
من بين جميع الظواهر النفسية التي درج علم النفس المعاصر على التعامل معها بوصفها حالةً جزئية أو اضطرابًا دفاعيًا يخص بعض الأفراد دون بعض، ربما لا توجد ظاهرة تستحق إعادة النظر فيها بقدر ما تستحقه ظاهرة الإنكار. فالمألوف في الأدبيات النفسية المعاصرة أن يُنظَر إلى الإنكار على أنه آلية دفاعية تنشأ لدى بعض الأشخاص حين يعجزون عن مواجهة حقيقة مؤلمة، أو خبر صادم، أو تجربة تهدد توازنهم النفسي، فيلجؤون إلى نفيها، أو التقليل من شأنها، أو التصرف كما لو أنها لم تقع أصلاً. وبهذا المعنى يغدو الإنكار حالةً خاصة، مرتبطة بسيرة الفرد النفسية، وبما مرّ به من صدمات، أو هشاشة وجدانية، أو اختلالات في مسار نموه الانفعالي. غير أن هذا التصور، على ما ينطوي عليه من قدر من الصحة في بعض الحالات الجزئية، يظل قاصرًا عن إدراك الحقيقة الأعمق للإنكار حين يُنظر إليه من زاوية ميتابايولوجية أوسع، ليس بوصفه عرضًا نفسيًا استثنائيًا، بل بوصفه بنية إنسانية عامة، تكاد تشمل الجنس البشري كله بدرجات وصور مختلفة.
فالإنسان، كما تكشفه التجربة الفردية والجماعية والتاريخية والدينية، ليس كائنًا ينكر في لحظات استثنائية فحسب، وإنما هو مهيأ للإنكار من حيث الأصل. فهو لا ينكر الحوادث المؤلمة التي تقع له فحسب، بل ينكر أيضًا حقائق نفسه، وينكر محدوديته، وينكر دوافعه الحقيقية، وينكر تناقضاته، وينكر فساد ما يحب، وينكر هشاشة ما يتكئ عليه، وينكر أحيانًا ما هو أوضح من أن يُنكر. بل أنه قد يبني حياته كلها على “إنكار متواصل” يطال ذاته، وعلاقاته، ومعتقداته، وخياراته، وصورته عن العالم، وصورته عن نفسه داخل العالم. ومن هنا فإن اختزال الإنكار في كونه آلية دفاعية تخص بعض الأفراد الذين مرّوا بتجارب قاسية، يكاد لا يفسر شيئًا من هذا الامتداد الهائل للظاهرة، ولا من حضورها الكثيف في حياة البشر أفرادًا وجماعات وحضارات.
إن المقاربة التي يتيحها فائض التمثّل تضعنا أمام فهم مختلف تمامًا لهذه الظاهرة. فالإنكار، من هذا المنظور، ليس حادثة نفسية طارئة، بل هو نتيجة مباشرة للبنية التمثلية التي أصبح العقل الإنساني يعمل من خلالها بعد الانعطافة التطورية التي أخرجته من براءة الحيوان إلى تعقيد الإنسان. فالحيوان، مهما خاف أو ارتبك أو تجنب، فإنه لا يملك أن ينكر بالمعنى الإنساني الدقيق؛ لأنه لا يعيش داخل عالم من التمثلات المتراكبة التي تتيح له أن يفصل بين الواقع كما هو، وبين الصورة التي يختارها هو لهذا الواقع، ثم يقيم داخل هذه الصورة البديلة ويمنحها من القوة ما يجعلها أقدر على توجيه سلوكه من الحقيقة نفسها. أمّا الإنسان، فإن فائض التمثّل قد منحه هذه القدرة الخطيرة؛ قدرة صناعة نسخة ذهنية من الواقع، ثم الاحتماء بها ضد الواقع نفسه. وهنا بالضبط يولد الإنكار. فالإنكار ليس مجرد رفض لفظي لحقيقة ما، بل هو في جوهره انحيازٌ للتمثّل ضد الواقع. إنه اللحظة التي يقرر فيها الإنسان، شعوريًا أو لاشعوريًا، أن ما يستطيع احتماله ذهنيًا أولى عنده مما هو واقع فعلاً. وهو بهذا المعنى ليس نفيًا للحقيقة بقدر ما هو استبدال لها بحقيقة بديلة أكثر احتمالًا، أو أقل إيلامًا، أو أكثر انسجامًا مع الصورة التي يريد الإنسان الحفاظ عليها عن نفسه أو عن العالم. ومن هنا نفهم لماذا يتجاوز الإنكار نطاق الصدمات الفردية ليصبح سمة إنسانية عامة، وذلك لأن كل إنسان، طالما هو كائنٌ تمثلي، يحمل في داخله القابلية لأن يُخضع الواقع لسلطان الصورة، وأن يفضّل ما يتخيله على ما يواجهه، وأن يلوذ بما يحتمل على حساب ما هو كائن.
