لماذا أمرنا الله بالإنفاق؟ … دليل قرآني على أن العاقبة الجزائية تبدأ من الفاعل قبل أن تصل إلى الآخر

من بين أكثر التحولات التي تحتاج إليها قراءتنا لمفهوم الجزاء في القرآن الكريم ذلك التحول الذي ينقل مركز الثقل من السؤال عما أحدثه فعل الإنسان في الآخر، إلى السؤال عما أحدثه هذا الفعل في الإنسان نفسه. فالمقاربة الدينية الشائعة اعتادت أن تنظر إلى الأفعال من خارجها: تصدّق الإنسان، فانتفع فقير، ظلم الإنسان، فتضرر مظلوم، أحسن الإنسان، فوصل إحسانه إلى غيره، وأساء، فنالت إساءته شخصًا آخر. ثم يُتصور الجزاء بعد ذلك بوصفه مكافأة أو عقوبة تُضاف إلى الفعل من خارجه، وتُؤجَّل في صورتها الكبرى إلى يوم القيامة.
غير أن القرآن العظيم، عند تدبره من زاوية مختلفة، يكشف عن بنية أعمق بكثير للجزاء؛ فالفاعل ليس مجرد نقطة ابتدأ منها الفعل ثم غادرها ليستقر أثره في الآخر، وإنما هو أول من يتشكل بالفعل الذي يصدر عنه، وأول من تتغير بنيته النفسية والأخلاقية والمعرفية بسببه. ولذلك فإن الخير الذي يفعله الإنسان ليس خيرًا للآخر وحده، كما أن الشر الذي يرتكبه ليس شرًا للآخر وحده؛ إذ يعود كل فعل إلى فاعله فيعيد تشكيله، ويقويه أو يضعفه، ويطهره أو يلوثه، ويحرره أو يزيده عبودية لما استقر في نفسه من أهواء وتمثلات.
ومن أبلغ الآيات التي تكشف هذه الحقيقة قول الله تعالى في سورة محمد: {وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ۝ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} (محمد: من 36–37). فهذه الآية تفتح أمامنا بابًا واسع الدلالة لإعادة فهم الإنفاق نفسه. فالمال، في المنظور القرآني، ليس مجرد مادة تنتقل من يد الغني إلى يد الفقير، وليس الإنفاق مجرد آلية اجتماعية لإعادة توزيع الموارد، على ما لهذا الانفاق من دور عظيم في التكافل المجتمعي. غير أن للإنفاق وظيفة أخرى تتعلق بالمنفِق نفسه إذ تكشف ما استقر في داخله، وتضعه في مواجهة مباشرة مع ما صنعه فيه التعلق بالمال من خوف وحرص وبخل وضغائن. فقول الله تعالى هذا يرينا بوضوح أن إلحاح الله تعالى في مسألة إنفاق المال يكشف ما يختبئ في أعماق الإنسان: {تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ}. هنا تظهر حقيقة بالغة الدلالة، وهي أن المشكلة لم تكن في المال ذاته، وإنما في ذلك الذي راكمه التعلق بالمال داخل النفس. فالمال قد يصبح، بفعل فائض التمثّل، أكثر من وسيلة للعيش؛ إذ يتحول إلى تمثل للأمان، والقوة، والاستقلال، والمكانة، والقدرة على التحكم بالمستقبل. ومن ثم لا يعود إخراجه مجرد خسارة حسابية، بل يشعر الإنسان وكأنه يفقد جزءًا من “الحصن التمثلي” الذي بناه حول نفسه.
وهنا يمكن فهم الإنفاق بوصفه فعلًا علاجيًا قبل أن يكون فعلًا لمداولة المال. فالله تعالى، حين يُشرع للإنسان أن ينفق مما رزقه، لا يكون محتاجًا إلى ماله، ولا يكون الانتفاع الإلهي هو علة التكليف، تعالى الله عن ذلك. بل أن الإنسان نفسه هو أحد أكبر المنتفعين بهذا التكليف، لأن الإنفاق يضعه في مواجهة واحد من أعمق أمراض النفس البشرية، وهو وهم أن ما في اليد هو الضامن الحقيقي للأمان، وأن كف اليد عن الانفاق هو الطريق إلى النجاة، وأن النقص في المال يعني بالضرورة نقصًا في القدرة على البقاء.
ومن هنا يلتقي قوله تعالى: {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} مع قوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 268). فالشيطان لا يحتاج، في هذا السياق، إلى أن يخلق خوفًا من العدم؛ إذ يكفيه أن يستثمر خوفًا موجودًا أصلًا في النفس البشرية، وأن يضخمه حتى يصبح التمثل أقوى من الحقيقة. فالإنسان ينظر إلى ما سيخرجه من يده، فيراه نقصانًا يقينيًا، ولكنه لا يرى ما يمكن أن يعود إليه من وراء هذا الإنفاق، لأنه أسير الحساب المباشر والمحسوس. والإنسان يرى المال الذي خرج، ولا يرى النفس التي تحررت قليلًا من سلطان المال.
وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات القرآنية عمقًا: فقد يظن الإنسان أنه حين ينفق فإنه قد أعطى الآخر شيئًا من ماله، بينما يكون هو نفسه قد تلقى، بفعل هذا الإنفاق، شيئًا أعظم بكثير. فلقد تلقى فرصة للتحرر من الخوف، وفرصة لمقاومة البخل، وفرصة لتقويض الوهم الذي يجعل المال مصدر الأمان المطلق، وفرصة لإخراج ما تراكم في النفس من أضغان ترتبط بالتنافس والحسد والشعور بالحرمان والاعتراض على مشاركة الآخرين فيما يملك.
وبهذا المعنى، فإن المستفيد الأول من الإنفاق هو ليس بالضرورة من تلقى المال، بل قد يكون من أخرجه.
فالفقير ينتفع بالمال الذي وصله، أما المنفِق فيمكن أن ينتفع بتحول يحدث في ذاته. فالأول حصل على مورد، أما الثاني فقد أتيحت له فرصة لإعادة صياغة نفسه. وإذا كان أثر المال في المتلقي قد ينتهي بانتهاء استهلاكه، فإن أثر الإنفاق في المنفِق قد يمتد إلى أعماق بنيته النفسية والأخلاقية، فيجعله أقل عبودية لما يملك، وأقل خوفًا من الفقد، وأكثر قدرة على مقاومة سلطان فائض التمثّل.
وهنا نصل إلى قلب الفكرة التي سبق أن طرحتها مقاربتنا لمفهوم الجزاء؛ إذ أن العاقبة الجزائية للفعل لا تبدأ عند الآخر، وإنما تبدأ في الأنا الفاعلة نفسها. فالإنسان حين يبخل لا يكون الضرر الأكبر بالضرورة هو المال الذي لم يصل إلى محتاج. ذلك ضرر حقيقي بلا شك، ولكنه لا يستنفد حقيقة الفعل. فالبخيل، في اللحظة التي يستجيب فيها لبخله، يكون قد قوّى البخل في نفسه. وكل استجابة لاحقة تصبح أسهل من سابقتها، حتى يتحول ما كان ميلًا إلى عادة، وما كان عادة إلى بنية نفسية، وما كان بنية نفسية إلى صورة من صور الكينونة. وهكذا يصبح الفعل عقوبةً من حيث لا يشعر صاحبه، فالإنسان يعاقب نفسه، جزئيًا، بأن يصير أكثر شبهًا بالفعل السيئ الذي يكرره.
والأمر نفسه ينطبق على الإنفاق. فالإنسان لا يُثاب لأن شخصًا آخر انتفع بماله فحسب، وإنما لأن فعل الإنفاق نفسه يعيد صياغة نفسه. فالمنفق، وفي كل مرة يقاوم فيها خوفه من الفقر، فإنه يضعف سلطان ذلك الخوف عليه، وفي كل مرة يتغلب فيها على البخل، يصبح أقل خضوعًا له، وفي كل مرة يخرج فيها من أسر الحساب النفعي الضيق، تتسع قدرته على رؤية العالم خارج مركزية الأنا.
ومن هنا يمكن القول إن القرآن يقدم تصورًا للجزاء أكثر عمقًا من التصور الذي يجعل الثواب والعقاب مجرد حدثين مؤجلين إلى يوم القيامة. فالآخرة تكشف العاقبة النهائية للفعل، ولكن الفعل يبدأ في صناعة عاقبته منذ اللحظة التي يقع فيها. فالفرد يحمل أفعاله معه لأنها تكون قد شاركت في صناعة الإنسان الذي أصبح عليه.
وهذا ما يجعل قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} (محمد: من 38)، ذا دلالة استثنائية في هذا السياق. فالآية التي تأتي مباشرة بعد الحديث عن البخل وخروج الأضغان تعيد مركز الفعل إلى صاحبه: {فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ}. فالبخيل، في الظاهر يمنع ماله عن الآخر، لكنه في الحقيقة، فإنه يمنع الخير عن نفسه؛ إذ يظن أنه قد احتفظ بشيء لنفسه، بينما هو حرم نفسه شيئًا آخر قد يكون أعظم مما احتفظ به.
وبذلك تنقلب المعادلة التمثّلية التي اعتاد العقل البشري أن يرى من خلالها الإنفاق. فالإنفاق ليس بالضرورة “أنا أخسر لكي يربح الآخر”، والبخل ليس “أنا أربح لأنني منعت الآخر”؛ فهذه معادلة سطحية لا ترى إلا حركة المال. أما المعادلة القرآنية الأعمق فتسأل: ماذا صنع الإنفاق فيك؟ وماذا صنع البخل فيك؟ أي أن مركز التقييم ينتقل من الشيء الذي خرج من اليد إلى الإنسان الذي خرج منه ذلك الشيء.
