مقاربة ميتابايولوجية للحديث النبوي الشريف: “من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”

من بين الأحاديث النبوية التي تبدو لأول وهلة أقرب إلى باب التهذيب الخلقي أو التربية السلوكية العامة، ثم لا تلبث أن تكشف عند تأملها عن عمقٍ أنثروبولوجي ومعرفي بالغ، يبرز الحديث الشريف: “من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” بوصفه نصاً شديد الكثافة، يتجاوز حدود النصح الأخلاقي المباشر إلى ما يشبه وضع قاعدة كبرى لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بنفسه، وبالآخرين، وبالعالم من حوله. فهذا الحديث لا يكتفي بأن يطلب من المسلم الكف عن فضول الكلام أو التدخل في شؤون الغير بالمعنى الاجتماعي الشائع، وإنما يضع يده على واحد من أخطر الأمراض التي أصابت الإنسان بعد خضوعه للانعطافة التطورية الأولى؛ أي ذلك التحول الذي أخرج الكائن البشري من براءته الطبيعية الأولى، وزرع فيه فائضاً تمثلياً جعله يسيء تقدير نفسه، ويبالغ في توسيع دائرة حضوره، ويتصرف كما لو أنه معنيٌّ بكل شيء، ومخوَّلٌ بالخوض في كل شيء، ومؤهلٌ لإبداء الرأي في كل شيء.
فالإنسان، بعد أن وقع تحت سلطان فائض التمثّل، لم يعد كائناً يكتفي بالتفاعل مع ما يقع في دائرة خبرته المباشرة وحاجاته الواقعية، وإنما صار مندفعاً إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ إذ أصبح مأخوذاً بصورة متضخمة عن نفسه، يتخيل معها أن وجوده لا يكتمل إلا إذا تمدد إلى ما وراء حدوده، وتجاوز اختصاصه، وتدخل فيما لا يحيط به علماً، وأقحم نفسه في قضايا لا يملك أدوات فهمها، فضلاً عن أدوات حلها. وهنا لا يعود الحديث عن مجرد فضول اجتماعي عابر، بل عن بنية نفسية ومعرفية عميقة، تجعل الإنسان ميالاً إلى اعتبار العالم ساحة مفتوحة لممارسته المستمرة لوهم “فائض القيمة” ووهم الإحاطة ووهم الاستحقاق.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الحديث النبوي الشريف لا يعالج سلوكاً عرضياً بسيطاً، بل يعالج أثراً مركزياً من آثار التحول الإنساني نفسه. فهو يتوجه إلى ذلك الميل الذي يجعل الإنسان يظن أن لكل شأن نصيباً من تدخله، وأن لكل قضية حاجة إلى صوته، وأن لكل مشكلة باباً ينبغي أن يدخل منه ولو كان جاهلاً بأصلها، غريباً عن ملابساتها، عاجزاً عن تبين حدودها ومآلاتها. وهذه الحال ليست في حقيقتها علامة على القوة أو النضج أو الحضور الإيجابي كما قد يتوهم البعض، وإنما هي، في كثير من الأحيان، صورة من صور الاختلال الذي أحدثه فائض التمثّل في تقدير الإنسان لذاته. فالمرء لا يتدخل فيما لا يعنيه لأنه واسع المعرفة حقاً، ولا لأنه الأقدر فعلاً، وإنما لأنه أصبح أسير تمثل داخلي يوهمه بأنه محور صالح لكل قضية، وأن غيابه عن المشهد نقص، وأن سكوته عن الأمر تقصير، وأن امتناعه عن التدخل ضرب من التخلي عن واجب لا وجود له أصلاً.
فالإنسان الذي يتورط في ما لا يعنيه لا يفعل ذلك دائماً بدافع الفضول الساذج وحده، بل كثيراً ما يفعله بدافع أشد عمقاً وخفاءً يتمثل في الرغبة في تثبيت صورة معينة عن نفسه. فهو يريد أن يظهر بوصفه صاحب رأي، وصاحب حضور، وصاحب قدرة على التوجيه والتصحيح والحل، حتى لو كان الثمن أن يتكلم فيما يجهل، أو يحكم فيما لا يحيط به، أو يُفسِد أكثر مما يصلح. ومن هنا يغدو التدخل فيما لا يعني المرء واحداً من ميادين اشتغال الوهم التمثلي؛ إذ تتحول المسائل التي لا تخصه إلى فرصة لتغذية الأنا، وإعادة تأكيد قيمتها، وإقناعها بأنها لاتزال فاعلة ومركزية وضرورية. ولذلك لا ينبغي أن يُقرأ الحديث النبوي هنا بوصفه مجرد دعوة إلى الأدب الاجتماعي، بل بوصفه أيضاً دعوة إلى تقليم هذا التضخم التمثلي، وإلى إعادة الإنسان إلى حجمه الحقيقي، وإلى تخليصه من نزعة التضخم الداخلي التي تجعله يتصرف كما لو كان أكبر من نفسه، وأعلم من حقيقته، وأقدر مما هو عليه بالفعل.
