لماذا يصرّ كثيرٌ منّا على التقيّد بتسلسل الأولويات دون أيّ إمكانية لمراجعة هذا التسلسل؟

من بين الظواهر اليومية التي تبدو في ظاهرها ضربًا من ضروب التنظيم والانضباط وحسن التدبير، ثم لا تلبث عند التأمل أن تكشف عن هشاشة عميقة في البنية النفسية–المعرفية للإنسان، تبرز ظاهرةُ الإصرار على التقيّد بتسلسل الأولويات بعد وضعه، وكأنّ هذا التسلسل قد اكتسب، بمجرد تدوينه أو تصوره في الذهن، حصانةً تحول دون مراجعته أو إعادة ترتيبه. ذلك أنّ الإنسان، ما أن يضع قائمةً بما يراه أولوياتٍ ينبغي إنجازها، حتى يميل في كثير من الأحيان إلى التعامل مع هذا الترتيب كما لو كان قرارًا نهائيًا لا يجوز المساس به، وليس مجرد تصور عملي مؤقت يفترض أن يبقى مفتوحًا على المراجعة كلما استجدت ظروف جديدة أو ظهرت معطيات لم تكن حاضرة لحظة وضع القائمة. وهنا بالذات تتجلى واحدة من صور هشاشة العقل البشري تحت سلطان فائض التمثّل؛ إذ لا يعود الترتيب وسيلةً لتنظيم الفعل، بل يتحول إلى صورة تمثّلية يشرع الإنسان في الدفاع عنها كما لو كانت جزءًا من هيبته العقلية، أو شهادةً على صواب منطقه، أو برهانًا على أنه قد أحسن تقدير الأمور من البداية.
فالأصل في أي ترتيب للأولويات أن يكون ترتيبًا وظيفيًا، أي خاضعًا للغاية التي وُضع من أجلها، وقابلًا لأن يُعدَّل أو يُقلب رأسًا على عقب إذا اقتضت المصلحة ذلك. غير أنّ ما يحدث في حياة الناس اليومية يدل على شيء آخر مختلف تمامًا. فكثيرًا ما يضع المرء قائمةً من المهام أو الالتزامات أو الأهداف، ثم تظهر بعد ذلك ظروف طارئة تجعل من الحكمة تقديم مهمة كانت في منتصف القائمة لتصبح في المرتبة الثانية، أو حتى الأولى، لأن إنجازها العاجل صار يوفر جهدًا أكبر، أو يمنع خسارةً وشيكة، أو يفتح الطريق لإنجاز بقية المهام بكلفة أقل وفاعلية أعلى. ومع ذلك، يصرّ الإنسان في أحايين كثيرة على إبقاء الترتيب كما هو، ليس لأن هذا الترتيب لا يزال هو الأفضل، بل لأن مجرد مراجعته يضعه في مواجهة احتمال مزعج يتمثل في احتمال أن يكون تقديره الأول لم يكن محكمًا كما تخيّل، وأن يكون ما رآه بالأمس ترتيبًا صائبًا لم يعد اليوم كذلك.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند لبّ الظاهرة؛ فالمسألة ليست مجرد سوء تنظيم أو ضعف مهارة التخطيط، بل هي في كثير من الحالات أثر مباشر من آثار فائض التمثّل. فالإنسان لا يضع قائمة أولوياته بوصفها أداة حيادية، بل يسكب فيها شيئًا من صورته عن نفسه؛ إذ أنه، وهو يرتب المهام ويمنح كل واحدة منها موضعها، فإنه لا يقوم بعملية تقنية خالصة، وإنما يضمر في لاوعيه حكمًا على نفسه مفاده “أنا أفهم الواقع، وأنا قادر على ترتيب شؤوني، وأنا أرى ما لا يراه غيري، وقد أحسنت تقدير ما ينبغي أن يُقدَّم وما ينبغي أن يُؤخَّر”. ومن هنا يغدو أي طلب لاحق بمراجعة هذا الترتيب، أو أي ظرف جديد يفرض إعادة النظر فيه، أشبه باعتداء صامت على هذه الصورة التي بناها عن كفاءة عقله وسلامة منطقه. فبدل أن يتعامل مع التعديل بوصفه استجابة طبيعية لتحول الواقع، فإنه يتعامل معه كما لو كان اعترافًا ضمنيًا بخطأ سابق، أو تنازلًا عن يقين كان ينبغي له أن يظل ثابتًا.
