متلازمة الإنسان-الإله… فرعون الطاغية مثالًا

من بين أكثر الظواهر الإنسانية قدرةً على فضح هشاشة الكائن البشري، وعلى كشف المقدار الذي بلغه من الاغترار بنفسه بعد خضوعه للانعطافة التطورية الأولى، تبرز ظاهرةٌ لا يكاد يُلتفت إليها بما تستحقه من التحليل، مع أنها تقف وراء طائفة هائلة من أشكال الطغيان والاستعلاء والاستبداد، بل وربما تقف وراء جانب غير يسير من التاريخ البشري كله. وتتمثل هذه الظاهرة فيما يمكن أن نطلق عليه اسم متلازمة الإنسان-الإله؛ أي ذلك الميل الكامن في الإنسان إلى أن يتجاوز حدود بشريته، لا من جهة القدرة الواقعية فحسب، بل من جهة التمثّل الداخلي لذاته أيضًا، وذلك بأن يرى نفسه، متى ما تهيأت له الظروف، أعلى مقامًا من أن يُراجع، وأرفع شأنًا من أن يُسائل، وأولى بالطاعة من أن يُعارَض، حتى لكأنه لم يعد مجرد إنسان بين بشر، بل صار في وعيه الباطن كائنًا من طراز آخر، له من الحق في التسلط والتقرير والتوجيه ما لا يكون لسواه.
وهنا يغدو فرعون، كما صوّره القرآن الكريم، لا مجرد شخصية تاريخية بعينها، ولا مجرد طاغية استثنائي انحرف عن جادة البشر، وإنما نموذجًا مكثفًا لما يمكن أن ينتهي إليه الإنسان إذا انفلت فائض التمثّل في داخله من كل قيد، وإذا تهيأت له من أسباب القوة والهيمنة والموارد ما يتيح لهذا الفائض أن يخرج من طور الكمون إلى طور الإعلان الصريح. ذلك أن قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ليس مجرد عبارة شاذة تفوّه بها رجل مختل الإدراك، ولا مجرد ادعاء سياسي مبالغ فيه، وإنما هو لحظة انكشاف قصوى لحقيقة كامنة في البنية النفسية–المعرفية للإنسان بعد السقوط؛ وهي حقيقة مفادها أن الكائن البشري، إذا اجتمعت له القدرة، وأمن المحاسبة، واستمرأ خضوع من حوله، قد لا يكتفي بأن يطلب الطاعة أو السيادة أو الهيمنة، بل قد يندفع إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى إعادة تعريف نفسه تعريفًا يرفعه فوق البشر، ويخلع عليه من صفات المركزية والعظمة والمرجعية ما يجعله يتصرف كما لو كان إلهًا بالفعل.
وهنا يبرز السؤال الذي يمثل جوهر هذه المقالة: كم منّا يستطيع أن يجزم، جزمًا صادقًا لا رياء فيه، بأنه لو أُوتي من السلطان، والمال، والبطش، والجنود، وأسباب النفاذ إلى رقاب الناس وضمائرهم، ما أُوتي فرعون، لما انتهى به الأمر إلى أن يخاطب قومه بما يقارب قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}؟ إن هذا السؤال ليس سؤالًا بلاغيًا يراد به مجرد الإدهاش، بل هو سؤال معرفي شديد الخطورة، لأن الإجابة المتعجلة عنه غالبًا ما تكون هي نفسها جزءًا من المرض الذي نحاول تشخيصه. فالإنسان من حيث هو إنسان لا يعرف نفسه ذلك القدر الذي يظنه عن نفسه. بل لعل من أجهل الناس بنفسه من كان أشدهم يقينًا بأنه يعرفها حق المعرفة، ويعرف ما يمكن أن يصدر عنها وما لا يمكن. ذلك أن النفس البشرية لا تُظهر كل ما فيها دفعة واحدة، ولا تكشف عن كامل قابلياتها في كل ظرف، وإنما هي بنية احتمالية معقدة، لا تنكشف طاقاتها الخفية، خيرًا كانت أو شرًا، إلا بقدر ما تستفزها الوقائع، وتستدعيها الملابسات، وتغريها الفرص، وتؤمن لها البيئة التي تسمح لها بالخروج إلى العلن.
