوياً، والنبذ بوصفه أداة لإخراج الآخر من الجماعة وإلحاق الأذى به من غير إراقة قطرة دم واحدة. وهذه كلها صور لا يمكن تفسيرها بكون الإنسان أكثر شراسة من الحيوان، لأن الشراسة وحدها لا تفسر القدرة على التخطيط للأذى، ولا القدرة على تخزين الضغينة، ولا القدرة على توريث العداوة، ولا القدرة على اختراع مسوغات أخلاقية وفكرية للبطش.
وهنا تظهر الصلة الحاسمة بين فائض العدوان وفائض التمثّل. فالإنسان لا يملك عدواناً منفلتاً وحسب، بل يملك في الوقت نفسه جهازاً تمثلياً قادراً على تغذية هذا العدوان وتأجيله وتوسيعه ومنحه معنى. فالحيوان قد يهاجم عدوه، لكنه لا يبني سردية كبرى حول هذا العدو، ولا يحشد الذاكرة الجمعية ضده، ولا يختلق له صورة شيطانية متضخمة تبرر استئصاله. أما الإنسان فيستطيع أن يكره من لم يره، وأن يعادي من لم يمسه منه أذى مباشر، وأن يورث أبناءه ضغينة لم يعايشوا أسبابها، لأن التمثّل عنده قادر على أن يحوّل العدوان من رد فعل إلى عقيدة، ومن استجابة إلى مشروع، ومن فعل عابر إلى بنية حضارية. وهنا تحديداً يصبح العدوان الإنساني استثنائياً: ليس لأنه أكثر عنفاً من عدوان الحيوان فحسب، بل لأنه عدوان مؤوَّل، مُتخيَّل، مُسوَّغ، مُؤسَّس، وقادر على أن يعيش دهوراً داخل النصوص والخطب والذاكرة والهوية.
أما فائض الجنس، فهو المفتاح الثالث الذي لا يقل خطورة عن سابقيه، بل لعلّه من أوضحها في الكشف عن القطيعة التي تفصل الإنسان عن الاقتصاد الحيوي الطبيعي. فالجنس في عالم الحيوان، على تنوعه واختلاف أنماطه، يبقى جزءاً من منظومة التناسل، ومحكوماً بإيقاعات فسيولوجية ومواسم واستجابات هرمونية تضبطه ضمن وظيفة واضحة نسبياً. أما عند الإنسان، فإن الجنس لم يبقَ أسير هذه الوظيفة، ولم يعد قابلاً للاختزال إلى الحاجة الإنجابية، بل انفجر إلى عالم كامل من الصور، والرغبات، والتخيلات، والافتتان، والإغواء، والغيرة، والتملك، والتمثل، والشعور بالعار، والاحساس بالذنب، والكبت، والتسليع، والتعويض، وإعادة تشكيل الذات في عين الآخر.
ففائض الجنس يعني أن الطاقة الجنسية البشرية لم تعد طاقةً حيوية محضة، بل أصبحت ظاهرةً نفسية ورمزية وثقافية وحضارية مركبة. فالإنسان لا يرغب بالجسد فقط، بل يرغب بالصورة، وبالمعنى الذي تحمله الصورة، وبالاعتراف الذي تمنحه الرغبة المتبادلة، وبالشعور بالقيمة، وبإثبات الجدارة، وبإشباع نقص دفين، وبامتلاك ما يرمز إليه الجسد من مكانة أو جمال أو سلطة أو انتصار. ولهذا لم يعد الجنس فعلاً من أفعال الطبيعة وحسب، بل غدا مسرحاً تلتقي فيه الهوية بالخيال، والسلطة باللذة، والجسد بالرمز، والرغبة بالسوق، والافتقار بالتعويض. ومن هنا أيضاً نفهم كيف استطاع الإنسان أن يبني حول الجنس عالماً كاملاً من الأدب، والفن، والإعلان، والصناعة، والغيرة، والخيانة، والتنافس، والافتتان بالصورة، والقلق من الجاذبية، والتمحور حول الجسد، والتورط في أنماط من الرغبة لا يمكن تفسيرها بضرورات التناسل وحدها.