ولذلك نرى أن بعض الناس لا يكتفون بالتمسك بـ “تراتبية الأولويات” رغم تغيّر الظروف، بل يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيغدون شديدي الارتياب بكل من يلفت نظرهم إلى ضرورة المراجعة؛ فبدل أن ينظروا إلى هذا التنبيه على أنه محاولة لتلافي خسارة أو تحسين قرار، فإنهم يقرؤونه من خلال منظار تمثّلي مفعم بسوء الظن: هذا الشخص يريد أن يفرض رأيه عليّ، أو يشكك في قدرتي، أو يقلل من شأني، أو يتدخل فيما لا يعنيه، أو يسعى إلى تعطيل خطتي. وبذلك يتحول النقاش حول ترتيبٍ عملي للمهام إلى مسألة عزة نفس وتمركز حول الذات، ويصبح الدفاع عن الترتيب دفاعًا عن الأنا أكثر منه دفاعًا عن المصلحة. وهنا تتعرّى الوظيفة الحقيقية لفائض التمثّل؛ إذ أنه لا يكتفي بصنع الصور التي يراها الإنسان عن نفسه، بل يدفعه إلى حراسة هذه الصور حتى في المواطن التي يكون فيها التراجع عنها أكثر نفعًا له.
ومن أخطر ما في هذه الظاهرة أن آثارها لا تقف عند حدود العناد الشكلي، بل تمتد إلى تبديد الجهد والوقت والموارد. فقد يصرّ الإنسان على إنجاز مهمة قليلة الجدوى لأنها وُضعت أولًا في القائمة، بينما يؤجل مهمة أخرى صار إنجازها الآن أكثر إلحاحًا وربحًا، فيخسر بسبب هذا الجمود فرصة ثمينة، أو يتضاعف عليه الجهد لاحقًا، أو يضطر إلى إصلاح أضرار كان يمكن منعها لو أنه قدّم ما ينبغي تقديمه. وقد يلتزم المرء بمسار إداري أو مالي أو أسري لم يعد مناسبًا، لا لشيء إلا لأنه قد رُتِّب سابقًا على نحو معين، فيتحول الترتيب من وسيلة إلى عبء، ومن أداة ضبط إلى أداة تخريب. وهذا كله يكشف أن الإصرار على التسلسل ليس دائمًا علامة انضباط، بل قد يكون في كثير من الأحيان صورة من صور “الحماقة المقنّعة”؛ حماقة تتخفى في هيئة الالتزام والثبات، مع أنها في حقيقتها عجز عن الاستجابة الذكية لمتغيرات الواقع.
ولعلّ المفارقة الأشد دلالة هنا هي أن هذا النوع من الجمود لا يكاد يجد له نظيرًا في العالم الحيواني على الصورة التي نجده بها عند الإنسان. فالمراقب الإيثولوجي لسلوك الحيوانات في بيئاتها الطبيعية يلاحظ، في غيرما قليل من الأحوال، قدرة لافتة على مراجعة أنماط السلوك وتغيير الخطة عند ظهور مستجدات تهدد البقاء أو تقلل من فرص النجاح. فالحيوان لا يحمل صورة تمثّلية متضخمة عن نفسه تجعله يشعر بالإهانة إذا عدل مساره، ولا يرى في التراجع عن خيار سابق مساسًا بمكانته، ولا يتوهم أن المحافظة على القرار الأول فضيلة في ذاتها مهما تغيّرت الشروط. فالحيوان يستجيب للواقع بما يقتضيه الواقع، وليس بما يقتضيه الدفاع عن صورة ذهنية متصلبة. فإذا تغير موضع الخطر، غيّرَ اتجاهه. وإذا تبدلت فرصة الصيد، بدّل استراتيجيته. وإذا انسد مسار، بحث عن مساره آخر غيره. أما الإنسان، فإن فائض التمثّل قد يدفعه إلى التمسك بخطة فقدت صلاحيتها، لا لشيء إلا لأن الاعتراف بذلك يجرح وهم السيطرة الذي بناه عن نفسه.
