
من بين الظواهر التي تكاد تستوقف كل قارئ متأمل في تاريخ الأديان وتاريخ الأفكار على السواء، ربما لا توجد ظاهرة أشدّ تكرارًا وأوضح انتظامًا من ظاهرة التشظّي العقائدي. فما إن يتنزّل الوحي الإلهي بصورته الصافية، وما إن تتحدد معالم العقيدة في أصلها الأول، حتى يبدأ التمثل البشري بعمله المعتاد؛ حيث تتعدد القراءات، وتتزاحم التأويلات، وتتولد التفسيرات المتعارضة، ثم لا يلبث هذا التعدد أن يتحول إلى انقسامات ومذاهب وفرق، يزعم كل واحد منها أنه الأقدر على تمثل الحقيقة الإلهية، والأصدق في التعبير عن مرادها، والأوفى لروح النص ومقاصده. وهكذا لا تعود العقيدة الواحدة عقيدة واحدة إلا في أصل تنزّلها، أما في تاريخ تلقيها البشري فإنها سرعان ما تدخل في مسار طويل من التشظي والانقسام والتنازع.
ولعل من أهم ما يميز القرآن الكريم في هذا الباب أنه لا يتعامل مع هذه الظاهرة بوصفها حادثة استثنائية طارئة، ولا بوصفها انحرافًا عرضيًا أصاب جماعة بعينها دون سواها، وإنما يقدّمها باعتبارها حقيقة إنسانية متكررة، تكاد تلازم الاجتماع البشري كلما نزل عليه وحي، وكلما أوتي كتابًا، وكلما وُضعت بين يديه بينة من ربه. فالقرآن لا يرسم لنا صورة مثالية عن تاريخ التدين البشري، ولا يوهمنا بأن الناس إذا عرفوا الحق لزموه جميعًا، أو أن النص الإلهي إذا بلغهم بقي محفوظًا في وعيهم العملي من كل تحريف أو انحراف أو تلاعب تأويلي. بل إن العكس هو الأقرب إلى الصورة القرآنية؛ إذ نراه يكرر على نحو لافت أن الناس لا يلبثون بعد البيان أن يختلفوا، ولا يلبثون بعد الهدى أن يتنازعوا، ولا يلبثون بعد نزول الوحي أن يبدؤوا بصناعة المسافات بينهم وبين معناه الأصلي. وهذا هو ما كان عليه الحال حتى انزل الله قرآنه العظيم الذي تعهد بأن يحفظه من كل سوء.
ومن هنا تأتي ضرورة إعادة قراءة ظاهرة التشظي العقائدي لا من داخل السرديات المذهبية التي تحاول كل منها أن تردّ الانحراف إلى غيرها، وإنما من خارج هذا التنازع كله، أي من خلال مقاربة تبحث في العلة الأعمق التي تجعل الإنسان أصلًا كائنًا ميّالًا إلى تفتيت الوحدة العقدية، وإلى تحويل النص الإلهي من مرجعية هادية إلى مادة تأويلية قابلة للتشظي والانقسام. وهنا بالتحديد يبرز مفهوم فائض التمثّل بوصفه أحد أكثر المفاهيم قدرة على إضاءة هذه الظاهرة وتفسيرها تفسيرًا يتجاوز التوصيف التاريخي إلى الكشف عن بنيتها النفسية والأنثروبولوجية.