ولعل من أهم ما يلفت النظر في هذا الحديث أنه ربط حُسن الإسلام بترك ما لا يعني المرء، وليس بقيامه ببعض العبادات الظاهرة أو انشغاله ببعض الشعائر بمعزل عن إصلاح بنية نفسه فحسب. وهذا الربط يكشف أن الإسلام، في أحد أعمق مقاصده التربوية، لا يريد من الإنسان مجرد الامتثال الخارجي، بل يريد أيضاً إعادة بناء علاقته بذاته على أسس من الانضباط المعرفي والخلقي. فليس حسن الإسلام مجرد أداء لما افترضه الله، وإنما هو أيضاً القدرة على معرفة الحدود: حدود العلم، وحدود الاختصاص، وحدود المسؤولية، وحدود الطاقة، وحدود الدور الذي ينبغي أن يشغله الإنسان في هذا العالم. وحين يفقد المرء هذا الوعي بالحدود، فإنه يبدأ بالتسلل إلى ما لا يعنيه، ويشرع في توزيع الأحكام، واقتراح الحلول، وإبداء المواقف، والتصرف وكأن العالم كله قد أُنيط به، وكأن مشكلات الناس قد فُوِّضت إليه، وكأن لكل شأن فيه نصيباً واجباً من حضوره.
ومن هنا فإن هذا الحديث الشريف يقدِّم، في ضوء المقاربة الميتابايولوجية، علاجاً دقيقاً لواحد من أبرز تجليات ما يمكن وصفه بـ جنون العظمة الإنساني. والمقصود بهذا الجنون ليس الصورة المرضية الحادة التي يتناولها الطب النفسي، وإنما ذلك الشكل الواسع والمألوف من تضخم الذات الذي استقر في الطبيعة البشرية بعد الانعطافة التطورية الأولى. فالإنسان لم يعد يكتفي بأن يكون إنساناً محدوداً يتعلم ببطء، ويخطئ، ويجهل، ويحتاج إلى التريث، وإنما صار يميل إلى تخيل نفسه مرجعاً جاهزاً، وصاحب بصيرة نافذة في كل شأن، ومالكاً لحلول لا يملكها غيره. وقد يظهر هذا التضخم في صور كثيرة: في الإفتاء بغير علم، وفي التدخل في الخصومات دون فهم، وفي الخوض في قضايا فكرية أو دينية أو اجتماعية أو نفسية أعقد من أن تُتناول بالحدس والارتجال، وفي اقتحام الحياة الخاصة للناس باسم النصيحة أو الحرص أو الغيرة على المصلحة، وفي تحويل كل مجلس إلى ساحة لاستعراض الرأي والموقف والمعرفة.
وفي هذا السياق، يبدو الحديث النبوي كأنه يضع للمسلم حدّاً فاصلاً بين المسؤولية المشروعة والتورط المتضخم. فليس كل ما يُرى أو يُسمع أو يُثار يعني أن على المرء أن يتدخل فيه. وليس كل مشكلة تقع في العالم تستدعي أن يتصدر لها. وليس كل سؤال يمر به يوجب عليه أن يجيب عنه. وليس كل نزاع بين الناس يحتاج أن يقتحم ساحته. بل إن من حُسن إسلامه أن يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يتقدم ومتى يتأخر، ومتى يكون تدخله نافعاً ومتى يكون عبئاً إضافياً على المسألة. وهذا الوعي ليس علامة ضعف، بل علامة نضج؛ لأن النضج الحقيقي لا يتمثل في توسيع مجال الحضور على نحو هستيري، وإنما في إحسان تقدير الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه الإنسان، والموضع الذي ينبغي أن ينسحب منه.
إن ترك ما لا يعني المرء، بهذا المعنى، ليس انسحاباً من العالم ولا تخلّياً عن الواجب، وإنما هو تحرير للإنسان من شهوة التمدد الكاذب. فالإسلام لا يطلب من المسلم أن يكون سلبياً، ولا أن ينكفئ عن مسؤولياته، ولا أن يتخلى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا أن يزهد في نصح الناس إذا كان قادراً على نصحهم بحق. لكن الفرق هائل بين مسؤولية منضبطة بالعلم والقدرة والنية الصادقة والموضع الصحيح، وبين تدخّل متضخم تحركه أوهام الأنا وحاجتها إلى أن تكون حاضرة في كل مكان. فالحديث لا يصادر المسؤولية، وإنما يطهّرها من التلوث التمثلي؛ أي من ذلك التضخم الذي يحوّل النصيحة إلى تطفل، والاهتمام إلى اقتحام، والحرص إلى استعراض، والرغبة في الإصلاح إلى رغبة في السيطرة.