ومن هنا يمكن القول إن الإصرار على التقيّد بتسلسل الأولويات دون مراجعة ليس مجرد سلوك عابر، بل هو شاهد آخر على أن العقل البشري ليس ذلك الجهاز الرشيد الذي يتخيله الإنسان عن نفسه، بل هو عقل هشّ، قابل لأن يخضع لصورة صنعها عن ذاته أكثر مما يخضع لمقتضيات الواقع نفسه. فالإنسان لا يعجز هنا عن المراجعة لأنه يفتقر إلى المعلومات، ولا لأنه لا يفهم معنى الأولويات، بل لأنه يقع تحت تأثير بنية تمثّلية تجعله يخلط بين صدق القرار وصدق الذات، وبين تعديل الخطة وامتهان الكفاءة، وبين الاستجابة للواقع والانحناء للآخرين. ولهذا فإن ما يبدو من الخارج مجرد تمسك بترتيب معين قد يكون في العمق ضربًا من ضروب عبادة القرار الأول، أو عبادة الصورة التي يربطها الإنسان بهذا القرار.
إن المشكلة الحقيقية، إذاً، هي ليست في أن يضع الإنسان قائمة أولويات، فذلك أمر لا غنى عنه في تدبير الحياة، وإنما في أن يتحول هذا الترتيب إلى صنم معرفي لا يُمَس. فالأولوية ليست قيمة مطلقة، بل علاقة متحركة بين هدف ووقت وظرف وكلفة ومآل. وما كان أولوية صباحًا قد لا يبقى كذلك مساءً، وما بدا ثانويًا بالأمس قد يصبح اليوم هو العقدة التي يتوقف عليها نجاح الخطة كلها. والوعي السليم ليس هو الذي يفاخر بأنه لم يغيّر ترتيبه، بل هو الذي يملك الشجاعة المعرفية ليعيد النظر كلما استدعى الواقع ذلك، من غير أن يشعر بأن ذاته تنهار مع كل تعديل، أو أن عزة نفسه تُمَس مع كل مراجعة.
ولهذا فإن التحرر من هذا النمط من الحماقة البشرية لا يكون إلا بإعادة بناء علاقة الإنسان بقراراته على نحو أقل تمركزًا حول الذات وأكثر خضوعًا للواقع. فينبغي على الإنسان إذاً أن يتعلم أن وضع الأولويات ليس إعلانًا عن كمال عقله، بل مجرد محاولة مؤقتة لفهم وضع متغير، وأن مراجعة الترتيب ليست فضيحة، بل علامة نضج، وأن العدول عن قرار سابق حين تتبدل المعطيات ليس هزيمةً للذات، بل هو انتصارٌ عليها؛ لأن الذات هنا تكون قد كفّت عن عبادة صورتها، ورضيت أن تجعل الحقيقة العملية فوق نشوة الاتساق الوهمي. وحين يبلغ الإنسان هذا المستوى من التحرر، يغدو أكثر قدرة على الاقتصاد في الجهد، وأحسن توظيفًا للوقت، وأقل عرضة لأن يقوده غروره المعرفي إلى إهدار ما كان بوسعه إنقاذه.
وهكذا تكشف لنا هذه الظاهرة اليومية البسيطة، مرةً أخرى، مقدار الخراب الذي يستطيع فائض التمثّل أن يحدثه في صميم آليات التفكير الإنساني؛ فهو لا يكتفي بأن يفسد علاقة الإنسان بالآخرين، ولا بأن يصنع سوء الظن والتصلب والدفاع المرضي عن الصورة، بل يتدخل حتى في أبسط تفاصيل التدبير العملي، فيحوّل ترتيب الأولويات من أداة مرنة إلى قيد جامد، ومن وسيلة لحسن الإنجاز إلى سبب من أسباب التعثر والهدر. ومن ثم فإن الإصرار على التقيّد بتسلسل الأولويات دون مراجعة ليس دليلاً على صلابة العقل، بل هو دليلٌ على هشاشته؛ وليس علامةً على رجاحة الإنسان، ولكنها علامة على قابليته لأن يستسلم لصورة صنعها عن نفسه أكثر مما يستسلم لما يفرضه الواقع من مراجعة وتبديل وتقديم وتأخير.

أضف تعليق