فالقرآن يضع بين أيدينا منذ البداية حقيقة شديدة الوضوح مفادها أن الاختلاف بين الناس ليس أمرًا عارضًا في تاريخهم الديني، بل هو من الحقائق الملازمة لوجودهم. غير أن القرآن، وهو يقرر هذه الحقيقة، لا يفعل ذلك ليمنح الاختلاف شرعية مطلقة، ولا ليجعل من الانقسام فضيلة، بل ليفضح الميل الإنساني المستمر إلى مغادرة الواضح الإلهي صوب المتشعب البشري. ولهذا نجد آيات كثيرة تشدد على أن الانقسام لم يقع لأن الحق كان غامضًا، ولا لأن الوحي كان ملتبسًا، ولا لأن الحجة لم تتم، بل وقع من بعد ما جاءهم العلم، ومن بعد ما جاءتهم البينات، وبغيًا بينهم، واتباعًا للأهواء، واستجابةً لدوافع في النفس الإنسانية لا علاقة لها بصفاء التلقي ولا بطلب الهداية. ويكفي أن نتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، لندرك أن القرآن لا يعزو هذا التشظي العقائدي إلى نقص في الوحي، وإنما إلى خلل في الإنسان المتلقي للوحي. فالمشكلة، بحسب هذه الرؤية، لا تكمن في الرسالة من حيث هي رسالة، بل في الكائن الذي يتلقاها ثم يشرع، بفعل دوافعه النفسية والرمزية والاجتماعية، في إعادة تشكيلها على صورة ما يريد هو، وليس على صورة ما أُريد لها أن تكون. وهذا هو بالضبط الموضع الذي يلتقي فيه البيان القرآني مع مفهوم فائض التمثّل. فإذا كان فائض التمثّل هو ذلك التحول العميق الذي جعل الإنسان لا يكتفي بالواقع كما هو، بل يعيد بناءه ذهنيًا ورمزيًا، ويُسقط عليه من المعاني والصور والاحتمالات ما يتجاوز معطاه المباشر، فإن من أخطر ما جرّه هذا الفائض على المجال الديني أنه حوّل النص الإلهي نفسه إلى ساحة تصارع تمثّلي لا تهدأ. فالإنسان لم يعد يتلقى الوحي بوصفه هدايةً ينبغي أن تُفهم في حدودها، وأن يُستجاب لها كما جاءت، بل بات يتعامل معه بوصفه مادة قابلة للتوسيع، والتحميل، والإسقاط، والانتقاء، والتأويل على وفق ما تمليه عليه رغباته، ومصالحه، ومخاوفه، وتصوراته المسبقة، وطموحه إلى التميز والغلبة والسيادة الرمزية.
وهكذا يغدو التشظي العقائدي نتيجة متوقعة، لا استثناءً نادرًا. فحين يدخل فائض التمثّل على العقيدة، فإن النص الإلهي لا يعود هو الذي يحكم المتلقي، بل يبدأ المتلقي، من حيث يشعر أو لا يشعر، بمحاولة تطويع النص لتمثلاته الخاصة. وهو لا يفعل ذلك دائمًا بدافع الشر الصريح أو العناد الواعي، بل قد يفعله وهو يظن أنه يحسن صنعًا، وأنه ينصر الدين، أو يحفظ العقيدة، أو يدافع عن الحقيقة. غير أن النتيجة في الحالتين واحدة، هي انحرافٌ تدريجي عن صفاء الأصل، وتضخم للصور البشرية للعقيدة على حساب العقيدة في أصلها المُنزل.
ولعل أخطر ما في هذا المسار أن التشظي لا يقف عند حدود اختلاف الفهم، بل يتحول مع الزمن إلى هويات مغلقة، وإلى جماعات تتغذى من اختلافها، وتستمد بقاءها من استمرار الخصومة مع غيرها. فالمذهب لا يعود مجرد قراءة من القراءات، بل يصبح كيانًا نفسيًا واجتماعيًا ورمزيًا له ذاكرته الخاصة، وسلطته، ورجاله، وحدوده، وآلياته الدفاعية، ومصالحه في البقاء. وعند هذه النقطة لا يعود الخلاف متعلقًا بالنص وحده، بل يصبح متعلقًا أيضًا بالبنية الاجتماعية التي نشأت حول تأويل معين للنص. ومن هنا نفهم كيف يتحول الاختلاف التأويلي البسيط، مع مرور الزمن، إلى تشظٍّ عقائدي واسع، تتعدد فيه العقائد الفرعية والمذاهب والمدارس والفرق، حتى ليغدو الرجوع إلى الأصل الأول مهمة شاقة، ليس بسبب غموض الأصل، بل بسبب تراكم الطبقات التمثّلية التي حالت بين الناس وبينه.