ومن أعمق ما يمكن استنتاجه من هذا الحديث أن المسلم لا يستطيع أن يشتغل بإصلاح نفسه اشتغالاً جاداً ما دام غارقاً في إصلاح العالم كله على مستوى الادعاء والتوهم. وذلك لأن النفس التي توهم صاحبها أنه الدواء لكل داء، والحل لكل مشكلة، والمرجع لكل قضية، ستجد دائماً ما يلهيها عن أشق الواجبات وأثقلها والمتمثل بواجب مواجهة عيوبها هي، وكشف أوهامها، وتقويم انحرافاتها، وتزكية أخلاقها، ومحاسبة نياتها، وتخفيف تضخمها الداخلي. فأسهل على الإنسان كثيراً أن ينشغل بخطأ غيره من أن يفتش عن عيوب نفسه، وأسهل عليه أن يوزع النصائح على الناس من أن يلتزم هو بمقتضاها، وأسهل عليه أن يتقمص دور المصلح العام من أن يعترف بأنه في حاجة ماسّة إلى إصلاح ذاته أولاً.
ولهذا يمكن القول إن الحديث النبوي يعيد ترتيب الأولويات داخل الكيان الإنساني نفسه. فهو ينقل المسلم من وهم الرسالة الكونية المتخيلة التي يمنحها لنفسه بلا حق، إلى الرسالة الحقيقية التي بين يديه والمتمثلة بأن يعرف نفسه، وأن يضبطها، وأن يطهّرها، وأن يتهذب، وأن يزداد بصيرة بحدوده، وأن يشتغل بما كُلّف به حقاً لا بما أغرته به أوهامه. وهذا التحول من الخارج إلى الداخل ليس انكماشاً مرضياً، بل هو عين الواقعية الإيمانية؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يكون نافعاً نفعاً صحيحاً إلا إذا عرف قدره، وحدّ علمه، وموضع قدمه، وميز بين ما يعنيه وما لا يعنيه.
ولعل الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الإنسان التمثلي هو أنه يظن أن قيمة وجوده تزداد كلما تمدد في شؤون الناس، بينما الحقيقة أن كثيراً من هذا التمدد ليس إلا استنزافاً للروح والعقل والوقت فيما لا يثمر إلا مزيداً من التشتت والغرور والفساد. فالمرء الذي يجعل نفسه طرفاً في كل شأن، ومفسراً لكل حدث، وناصحاً لكل إنسان، وحاكماً في كل نزاع، لا يزداد بذلك حكمة، بل قد يزداد بعداً عن نفسه وعن الله وعن مقتضيات التزكية الحقيقية؛ وذلك لإنه يبدد طاقته في مساحات لا تخصه، ويستهلك عُمُره في قضايا لا يحسن التعامل معها، ثم يخرج من ذلك كله وهو يظن أنه كان يؤدي دوراً عظيماً، مع أن الحقيقة قد تكون أنه كان يهرب من أشق ما يطلبه الدين منه، وذلك بأن يشتغل بنفسه اشتغالاً صادقاً وليس تمثلياً.
وعلى هذا الأساس، يغدو الحديث الشريف “من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” نصاً مؤسساً لتربية قرآنية عميقة، لأنه لا يكتفي بتقويم السلوك الظاهر، بل يضرب في صميم البنية التي جعلت الإنسان قابلاً للتضخم الذاتي، والتورط المعرفي، والتدخل غير المنضبط، والتعالي المستتر في صورة النصح أو الاهتمام أو الحرص. فهذا الحديث يريد أن يردّ الإنسان إلى التواضع المعرفي، وإلى الاقتصاد الوجودي، وإلى الصدق مع النفس، وإلى الانشغال بما يصلحها قبل أن تتوهم قدرتها على إصلاح ما حولها. ومن هنا فإن حسن إسلام المرء لا يظهر فقط في كثرة ما يفعله، بل يظهر أيضاً في حسن ما يتركه، وفي بصيرته بما ينبغي أن ينأى عنه، وفي إدراكه أن كثيراً مما ينشغل به هو ليس من شأنه، ولا من اختصاصه، ولا من مسؤوليته، ولا مما سيقرّبه إلى الله.
وهكذا، فإن هذا الحديث النبوي، حين يُقرأ على ضوء الانعطافة التطورية الأولى وفائض التمثّل، يبدو كأنه دعوة نبوية كبرى إلى تحرير الإنسان من أحد أخطر أوهامه: وهم أنه أكبر من نفسه. وهو، بهذا المعنى، لا يعلّم المسلم مجرد فضيلة اجتماعية، بل يضع بين يديه قاعدة من قواعد النجاة من التضخم الداخلي الذي أفسد على الإنسان علاقته بذاته وبالآخرين وبالعالم. فليس المراد أن ينسحب المسلم من الحياة، وإنما أن يتحرر من الادعاء، وأن يتخفف من التطفل المعرفي والوجداني، وأن يعرف أن لله في نفسه شغلاً، وأن من أعظم وجوه حسن إسلامه أن يوجّه جهده إلى ما يعنيه حقاً؛ وذلك بأن يعمل على إصلاح قلبه، وتقويم عقله، وتهذيب لسانه، وتزكية نفسه، والقيام بما كُلّف به على بصيرة، لا أن يظل مطارِداً لسراب العظمة الذي يوهمه بأنه خُلق لكل شأن، وعُلِّم كل شيء، وأُعطي مفاتيح حل مشكلات الناس.

أضف تعليق