ولهذا كان من أفدح الأوهام أن يطمئن الإنسان إلى صورته الحالية عن نفسه، فيحسب أن تواضعه الراهن، أو رفقه العارض، أو طيبته اليومية، أو شعوره المؤقت بالعدل والرحمة، يمثل جوهرًا ثابتًا لا يتغير بتغير الأحوال. فالواقع أن كثيرًا من هذه الصفات ليست إلا نتاجًا ظرفيًا لوضعية مخصوصة يكون فيها الإنسان عاجزًا، أو محدود الحيلة، أو خاضعًا لموازين قوة لا تسمح له بأن يفعل أكثر مما يفعل. فإذا تبدلت هذه الموازين، واتسعت قدرته، وارتفعت عنه القيود، وانقلب من موقع الحاجة إلى موقع الاستغناء، ومن موقع الضعف إلى موقع التمكين، انكشفت من نفسه وجوه أخرى لم يكن هو نفسه يظن أنها كامنة فيه. ومن هنا لا تعود المسألة مسألة “أخلاق ثابتة” بقدر ما تغدو مسألة بنية إنسانية قابلة للتضخم التمثّلي كلما سنحت لها الظروف.
إن عامة الناس وبسطاءهم، ممن قد يبدو عليهم الهدوء، أو الرضا، أو لين الجانب، لا ينبغي أن يُفهموا على أنهم قد حسموا أمرهم الأخلاقي إلى الأبد، أو أنهم محصنون بطبيعتهم ضد الاستعلاء والطغيان. فكم من نفس بدت وديعة لأنها لم تُختبر اختبار السلطة، وكم من إنسان ظهر متواضعًا لأنه لم يُمنح من أسباب النفاذ إلى الآخرين ما يتيح له أن يستعرض جبروته الكامن. وليس المقصود من هذا أن كل إنسان سيصير فرعونًا إذا امتلك القوة، وإنما المقصود أن فرعون ليس شذوذًا خارج النوع البشري، بل هو احتمال إنساني متطرف، يكشف عن شيء من الحقيقة الكامنة في النوع نفسه. فحين نقرأ تاريخ البشر، وننظر في سلوك الأفراد والجماعات والدول والطوائف، نجد أن نزعة التألّه لا تظهر دائمًا في صيغة القول الفرعوني الصريح، ولكنها تظهر في صور لا تكاد تُحصى: في من يتصرف وكأن حاجات الآخرين لا وزن لها أمام رغبته، وفي من يرى نفسه مرجعًا أعلى لا يُردّ حكمه، وفي من يطالب الناس، صراحة أو ضمنًا، بأن يعترفوا له بمقام فوق مقامهم، أو بحق في السيطرة على ضمائرهم ومصائرهم لا يملكه بشر.
وهنا بالذات يتعين علينا أن نقرأ مقولة فرعون لا بوصفها حادثة لغوية، بل بوصفها الذروة الرمزية لمتلازمة الإنسان-الإله. ففرعون لم يقل لقومه: أنا أقواكم فقط، أو أنا أملك من أسباب السلطان ما لا تملكون، بل تجاوز ذلك إلى ادعاء مرتبة مرجعية عليا تنزع عن الآخرين استقلالهم الوجودي والمعرفي معًا. فلقد أراد أن يجعل من نفسه مبدأً أعلى للناس، ومصدرًا لتعريف الخير والشر، والطاعة والمعصية، والحق والباطل، بل ومقياسًا للوجود السياسي والروحي كله. وهذا هو عين ما يفعله الإنسان حين يستبد به فائض التمثّل؛ إذ لا يكتفي بأن يطلب لنفسه مكانة مميزة، بل يسعى إلى إعادة ترتيب العالم حول ذاته، بحيث تصبح ذاته هي المركز الذي تتحدد به قيمة الأشياء والأشخاص والمواقف.
ومن هنا نفهم أن متلازمة الإنسان-الإله ليست مجرد نزعة إلى العظمة بالمعنى النفسي الساذج، ولا مجرد “نرجسية” فردية بالمعنى الإكلينيكي المحدود، بل هي أثر من آثار فائض التمثّل حين يستولي على وعي الإنسان بذاته، فيغدو هذا الوعي عاجزًا عن قبول الحدود، وعن الإقرار بالتناسب الحقيقي بين ما يملكه الإنسان وما يتخيله عن نفسه. فالإنسان بعد الانعطافة التطورية الأولى لم يعد يكتفي بأن يكون كائنًا واعيًا، بل صار كائنًا مهووسًا بتمثل نفسه لنفسه، وإعادة إنتاجها في صور متضخمة، وتغذيتها بالسرديات التي تمنحها إحساسًا بالاستثنائية والتفوق والأحقية. وحين تتوفر لهذا الإنسان قوة خارجية (مالًا، أو منصبًا، أو جمهورًا، أو سلاحًا، أو نفوذًا دينيًا أو سياسيًا) فإن هذه القوة لا تصنع هذه المتلازمة من عدم، بل تقوم مقام الوقود الذي يشعل ما كان كامنًا في الداخل. عندئذٍ لا يرى الإنسان في الآخرين ذوات مستقلة لها قيمتها وحقها في المراجعة والرفض، بل يراهم امتدادًا لمسرحه التمثّلي، وأدوات لتثبيت صورته المتخيلة عن نفسه.