والقرآن العظيم، وفي مواضع منه كثيرة، يصف هذه العملية وصفًا دقيقًا. فهو يحدثنا عن أمم تلقت الوحي ثم تقطعت أمرها بينها زبرًا، كل حزب بما لديهم فرحون. وهذا التوصيف هو من أبلغ ما يمكن أن يقال في تشريح النفس المذهبية؛ وذلك لأنها لا تصف مجرد وجود اختلاف، بل تصف حالة الرضا المغلق بالتأويل الخاص، والفرح به، والتشبث به بوصفه الحقيقة التي لا حقيقة سواها. فالإنسان، حين يتورط في بناء منظومة اعتقادية ناتجة عن فائض تمثّله، لا يكتفي غالبًا باعتبارها اجتهادًا محتمل الصواب والخطأ، بل يتماهى معها، ويستمد منها هويته، ويجعل الدفاع عنها دفاعًا عن ذاته نفسها. ومن هنا يصبح الحوار أصعب، والرجوع إلى الأصل أبعد، لأن المسألة لم تعد مسألة بحث عن الحق، بل مسألة حماية للبناء الرمزي الذي أقامه الإنسان حول نفسه وحول جماعته.
ومن المهم هنا أن ننتبه إلى أن هذه المقاربة لا تريد أن تنفي وجود أسباب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سلطوية خلف كثير من الانقسامات العقدية، فهذه كلها أسباب حقيقية ومؤثرة. غير أن السؤال الأعمق يظل قائمًا: لماذا كان النص الإلهي، دون غيره من النصوص، قابلًا لأن يُستثمر في هذا القدر من التنازع؟ ولماذا كان الإنسان مستعدًا، جيلاً بعد جيل، لأن يحمّل الوحي من التأويلات ما يجعله منبعًا لفرق لا تكاد تنتهي؟ إن الجواب الذي يقدمه فائض التمثّل هو أن الإنسان، بعد التحول الذي أصابه، لم يعد كائنًا يتعامل مع المعنى تعاملاً مباشرًا وبسيطًا، بل صار كائنًا يفيض بالمعاني على الأشياء، ويعيد تركيبها وفق حاجاته النفسية والرمزية. ومن ثم لم يكن الدين استثناءً من هذا المصير، بل كان واحدًا من أكثر المجالات تعرضًا له، لأن الدين يمس أعمق مناطق النفس، وأشدها اتصالًا بالهوية، والمصير، والخوف، والرجاء، والسلطة، والمعنى.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن التشظي العقائدي ليس مجرد مشكلة في فهم النصوص، بل هو في أحد وجوهه الكبرى نتيجة مباشرة لعجز الإنسان عن البقاء داخل حدود النص الإلهي كما هو، دون أن يتدخل فيه بخياله التأويلي، وبنزوعه إلى الزيادة، وبحاجته إلى أن يرى في الوحي ما يوافق صورته عن نفسه وعن العالم. ولهذا فإن القرآن، حين يحذر من اتباع المتشابه، أو من تحريف الكلم عن مواضعه، أو من لبس الحق بالباطل، أو من كتمان ما أنزل الله، فإنه إنما يحذر في العمق من هذا النشاط التمثّلي المنفلت الذي لا يكتفي بصفاء البيان الإلهي، بل يسعى إلى مزجه بما ينتجه الإنسان من أهواء وتصنيفات ومصالح وخصومات، بل لعل من الممكن الذهاب أبعد من ذلك والقول إن جزءًا معتبرًا من تاريخ التدين البشري هو تاريخ الصراع بين النص الإلهي في بساطته المعيارية وبين الإنسان في فائض تمثّله التأويلي. فالنص يدعو إلى الهدى، وإلى الاستقامة، وإلى العبودية لله، وإلى تحكيم ما أنزل الله، بينما يميل الإنسان إلى أن يجعل من هذا النص نفسه ساحة لإثبات الذات، وتوسيع النفوذ، وصناعة الامتياز الرمزي، وبناء الجماعات، واحتكار النجاة، وإنتاج تمايزات لا تنتهي. وكلما ابتعد الناس عن الأصل، وازداد اعتمادهم على الطبقات التأويلية المتراكمة، ازداد التشظي، واتسعت المسافة بين الدين في أصله، والتدين في صوره التاريخية المتعاظمة.