ولعل أخطر ما في الإنكار أنه لا يعمل فقط حين تكون الحقيقة قاسية أو موجعة، بل يعمل أيضًا حين تكون الحقيقة مهددة للبناء الرمزي الذي شيده الإنسان حول ذاته. فالإنسان لا ينكر لأن الألم وحده لا يُحتمل، بل لأنه لا يطيق في أحيان كثيرة أن تنهار الصورة التي استثمر في بنائها سنوات طويلة من الوهم والتبرير والتأويل. فقد ينكر المرء أنه أخطأ، ليس لأن الخطأ نفسه هو فوق ما يحتمل، بل لأن الاعتراف به يهدم صورة الإنسان الحكيم أو النبيل أو العادل أو المتماسك التي اعتاد أن يرى نفسه من خلالها. وقد تنكر جماعة بأكملها فساد مسارها، لا لأن الأدلة غائبة، بل لأن الاعتراف يقتضي منها أن تهدم السردية التي بنت بها هويتها، وبررت بها آلامها، واستمدت منها شعورها بالتفوق أو الاصطفاء أو البراءة. وهكذا يصبح الإنكار آلية لحماية التمثّل وليس لحماية النفس فحسب؛ حمايةً للصورة، وللقصة، وللرواية الداخلية التي يريد الإنسان ألا يخسرها مهما كان الثمن.
ومن هنا أيضًا نفهم لماذا ينبغي ألا يُرَد الإنكار إلى التاريخ السايكولوجي الخاص بهذا الفرد أو ذاك إلا على نحو ثانوي. نعم، قد تزيد بعض الخبرات من حدته، وقد تمنحه بعض الصدمات مناسَبةً للظهور، وقد تجعله بعض أنماط التربية أكثر رسوخًا، غير أن هذه العوامل لا تفسر أصل الظاهرة ولا عموميتها. فهي تفسر درجة الإنكار وشكله وموضوعه، لكنها لا تفسر إمكانه من حيث المبدأ. فالإمكان نفسه سابق على كل هذه العوامل، وهو متجذر في البنية التمثلية للعقل الإنساني، ذلك أن الإنسان، بوصفه كائنًا يستطيع أن يتخيل ما ليس واقعًا، وأن يسكن في هذا المتخيل، وأن يضفي عليه قيمة وجدانية ومعنوية، صار كائنًا قادرًا على أن يرفض الواقع من غير أن يغادره جسديًا؛ فيكفيه أن يغادره تمثليًا. وهذه هي العبقرية السوداء للإنكار؛ وهي أن يعيش الإنسان في العالم، لكنه لا يعيش في الحقيقة.
وحين ننظر إلى التاريخ البشري من هذه الزاوية، فسوف تتكشف لنا عمومية الإنكار على نحو أوضح بكثير مما تسمح به المقاربات النفسية التقليدية. فالإنسان لا ينكر فقط في غرف العلاج النفسي، بل ينكر في السياسة، وفي الدين، وفي الحب، وفي الحروب، وفي الأخلاق، وفي قراءة الذات، وفي كتابة التاريخ، وفي فهم الموت، وفي تقدير المصير. فكم من أمة أنكرت أسباب سقوطها، وألقت باللوم كله على عدو خارجي؟ وكم من حاكم أنكر استبداده باسم الرسالة أو الأمن أو المصلحة العامة؟ وكم من عاشق أنكر الحقيقة الماثلة أمامه لأن الاعتراف بها يقتضي نهاية الصورة التي أحبها لا نهاية العلاقة فحسب؟ وكم من إنسان استمر سنوات طويلة يكرر الأخطاء نفسها لأنه آثر إنكار عيوبه على مواجهتها؟ إن هذه الأمثلة لا تدل على اضطرابات فردية متفرقة، بل تدل على شيء أعمق بكثير، وهو أن الإنسان لا يواجه الحقيقة مواجهة مباشرة إلا بشق الأنفس، لأن فائض التمثّل قد منحه قدرة دائمة على الالتفاف عليها، بل أن الدين نفسه، حين يصف الإنسان، يقدّم لنا شواهد كثيرة على أن الإنكار ليس حادثًا نفسيًا هامشيًا، وإنما هو من صميم المحنة الإنسانية. فالإنسان، في النص القرآني، لا يُقدَّم بوصفه كائنًا يخطئ فحسب، بل بوصفه كائنًا يجادل، ويتعامى، ويكابر، ويتعامَل مع الحقائق الماثلة أمامه كما لو أنها قابلة للتأجيل أو المراوغة أو التحوير. وليس المقصود هنا مجرد إنكار وجود الحق، بل إنكار مقتضياته، وإنكار ما يستلزمه من مراجعة للنفس، وإنكار ما يفضحه من عيوب ومصالح وأهواء. ولهذا فإن الإنكار، في أحد أعمق معانيه، ليس مجرد خلل في الإدراك، بل موقف وجودي من الحقيقة، وهو موقف يصدر عن كائن لا يريد أن يرى إلا ما ينسجم مع تمثلاته، أو ما يحفظ له توازنه الرمزي، أو ما يجنبه ألم المراجعة.