ولا تكمن خطورة فائض الجنس في اتساع مجاله فحسب، بل في أنه يكشف كيف أصبح الإنسان عاجزاً عن البقاء داخل حدود الغريزة الأولى. فحتى حين يطلب اللذة، فإنه يطلبها ككائن تحوّلت رغبته إلى بنية متشابكة مع الخيال والتمثّل والنقص والهوية والسلطة. فهو لا يطلب الآخر لذاته دائماً، بل يطلبه أحياناً ليعثر عبره على نفسه، أو ليعوض به شعوراً دفيناً بالعجز، أو ليثبت به تفوقاً، أو ليرمم به صورة متصدعة عن ذاته. ولهذا لم يكن الجنس عند الإنسان مجرد امتداد للجنس الحيواني مع شيء من التعقيد، بل صار أحد أكبر الأدلة على أن الإنسان لم يعد كائناً محكوماً بالوظيفة، بل كائناً محكوماً أيضاً بالتمثّل، وبالاختلال، وبالتضخم، وبالسعي إلى ما يتجاوز الحاجة البيولوجية بكثير.
وإذا جمعنا هذه المفاتيح الثلاثة معاً، فسوف تبدأ صورة الإنسان كما نعرفه في الظهور على نحو أكثر دقة وعمقاً. فاستثنائية الإنسان لا تكمن في أن لديه تمثّلاً وعدواناً وجنساً، لأن لكل واحد من هذه الأبعاد جذوراً أولية في العالم الحيواني، وإنما تكمن في أن هذه الأبعاد الثلاثة قد أصابها عنده فائض أخرجها من موضعها الطبيعي المحدود، وحوّلها إلى منظومات متشابكة تُنتج الإنسان كما نعرفه بكل تناقضاته. فالتمثّل لم يعد عند الانسان أداةً للإدراك فحسب، بل صار مصنعاً للأساطير والرموز والهويات والأوهام والحقائق الاعتبارية. ولم يعد العدوان عنده استجابةً دفاعيةً فحسب، بل صار بنيةً تاريخيةً وأخلاقيةً وسياسيةً ورمزيةً تنتج الحروب والانتقام والنبذ والإذلال. ولم يعد الجنس عنده مجرد وظيفة إنجابية، بل صار مسرحاً ضخماً للخيال والسلطة والتسليع والغيرة والتعويض والقلق والتمحور حول الذات.
ومن تفاعل هذه “الفوائض الثلاثة” ولد الإنسان كما نعرفه: كائناً يصنع الحضارة لأنه يملك فائضاً في التمثّل، ويدمّرها لأنه يملك فائضاً في العدوان، ويعيد تشكيلها على صورة رغباته لأنه يملك فائضاً في الجنس. بل لعل أعظم ما تكشفه هذه الفوائض أنها لا تفسر الجانب المظلم من الإنسان وحده، وإنما تفسر كذلك منجزاته الكبرى. فالفن، والقانون، والدولة، والأسطورة، والاقتصاد الرمزي، والحرب، والموضة، والدعاية، والسوق، والغيرة، والشعور بالعار، والاحساس بالندم، والطموح، والاغتراب، كلها ظواهر لا تبدو مفهومة على وجهها الكامل إلا إذا أدركنا أنها نتاج كائن لم يعد يعمل داخل حدود الطبيعة الخام، بل داخل فضاء من الإفراط البنيوي الذي أصاب كلاً من التمثّل والعدوان والجنس عنده.
ومن هنا فإن هذه الفوائض الثلاثة لا تُظهر الإنسان كائناً استثنائياً بالمعنى التمجيدي الساذج، كما لو كان الاستثناء مرادفاً للتفوق الأخلاقي أو للكمال العقلي أو للسمو الطبيعي، بل تكشفه كائناً استثنائياً لأن اختلاله نفسه استثنائي. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي استطاع أن يبني فوق فائض تمثّله عالماً من المعاني والقيم والأساطير والعلوم والفنون، ثم يبني فوق فائض عدوانه الحروب والإبادات والانتقامات والخصومات العقائدية، ثم يبني فوق فائض الجنس عنده ثقافات الرغبة والغيرة والتسليع والإغواء والافتتان بالصورة. فالانسان هو الكائن الذي لا يملك مجرد قدرات إضافية، بل يملك فائضاً يجعل هذه القدرات تنقلب على أصلها الطبيعي، فتنتج الحضارة بقدر ما تنتج المأساة، وتنتج الإبداع بقدر ما تنتج الوهم، وتنتج القانون بقدر ما تنتج الجريمة، وتنتج المعنى بقدر ما تنتج القلق.