وهذا ما يجعل فرعون مثالًا بالغ الدلالة، ليس لأنه كان أسوأ الناس فحسب، بل لأنه يفضح آلية بشرية عامة مفادها أن الإنسان إذا تُرك لفائض التمثّل من غير تهذيب، وإذا زُوّد بما يكفي من القوة، مال إلى التأله ولو بصيغ متفاوتة. فقد لا يقول بلسانه: “أنا ربكم الأعلى”، لكنه قد يقولها بسلوكه، أو بإدارته لشؤون الناس، أو بطريقة غضبه إذا خولف، أو بتصوره أن من حقه أن يقرر عن الآخرين ما ينبغي أن يحبوا ويكرهوا، وأن يفكروا ويقولوا، وأن يطيعوا ويصمتوا. وقد يقولها في بيته وهو لا يملك مملكة، أو في مؤسسة وهو لا يملك جيشًا، أو في جماعة صغيرة وهو لا يملك دولة، لأن جوهر المتلازمة واحد، وإن اختلف حجم المسرح الذي تُعرض عليه.
وإذا صحّ هذا التشخيص، فإن السؤال التالي لا يعود: لماذا كان فرعون طاغية؟ بل يصبح: ما الذي يمنع الإنسان من أن يصير فرعونًا على قدر ما تسمح به ظروفه؟ وهنا يجيء القرآن بجواب بالغ العمق، لا عبر التنظير الفلسفي المجرد، بل عبر إعادة بناء علاقة الإنسان بربه على نحو يقصم ظهر هذه المتلازمة من أصلها. ذلك أن العبادة في أصلها القرآني ليست طقوسًا شكلية الغرض منها إثبات الولاء المجرد، ولا هي استعراض تديني يراد به كسب الحسنات في ميزان حسابي ضيق، بل هي، في أحد أعمق معانيها، برنامج إلهي لتفكيك متلازمة الإنسان-الإله، ولإعادة الإنسان إلى حدّه الحقيقي، ولحمايته من أن يتضخم حتى يخرج على فطرته وعلى عبوديته وعلى موقعه الوجودي الصحيح.
فالعبادة، إذا أُحسن فهمها والتقيد بها كما أرادها الله لا كما أعادت تمثّلها الأفهام البشرية المشوهة، تُرغم الإنسان على ممارسة سلسلة متكررة من الأفعال والمواقف التي تكسر مركزية الأنا فيه. فالسجود، في جوهره، ليس حركة جسدية فحسب، بل هو إعلان وجودي متجدد بأن الجبهة التي ترتفع بالكبرياء لا تستحق أن تبقى مرفوعة على الدوام، وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يضع أشرف موضع فيه على الأرض اعترافًا بأن العلو الحقيقي ليس له. والذكر، في حقيقته، هو ليس مجرد ترديد ألفاظ فحسب، بل هو مقاومة دائمة للنسيان التمثّلي الذي يجعل الإنسان ينسى من هو، ويشرع في معاملة نفسه كما لو أنها كانت أصلًا لا فرعًا، وربًا لا عبدًا، وغاية لا وسيلة. والزكاة ليست مجرد نقل مال من يد إلى يد، بل هي تدريب قاسٍ على انتزاع الإنسان من وهم الملكية المطلقة، ومن شعوره بأنه صاحب السيادة الكاملة على ما في يده. والصيام هو ليس حرمانًا مؤقتًا من الطعام والشراب فحسب، بل هو تذكير صارم للإنسان بأنه أضعف من أن يستغني ساعات معدودة عن أبسط الحاجات التي يقوم عليها بقاؤه.
