
من بين جميع الأسئلة التي لم تمنحها الفلسفة الحديثة حقها من التأمل، ربما لا يوجد سؤال أكثر قدرة على إحداث زلزال معرفي شامل من السؤال الآتي: ماذا سيحدث لنظرية المعرفة لو تمكن العلم، في يوم من الأيام، من التثبت بصورة قاطعة من أن بعض الظواهر الخارقة، ذات العيار الثقيل، موجودة حقاً؟ ولعل الدلالة المعرفية لهذا السؤال لا تكمن في كونه محاولة لإثبات وجود تلك الظواهر أو نفيها، وإنما في كونه محاولة استباقية لرسم ملامح الانقلاب الإبستمولوجي الذي قد يفرض نفسه على الفكر الإنساني إذا أصبح هذا التثبت حقيقة علمية لا تقبل الجدل. فالابستمولوجيا لا تُعنى فقط بما نعرفه الآن، وإنما ينبغي لها أيضاً أن تكون مستعدة لاستيعاب ما قد يصبح قابلاً للمعرفة مستقبلاً، حتى وإن بدا اليوم خارج حدود المألوف.
فلقد بُنيت نظرية المعرفة على افتراض ضمني لم يخضع، في حقيقة الأمر، لاختبار فلسفي صارم، بقدر ما تحول إلى مسلمة غير معلنة. ويتمثل هذا الافتراض في أن الإنسان هو الذكاء الوحيد المعروف في هذا الكون، وأن جميع أشكال التنظيم والمعرفة والتخطيط والإبداع التي نشهدها في العالم إنما تعود، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى العقل البشري وحده. ولم يكن هذا الافتراض منفصلاً عن السردية التطورية السائدة التي ترى أن الذكاء البشري كان ثمرة مئات الملايين من السنين من التطور البايولوجي، وأن بلوغه هذه الدرجة من التعقيد قد استلزم تاريخاً طويلاً من الارتقاء الطبيعي، الأمر الذي جعل ظهور أي ذكاء آخر، وخصوصاً إذا كان غير بايولوجي، يبدو أمراً بالغ الاستبعاد.
غير أن هذا البناء المعرفي بأسره قد يجد نفسه أمام امتحان لم يسبق له مثيل إذا ثبت أن بعض الظواهر الخارقة ليست مجرد أوهام إدراكية، أو أخطاء منهجية، أو خرافات شعبية، وإنما هي وقائع موضوعية قابلة للرصد والتكرار والتحقق العلمي، وأن تفسيرها يقتضي الإقرار بوجود فاعلين أذكياء لا ينتمون إلى المجال البايولوجي المعروف. عندئذ لن تكون المشكلة مقتصرة على إضافة فصل جديد إلى كتب الفيزياء أو علم النفس، بل سنكون أمام انهيار أحد أعمق الافتراضات المؤسسة لنظرية المعرفة نفسها. إذ سيصبح لزاماً علينا أن نتخلى عن التصور الذي يجعل الإنسان مركز الذكاء في الكون، وأن نستبدله بتصور أكثر اتساعاً يعترف بأن الذكاء قد يكون خاصية كونية تتجلى في صور متعددة، لا تشترط المادة العضوية، ولا التاريخ التطوري الذي عرفته الحياة على الأرض.