وهنا بالضبط تكتسب نظرية الانعطافة التطورية الأولى ضرورتها التفسيرية. فهذه الفوائض الثلاثة لا تبدو، عند التأمل الدقيق، مجرد تطورات كمية كان يمكن للانتقاء الطبيعي وحده أن يراكمها بالتدريج حتى يبلغ الإنسان ما بلغه. فما تكشفه هو أقرب إلى انفصال نوعي، أو تحول بنيوي، أو سقوط من البراءة الطبيعية إلى طور جديد من الوجود. فالحيوان، مهما بلغ من الذكاء، لا يعيش مأساة الندم كما يعيشها الإنسان، ولا مأساة العار، ولا مأساة المعنى، ولا مأساة الكراهية المتخمرة في الذاكرة، ولا مأساة الرغبة التي لا تكف عن طلب ما يتجاوز موضوعها المباشر. وهذا كله يوحي بأن ما حدث للإنسان لم يكن مجرد امتداد هادئ لماضٍ حيواني متصل، بل كان حدثاً غيّر بنية اشتغاله من الداخل، ففكّك توازنه القديم، وأطلق فيه قوى لم تعد الطبيعة وحدها قادرة على ضبطها.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن أن نفهم لماذا لا يكون فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس مجرد موضوعات متجاورة، بل شواهد مترابطة على التحول نفسه. ففائض التمثّل هو الوجه المعرفي لذلك التحول؛ به خرج الإنسان من الإدراك إلى العالم الرمزي. وفائض العدوان هو الوجه الانفعالي والسلوكي لذلك التحول؛ به خرج الإنسان من العداء الوظيفي إلى الأذى المتخيل والمؤسَّس والمسوَّغ. وفائض الجنس هو الوجه الغرائزي-النفسي لذلك التحول؛ به خرج الإنسان من الحاجة الطبيعية إلى الرغبة المتضخمة التي تستمد وقودها من الخيال والهوية والنقص والسلطة. وحين تجتمع هذه الوجوه الثلاثة في كائن واحد، فإنها لا تترك لنا خياراً معرفياً نزيهاً سوى الاعتراف بأننا إزاء كائن استثنائي فعلاً، ليس لأن الطبيعة نجحت فيه أكثر مما نجحت في غيره، بل لأن ما وقع له في لحظة ما من تاريخه، دفعه إلى طور من الوجود لم يعد فيه ممكناً تفسيره بآليات البقاء وحدها.
وعليه، فإن السؤال: كيف يعيننا فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس على تبيّن حقيقة كون الإنسان كائناً استثنائياً؟ لا ينبغي أن يُجاب عنه بالقول إن هذه الفوائض تمنح الإنسان بعض الخصائص المميزة فحسب، بل بالقول إنها تكشف عن حقيقة الإنسان بوصفه الكائن الذي خرج من الاقتصاد الطبيعي للحياة. فلقد صار الإنسان، بفعل هذه الفوائض، الكائن الذي لا يكتفي بأن يعيش، بل يضاعف العالم داخله بالصور، ويضاعف الأذى بالضغينة والتأويل، ويضاعف الرغبة بالخيال والرمز والنقص. ومن هنا جاء كل شيء تقريباً: حضارته، وأفكاره، وأخلاقه، وحروبه، وآلامه، وأوهامه، ومخاوفه، ومآسيه، وانتصاراته، وسقوطاته.
إن الإنسان، في ضوء هذه القراءة، هو ليس الحيوان العاقل فحسب، ولا الحيوان الاجتماعي، ولا الحيوان الناطق، بل هو، وقبل كل شيء، الحيوان الذي لم يبقَ حيواناً. فالكائن الذي انكسرت فيه الحدود القديمة بين الحاجة والفائض، بين الإدراك والتمثّل، بين الدفاع والعدوان، بين الرغبة والغريزة، فخرج من عالم الطبيعة وهو لا يزال يحمل آثارها في جسده، لكنه لم يعد يطيع منطقها في نفسه. ولهذا لا يكون فهم الإنسان ممكناً إلا إذا كففنا عن النظر إلى استثنائيته بوصفها مجرد تفوق، وبدأنا ننظر إليها بوصفها أثر انعطافة كبرى صنعت كائناً قادراً على أن يبدع أكثر من كل الكائنات، وأن يضلّ أكثر من كل الكائنات، وأن يؤذي أكثر من كل الكائنات، وأن يرغب أكثر من كل الكائنات، وأن يبني من هذا كله عالماً كاملاً يسمّيه حضارة.

أضف تعليق