بهذا المعنى، تصبح العبادة نظامًا مضادًا للطغيان قبل أن تكون مجرد تكليف تعبدي. فالعبادة إذاً هي الحاجز الذي يمنع الإنسان من أن ينسى حدوده، والميزان الذي يرده كل مرة إلى حقيقته، والتربية التي تكشف له أن الكارثة لا تبدأ حين يبطش بالآخرين فحسب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، وذلك حين يصدق الصورة المتخيلة عن نفسه، ويأخذها مأخذ الحقيقة، ويشرع في بناء علاقته بالعالم على أساسها. ولذلك كان من الجائز أن نقول إن الشر الذي تمثله متلازمة الإنسان-الإله لا أمان منه إلا بقدر ما ينجح الإنسان في إتقان العبودية لله؛ لا العبودية بمعناها المشوَّه الذي حوّلها فائض التمثّل إلى طقوس خاوية أو إلى شعور زائف بالتفوق الديني، بل العبودية بوصفها تفكيكًا مستمرًا لمركزية الأنا، وتدريبًا يوميًا على الاعتراف بالحد، والقبول بالحجم الحقيقي للنفس، والتحرر من أوهام السيادة المتخيلة.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم السبب الذي يجعل الخطاب التديني المشبع بفائض التمثّل عاجزًا عن معالجة هذه المتلازمة، بل ربما مسهمًا في تعميقها أحيانًا. ذلك أن من لا يسعده شيء قدر الخضوع لسلطان فائض التمثّل لا يستطيع أن يقدم العبادة على حقيقتها التحريرية، لأنه هو نفسه لم يتحرر من أوهام الذات. فتتحول الممارسة التدينية على يديه من أداة لتقويض الطاغية الكامن في النفس إلى وسيلة لتغذيته؛ ومن مسار لإخراج الإنسان من عبادة نفسه إلى مسرح جديد تمارس فيه الأنا استعلاءها باسم التقوى، أو العلم، أو الفهم، أو الاصطفاء. وبهذا المعنى قد يغدو التدين نفسه، إذا انفصل عن مقصوده القرآني العميق، إحدى الصيغ المقنعة لمتلازمة الإنسان-الإله، وذلك حين يستبدل الإنسان بعبارة “أنا ربكم الأعلى” عبارات أكثر تهذيبًا وأشد قبولًا اجتماعيًا، لكنها تؤدي الوظيفة النفسية ذاتها، وذلك من مثل: تضخيم الذات، واحتقار الغير، وطلب الخضوع، والتعامل مع النفس بوصفها مركزًا لا يُنازع.
إن فرعون إذاً ليس مجرد رجل مضى، بل مرآة ينبغي أن يخاف الإنسان أن يرى فيها شيئًا من نفسه. وليس المقصود من استدعائه أن نتبرأ منه أخلاقيًا، أو أن نلعنه من علٍ كما لو كنا في مأمن من علته، بل المقصود أن نفهم أن الطغيان ليس دائمًا غريبًا عنا، وأن القول الفرعوني ليس إلا الصيغة المكشوفة لما قد يعتمل في داخل النفس البشرية متى ما تُركت لفائض التمثّل، ومتى ما غابت عنها التربية التي تردها إلى عبوديتها الخالصة لله تعالى. ومن ثم فإن السؤال الأخطر ليس: كيف تجرأ فرعون على أن يقول ما قال؟ بل: ما الذي يمنعني أنا، ويمنعك أنت، ويمنع أي إنسان، من أن يقول المعنى نفسه، تصريحًا أو تلميحًا، إذا انفتحت له أبواب القوة، وغاب عنه رادع العبودية لله، واستسلم لإغراء صورته المتخيلة؟
هنا فقط يتبدى لنا أن معركة الإنسان الحقيقية ليست مع طاغية خارجي فحسب، بل مع فرعون الصغير الكامن في داخله؛ ذلك الجزء من النفس الذي لا يملّ من طلب العلو، ولا يشبع من طلب الاعتراف، ولا يكف عن إعادة صياغة ذاته في صور تتجاوز حدها. وما لم يُدرك الإنسان أن هذا الفرعون الداخلي ليس وهمًا بل احتمالًا قائمًا، وأن العبادة ليست ترفًا روحيًا بل ضرورة أنثروبولوجية لحمايته من نفسه، فإنه سيظل عرضة لأن يتحول على قدر ما تفرضه عليه ظروفه إلى نسخة مصغرة من ذلك الطاغية الذي ظن الناس طويلًا أنه استثناء، مع أنه في الحقيقة كان شاهدًا فاضحًا على قابلية بشرية تكاد تعم النوع الإنساني كله.

أضف تعليق