
طيتبدى للمراقب لسياسات القوى العظمى تناقضٌ بنيوي يثير الكثير من الريبة؛ فهذه الدول، برغم ما تمتلكه من ترسانات عسكرية وفيرة وقدرات اقتصادية هائلة تمكّنها من صياغة اتفاقيات سلام مستدامة، تُحجِم عن السير في هذا المسار. وبدلاً من استثمار فائض قوتها في استقرار الكوكب، تؤثر الانخراط في سباقات تسلح لا تكاد تنتهي تنبئ بظاهرها عن استنزاف عبثي للطاقات والأموال. بيد أن هذا السلوك، عند تفكيكه فلسفياً وسياسياً، لا يمثل عبثاً أو سوء تقدير، بل هو إستراتيجية واعية وممعنة في المكر السياسي، تهدف إلى إدارة الصراع لا حله، واتخاذه كآلية حيوية لضبط إيقاع الجبهات الداخلية، ومنع انفجار التناقضات المجتمعية والسياسية في دول المركز.
تُجمع أدبيات علم الاجتماع السياسي على أن التماسك الداخلي لأي جماعة بشرية يتناسب طردياً مع حجم التهديد الخارجي الذي تواجهه. وفي حالة القوى العظمى، التي تقوم بنيتها غالباً على خليط معقد وغير متجانس من الفوارق الطبقية والعرقية والسياسية، يصبح غياب التهديد الخارجي خطراً وجودياً يتهدد الدولة المركزية.
ولعل الحرب الأهلية الأمريكية (1861–1865) تمثل النموذج الأكثر قدرة على تبيان ذلك في التاريخ الحديث؛ حيث حصدت من أرواح المدنيين داخل الجغرافيا الأمريكية ما يفوق مجموع القتلى العسكريين الأمريكيين الذين سقطوا في كافة الحروب الخارجية التي خاضتها الولايات المتحدة منذ تأسيسها.
ولقد أنتج هذا الدرس وعياً عميقاً لدى النخب الحاكمة في واشنطن مفاده أن انكفاء الدولة على داخلها في ظل غياب “عدو خارجي مشترك” يفجر التناقضات الداخلية ويعيد المجتمع إلى خطوط الصدع الأولى. وبناءً على ذلك، يتم تصنيع “الأعداء” وابتكار المحاور الوجودية (كالحرب الباردة، أو مكافحة الإرهاب، أو صراع الأقطاب) ليكون هذا العدو هو الغراء السيكولوجي الذي يضمن السلم الداخلي ويكفل دوام بقاء المنظومة. فالنخب الحاكمة في الدول الكبرى تعتمد على آليات “هندسة الخوف” لإضعاف قدرة الشعوب على اتخاذ قرارات مصيرية قد تطيح بالطبقة السياسية التقليدية عبر صناديق الاقتراع. وتتحقق هذه السيطرة من خلال مسارين:
• شرعنة الأولويات المفروضة: فعندما يتم وضع الشعوب في حالة قلق دائم من خطر خارجي داهم، تتقدم “الأمننة” (Securitization) على ما سواها. يصبح الإنفاق العسكري الفلكي مبرراً، في حين تُعامل المطالب الرفاهية، كالعدالة الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم، كرفاهية مؤجلة.
• شل الإرادة السياسية التغييرية: فالخوف المستمر يُقنع الجماهير بأن أي تغيير جذري في القيادة أو السياسات عبر الانتخابات هو مغامرة غير مأمونة العواقب قد تفكك الدولة أمام العدو المتربص. وهكذا، تضمن النخب الحاكمة تجديد شرعيتها وإبقاء الشعوب عاجزة عن صياغة بدائل سياسية حقيقية، وذلك تحت شعار: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.
وهنا لابد من التشديد على حقيقة جيوسياسية معاصرة مفادها أن الدول العظمى تتجنب المواجهة المباشرة وذلك لما تنطوي عليه من دمار متبادل، وتستعيض عنها بإدامة صراعات منخفضة الحدة أو خوض “حروب بالوكالة” (Proxy Wars) على جغرافيا الدول الأضعف. وتخدم هذه المقاربة الاستراتيجية المعاصرة هدفين رئيسيين:
1. تصدير الأزمات البنيوية؛ حيث يتم تفريغ شحنات العنف، وفائض السلاح، والأزمات الاقتصادية خارج حدود دول المركز، مما يحافظ على هدوء عواصمها الإستراتيجية.
2. استدامة المجمع الصناعي العسكري: حيث يمثل قطاع تسليح الجيوش محركاً عملاقاً للاقتصادات الرأسمالية. ولكي تستمر هذه الدورة التمويلية الضخمة في ضخ الأرباح وتوليد الوظائف وقيادة التطور التكنولوجي، يجب أن يظل الطلب على السلاح قائماً. والطلب لا يدوم إلا بدوام غياب الأمن؛ فالإبحار نحو سلام دائم يعادل حرفياً الحكم بالإفلاس على كارتيلات النفود والمال التي توجه السياسات الدولية.
في المحصلة، يتبين أن سباق التسلح وإدامة الصراعات ليسا دليلاً على عجز القوى العظمى عن صياغة السلام، بل هما دليل على عدم رغبتها فيه. فاستقرار الداخل في دول المركز الجيوسياسي يتطلب شروطاً قاسية، أبرزها صناعة عدو خارجي وهمي أو حقيقي، وتدجين الشعوب بالخوف، وتصدير الفوضى والحروب إلى دول الأطراف. وتمثل هذه الاستراتيجية البنية الخبيثة لنظام عالمي يقتات وجوده على بقاء العالم متأرجحاً على حافة الهاوية، دون السقوط فيها ودون النجاة منها.