وهذا الانتقال بالغ الدلالة؛ لأنه يكشف أن التشريع الإلهي لا يتعامل مع الإنسان بوصفه مجرد أداة لإحداث منافع خارجية في العالم، وإنما بوصفه مشروعًا أخلاقيًا ومعرفيًا يتشكل بأفعاله. فالصدقة لا تطعم محتاجًا فحسب؛ ولكنها تستطيع أن تطهر معطيها. والزكاة لا تنقل المال فقط؛ إنها تقاوم استبداد المال بصاحبه. والإنفاق لا يسد حاجة الآخر فحسب؛ ولكنه يختبر مقدار تحرر الأنا من سلطان ما تملك أيضاً. ولهذا قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (التوبة: 103). فالضمير هنا يعود إلى المنفقين أنفسهم: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}. فالصدقة، قبل أن تكون مالًا ينتقل من يد الى يد، هي فعل تطهير وتزكية لمن أخرجها. وهذه الآية تكاد تقدم المفتاح الصريح لفهم فلسفة الإنفاق كلها. فالله تعالى لا يريد مال الإنسان لنفسه، وإنما يريد، من خلال ما يفعله الإنسان بماله، أن يصنع الإنسان شيئًا في نفسه.
وعلى هذا الأساس يمكن إعادة النظر في مفهوم الجزاء كله. فالعقوبة ليست دائمًا شيئًا يقع على الإنسان بعد فعله، بل قد تكون شيئًا يحدث في الإنسان بواسطة فعله. والثواب ليس دائمًا مكافأة تأتي من خارج الفعل، بل قد يبدأ بوصفه تحولًا يحدث في الفاعل نفسه. فمن يكذب لا ينتظر الآخرة لكي يبدأ أثر الكذب فيه؛ فقد أصبح، بكذبته هذه، أكثر قابلية للكذب. ومن يحقد لا يحتاج إلى عقوبة خارجية لكي يبدأ الحقد في إيذائه؛ فالحقد نفسه يعيد تشكيل عالمه النفسي. ومن يبخل لا يحتفظ بماله فحسب، ولكنه يقوي في نفسه ذلك الكائن الخائف الذي لا يرى في العالم إلا احتمالات الفقد. ومن ينفق لا يفقد مالًا فحسب، ولكنه يدرب نفسه على ألا تكون مملوكة لما تملك.
وهكذا يغدو الجزاء، في أحد أعمق مستوياته، قانونًا وجوديًا. فنحن لا نفعل أفعالنا ثم نغادرها؛ إذ أن أفعالنا تعود إلينا وتشارك في صناعة من نكون. ومن هنا فإن الآخرة لا تكون منفصلة عن هذه السيرورة، بل هي تمثل انكشافها واكتمالها النهائي. فالإنسان لا يصل إلى الآخرة ومعه سجل خارجي لأفعال انقضت وانتهت فحسب، ولكنه يصل إليها وقد أصبح هو نفسه، بدرجات متفاوتة، حصيلة ما اختار أن يفعله مرارًا. فالفعل الذي ظنه عابرًا كان ينقشه في صخر قلبه، والكلمة التي حسبها قد انتهت بانتهاء نطقها كانت تشارك في تشكيله، والمال الذي أمسكه أو أنفقه لم يكن مجرد رقم في حساب، بل كان امتحانًا لما يريد أن يكونه. وهنا تتضح الدلالة العميقة لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} (محمد: من 38). فالله تعالى غني عن المال، والآخر ليس وحده المستفيد من الإنفاق، والفاعل ليس مجرد وسيط بين المال والمحتاج. فالإنسان نفسه هو موضع العملية التربوية كلها. فهو الذي يحتاج إلى أن يتحرر من البخل، ومن الخوف، ومن وهم التملك، ومن تلك الأضغان التي يمكن أن يكشفها الضغط على أكثر ما تعلق به.
وبذلك يقدم لنا القرآن العظيم انقلابًا حقيقيًا في فهمنا للجزاء. فالإنسان حين يسيء، فإنه لا ينجح في إيذاء الآخر من دون أن يمر الأذى عبره هو أولًا، وحين يحسن لا يمنح الآخر خيرًا من دون أن يفتح في نفسه بابًا إلى الخير. فالآخر قد يكون موضع أثر الفعل، لكنه ليس بالضرورة مركز عاقبته الأعمق. أما مركز العاقبة، فإنه في كثير من الأحيان، هو الفاعل نفسه. وهذا هو المعنى الذي يجعل الإنفاق أكثر من إحسان إلى محتاج، ويجعل البخل أكثر من منع للمال، ويجعل التشريع الإلهي أكثر من منظومة لتنظيم العلاقات بين الناس؛ إذ أنه مشروع لتحرير الإنسان من نفسه التمثّلية؛ من خوفها، وأوهامها، وتعلقها، وضغائنها، ومن ذلك الصوت الذي لا يكف عن وعدها بالفقر كلما طُلب منها أن تتجاوز حدود الأنا.
ولعل هذا هو أحد أعمق الفروق بين القراءة البشرية السطحية للفعل والقراءة القرآنية له. فنحن نسأل عادةً ماذا فعل الإنسان بالآخر؟ بينما يدعونا القرآن العظيم لنسأل أيضًا، وربما قبل ذلك، ماذا فعل الإنسان بنفسه حين فعل ما فعله بالآخر؟

أضف تعليق