ومن هنا فإن أعظم ما تكشفه لنا المقاربة القرآنية–التمثّلية للتشظي العقائدي هو أن الاختلاف الديني، في كثير من صوره، ليس علامة ثراء معرفي بقدر ما هو أثر من آثار الأزمة الإنسانية نفسها؛ أي أثر من آثار ذلك الخلل التطوري الذي جعل الإنسان عاجزًا عن التوقف عند حدود ما أُنزِل، ومندفعًا باستمرار إلى أن يضيف من عنده، وأن يفسر بما يوافق هواه، وأن يستبدل وحدة الأصل بتعدد الصور. وهذا لا يعني أن كل اختلاف مذموم، ولا أن كل اجتهاد انحراف، ولا أن التنوع الفقهي أو التفسيري في ذاته شر مطلق؛ وإنما يعني أن هناك ميلًا إنسانيًا عميقًا، يشهد له القرآن كما يشهد له التاريخ، يدفع العقيدة إلى التشظي كلما انفصل التلقي عن التزكية، وكلما غلب الهوى على طلب الحق، وكلما تُرك فائض التمثّل يعمل في النص بلا ضابط من خشية أو تقوى أو تواضع معرفي.
وعليه، فإن الطريق إلى فهم التشظي العقائدي لا يمر فقط عبر دراسة الفرق والمذاهب وتواريخ الانقسامات، بل يمر قبل ذلك عبر فهم الإنسان نفسه. فما الذي أصاب الإنسان حتى صار يعسر عليه أن يبقى وفيًا للنص الإلهي في أصل صفائه؟ وما الذي جعله، كلما جاءه هدى من ربه، يعيد إنتاجه في صور شتى، ثم يختلف عليها، ثم يتقاتل باسمها أحيانًا؟ هنا بالضبط تتجلى قيمة فائض التمثّل بوصفه مفتاحًا تفسيريًا بالغ الدلالة؛ لأنه يردّنا إلى أصل المشكلة: ليس إلى النص، بل إلى الكائن الذي يتلقى النص، ويحمله على ظهر جهاز تمثّلي فائض، لا يكف عن صناعة الصور، وإنتاج الفوارق، وابتداع التأويلات، والتعلق بها كما لو كانت هي الدين نفسه.
إن القرآن العظيم، حين يذكّرنا بأن أكثر الناس لا يؤمنون، وأن كثيرًا منهم يلبسون الحق بالباطل، وأنهم يتفرقون بعد العلم، فإنه إنما يضع أيدينا على حقيقة قاسية ولكنها على درجة كبيرة من الخطورة مفادها أن الهداية الإلهية شيء، والتاريخ البشري للعقيدة شيء آخر. وما لم ننتبه إلى هذا الفرق، فسنبقى أسرى لوهمٍ قديم يظن أن كل ما تراكم في التاريخ الديني هو امتداد أمين للوحي، مع أن القرآن نفسه يخبرنا بأن الإنسان لا يفتأ ينحرف إلا قليلاً، وأن النص الإلهي ما أن يدخل التاريخ حتى يبدأ صراعه الطويل مع التمثّلات البشرية التي تتعدد حوله بتعدد الأوهام التي لا يعجز الانسان عن ابتداعها كلما أراد ان يعبر عن ذاته التي لا تزداد مع مرور الزمان إلا تضخماً.
وهكذا تنتهي هذه المقاربة إلى نتيجة أساسية مفادها أن التشظي العقائدي ليس مجرد عرض تاريخي، بل هو شاهد متجدد على مأزق الإنسان مع الوحي بعد أن أصابه فائض التمثّل. فبدل أن يظل النص مرجعًا حاكمًا على الإنسان، يسعى الإنسان إلى أن يجعل من نفسه مرجعًا على النص، ولو بطرق غير مباشرة، وذلك عبر التأويل، والانتقاء، والتحزّب، وإعادة البناء العقدي.
ومن هنا فإن العودة إلى القرآن العظيم لا تعني مجرد تلاوته أو الاستشهاد به، بل تعني قبل ذلك كله مقاومة هذا الفائض التمثّلي الذي يحول بين الإنسان وبين التلقي الخاشع المنضبط، ويغريه على الدوام بأن يستبدل بالعقيدة الإلهية الصافية عقائد بشرية متشظية لا يزيدها الزمان إلا تعددًا وتنازعًا وابتعادًا عن الأصل.