وهنا ستظهر أسئلة لم يسبق للمعرفة الإنسانية أن واجهتها بهذا الوضوح، من مثل: هل قوانين المعرفة التي صاغها العقل البشري تكفي للتعامل مع ذكاءات تختلف عنه في بنيتها وطرائق إدراكها؟ وهل ما نسميه اليوم “الخارق” ليس خارقاً في ذاته، وإنما هو خارق بالنسبة إلى حدود خبرتنا الحالية؟ وهل يمكن أن يكون مفهوم الاستحالة الذي نتداوله اليوم تعبيراً عن قصور معرفي أكثر منه وصفاً لحقيقة موضوعية؟
إن تاريخ العلم نفسه يعلمنا أن كثيراً مما بدا مستحيلاً في عصر من العصور أصبح لاحقاً جزءاً من المألوف العلمي. ولم يكن السبب أن الواقع قد تغير، وإنما لأن أدوات المعرفة قد اتسعت. فالاستحالة كثيراً ما كانت اسماً مؤقتاً لجهل الإنسان، لا خاصية ثابتة في العالم نفسه. ولو تحقق هذا السيناريو، فإن الحدود التقليدية بين الطبيعي والخارق ستفقد كثيراً من صلابتها. وذلك لأن الخارق لن يعود اسماً لنقض قوانين الطبيعة، وإنما اسماً لمستوى من مستوياتها لم تبلغ المعرفة البشرية بعد القدرة على استيعابه. وما يبدو اليوم خروجاً على النظام قد يتبين غداً أنه يخضع لنظام أوسع لم يكن العقل الإنساني قد اكتشفه بعد.
ومن هنا فإن أكبر تحول لن يصيب العلوم الطبيعية وحدها، بل سيصيب الإبستمولوجيا ذاتها. إذ سيصبح من الواجب إعادة تعريف مفاهيم من قبيل: الدليل، والتفسير، والسببية، والفاعلية، والذكاء، والملاحظة، وإمكان المعرفة. وذلك لأن هذه المفاهيم كلها قد صيغت في ظل افتراض مسبق يجعل الإنسان المرجع الوحيد لكل فعل معرفي واعٍ، بل قد نضطر إلى الاعتراف بأن العقل البشري، على الرغم من عظم منجزاته، لم يكن سوى حالة خاصة داخل طيف أوسع بكثير من الذكاءات الممكنة، وأن حضارتنا الفكرية قد شُيدت فوق تصور أنثروبومركزي جعل الإنسان معياراً لكل شيء، بينما قد يكون هو مجرد واحد من صور الذكاء في كون أكثر اتساعاً وتعقيداً مما تخيلناه.
ولهذا فإن الحكمة الإبستمولوجية لا تقتضي انتظار لحظة التثبت النهائي حتى نبدأ التفكير في تبعات هذه اللحظة، وإنما تقتضي إعداد الإطار النظري القادر على استيعابها إذا وقعت. فالفلسفة لا تنتظر الأحداث الكبرى حتى تبدأ بالتفكير فيها؛ بل هي تتمثل مهمتها الأصيلة في تهيئة العقل لاستقبال ما قد يبدو اليوم مستحيلاً، حتى لا يتحول الغد إلى صدمة معرفية تعجز مفاهيم الأمس عن احتوائها.
ومن هنا تنبع الحاجة إلى تأسيس ما يمكن تسميته بـ”إبستمولوجيا الخوارق”. وليس المقصود بها بناء فلسفة لتبرير الخوارق، ولا منح الشرعية لكل ادعاء غير مألوف، وإنما تأسيس إطار معرفي جديد يحدد القواعد المنهجية التي ينبغي أن تحكم تعاملنا مع أي ظاهرة استثنائية إذا بلغت مستوى البرهان العلمي. إنها إبستمولوجيا لا تنطلق من التصديق، ولا من التكذيب، بل من الاستعداد المبدئي لمراجعة فروضنا الكبرى إذا اقتضى الدليل ذلك.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي ينبغي أن تتعلمه المعرفة الإنسانية من تاريخها الطويل: إن أعظم الأخطاء لم تكن في جهل الإنسان بما لم يكن يعرفه، وإنما في يقينه بأنه قد أحاط بحدود الممكن إحاطةً كاملة. فمادام الكون لم يقل كلمته الأخيرة، ومادام العلم نفسه هو تاريخٌ متصلاً من مراجعة المسلمات، فإن أكثر المواقف علمية هو ليس إنكار ما لم يتم إثباته بعد، ولا التسليم به قبل أوانه، وإنما هو بناء عقل إبستمولوجي يظل مستعداً دائماً لإعادة النظر في نفسه كلما فرض الواقع عليه ذلك.