إن فائض التمثّل، في هذا السياق، لا يفسر فقط كيف ينشأ الإنكار، بل يفسر أيضًا لماذا يصعُب اقتلاعه. فالإنسان لا يتخلى عن إنكاره بسهولة لأن الإنكار ليس فكرةً عابرة في رأسه، وإنما هو في كثير من الأحيان جزء من المعمار التمثلي الذي ينظم رؤيته لذاته وللعالم. ولهذا فإن مواجهة الإنكار ليست مجرد تزويد الإنسان بالمعلومة الصحيحة، ولا مجرد تنبيهه إلى الخطأ، لأن المشكلة لا تكون دومًا في غياب الحقيقة، بل في العجز عن احتمالها، أو في كلفة الاعتراف بها على الصورة الداخلية التي يعيش الإنسان داخلها. ولهذا كثيرًا ما يفشل البرهان حيث تنجح المصلحة، ويفشل الدليل حيث تنتصر الرغبة، ويفشل الوضوح، حيث تكون كلفة الوضوح باهظة على النفس.
ومن هنا فإن أي مقاربة جادة للإنكار ينبغي أن تبدأ من تعديل السؤال نفسه. فبدل أن نسأل: لماذا ينكر بعض الناس بعض الحقائق؟ ينبغي أن نسأل: كيف أصبح الإنسان أصلًا كائنًا قادرًا على الإنكار بهذا الاتساع كله؟ ولماذا صارت علاقته بالحقيقة علاقة متوترة إلى هذا الحد؟ ولماذا لا يكفي أن تكون الحقيقة واضحة لكي تُقبل؟ إن الجواب الذي يقدمه فائض التمثّل هو أن الإنسان لم يعد يعيش داخل الواقع وحده، بل داخل شبكة كثيفة من الصور والتأويلات والسرديات والتمثلات التي تتنازع جميعها على تعريف الواقع نيابة عنه. وما دام الأمر كذلك، فإن الإنكار لن يكون استثناءً عارضًا، بل سيغدو احتمالًا ملازمًا لكل وعي إنساني، لأن كل وعي تمثلي يحمل في داخله القدرة على أن يبدّل الحقيقة بصورة، وأن يبدّل المواجهة بتأويل، وأن يبدّل الاعتراف بمراوغة.
وعليه، فإن الإنكار ليس مرضًا نفسيًا طارئًا أصاب بعض البشر دون بعض، بل هو من الآثار العميقة التي خلّفها فائض التمثّل في الكائن البشري. فقد يشتد عند فرد ويخف عند آخر، وقد يتخذ صورة صريحة عند هذا، وصورة مهذبة أو متخفية عند ذاك، لكنه يظل من حيث الأصل جزءًا من البنية الإنسانية نفسها ما دام الإنسان كائنًا يستطيع أن يصوغ لنفسه عالمًا رمزيًا ينافس العالم الواقعي، بل ويغلبه أحيانًا. ومن هنا فإن إعادة فهم الإنكار على هذا النحو لا تعني توسيع مفهوم نفسي فحسب، بل تعني إعادة النظر في صورة الإنسان ذاتها. فالإنسان هو ليس الكائن الذي يعرف فحسب، بل هو أيضًا الكائن الذي يعرف ثم يتهرب مما عرف، ويرى ثم يشيح بوجهه، وتنكشف له الحقيقة ثم يبحث داخل تمثلاته عن ملجأ يحميه منها. وهذا، في أحد وجوهه، هو الثمن الباهظ الذي دفعه الإنسان مقابل خروجه من بساطة عالَم الحيوان إلى تعقيدات عالَم الإنسان.
