إبستمولوجيا الاحتمال… كيف يغيّر “الإنسان الافتراضي” مفهوم الحقيقة العلمية

من بين جميع الأسئلة التي يمكن أن تثيرها نظرية الانعطافة التطورية الأولى، ربما لا يوجد سؤال أشد مساساً بجوهر المعرفة العلمية من هذا السؤال: “ما الذي يحدث لمفهوم الحقيقة حين يصبح من المشروع علمياً أن ندرس ما لم يقع، لا بوصفه خيالاً، بل بوصفه أداة لفهم ما وقع بالفعل؟” فالعلم الحديث، على الرغم من كل ما شهده من تطور، ظل في جوهره مشدوداً إلى نوع مخصوص من الحقيقة؛ حقيقة الحدث، وحقيقة الوقائع، وحقيقة ما أمكن التثبت من وجوده أو قياسه أو رصده أو استنتاجه من آثار باقية في العالم. غير أن الإنسان الافتراضي الذي لم يوجد قط يضعنا أمام نوع آخر من الحقيقة؛ وهي حقيقة لا تتعلق بوقوع الشيء، بل بقدرته على كشف منطق الأشياء التي وقعت. فلقد تعودنا أن نربط الحقيقة العلمية بالوقائع المادية. فالحقيقة، في الوعي العلمي السائد، هي ما حدث فعلاً، أو ما يمكن التحقق منه تجريبياً أو ما يمكن ربطه بمعطيات قابلة للملاحظة والاختبار. ولهذا السبب ظل كل ما يدخل في باب “ما كان يمكن أن يحدث” محاطاً بشبهة فلسفية أو معرفية، وكأن الاحتمال لا يرقى إلى مستوى المعرفة إلا إذا تحول إلى واقع. غير أن هذا التصور، على رسوخه، لم يعد قادراً وحده على احتواء ما بلغته العلوم من تطور منهجي.
فالفيزياء الحديثة، على سبيل المثال، لا تكتفي بوصف العالم المرصود، بل تبني نماذج لكيانات لا تُرى مباشرة، وتختبر صدقيتها من خلال قدرتها على تفسير الوقائع وربطها في نسق واحد. وعلوم المناخ لا تدرس ما وقع فقط، بل تنتج سيناريوهات مستقبلية واحتمالية لتقدير ما قد يقع إذا تغيرت شروط معينة. والاقتصاد يبني نماذج على أساس “ماذا لو”، وذلك كما يفعل علم الوراثة حين يتساءل عما كان سيحدث لو حُذف جين بعينه أو تبدلت طفرة بعينها. بل أن الطب نفسه يعتمد على المقارنة بين ما هو كائن وما كان يمكن أن يكون فيما لو غاب عامل معين أو حَضر.
ومن هنا يبدو أن العلم، في ممارسته الفعلية، قد تجاوز منذ زمن فكرة أن الحقيقة لا تكون إلا حقيقةً لشيء وقع. لكنه لم يصرّح بذلك دائماً على المستوى الإبستمولوجي، وظل يتعامل مع النماذج الاحتمالية بوصفها أدوات مساعدة، وليس بوصفها شريكاً في إنتاج الحقيقة. وهنا تحديداً تكمن أهمية “الإنسان الافتراضي”؛ إذ أنه لا يُطرح باعتباره كائناً خيالياً ننسج حوله قصة بديلة، بل باعتباره نموذجاً مضاداً للواقع، يسمح لنا بعزل متغير محدد، ثم قياس مقدار ما أحدثه وجود هذا المتغير في الصورة الفعلية للإنسان. فإذا قلنا، مثلاً، إن الإنسان الذي نعرفه خضع لتحول نوعي أفضى إلى فائض التمثّل، فإن السؤال عن الإنسان الذي كان يمكن أن يوجد لو لم يقع هذا التحول لا يعود مجرد لعبة فكرية، بل يصبح اختباراً معرفياً لمدى مركزية هذا المتغير في تفسير الظاهرة الإنسانية. فلو تبين أن حذف هذا المتغير من النموذج يؤدي إلى اختفاء أو تغير عدد كبير من الظواهر، كالأسطورة، والاقتصاد الرمزي، والحرب العقائدية، والقلق الوجودي، والتدين المؤسسي، والحضارة التراكمية، فإن ذلك لا يثبت أن الإنسان البديل قد وُجد فعلاً، لكنه يكشف أن المتغير المحذوف يمتلك قوة تفسيرية حقيقية.
وهنا نصل إلى نقطة دقيقة: فالحقيقة العلمية لا تكون دائماً حقيقة الوجود، بل قد تكون أيضاً حقيقة البنية والعلاقة والسببية. أي أن الشيء قد لا يكون موجوداً في الخارج، ومع ذلك يظل نموذجُه صادقاً من حيث قدرته على كشف البنية التي ينتظم بها الواقع. فالرياضيات، في جزء كبير منها، لا تصف أشياء مادية قائمة، بل تصف علاقات وصيغاً وبنى، ومع ذلك لا يشك أحد في قدرتها على إنتاج معرفة حقيقية. وكذلك الأمر في النماذج النظرية الكبرى؛ إذ أن صدقها لا يُقاس فقط بوجود موضوعها وجوداً مباشراً، بل بقدرتها على تنظيم الوقائع، وتقليل التناقض، وتوسيع الفهم.
ومن هذا المنظور، يصبح “الإنسان الذي لم يوجد” شبيهاً بما يمكن تسميته “نموذجاً كاشفاً”؛ إذ أنه لا يضيف إلى العالم كائناً جديداً، بل يضيف إلى فهمنا للعالم زاوية جديدة. ومن خلال هذه الزاوية يمكن للعلم أن يرى ما لم يكن يراه من قبل: أن الإنسان الذي نعرفه ليس مجرد حصيلة ما وقع، بل هو أيضاً حصيلة ما لم يقع؛ أي حصيلة المسارات الأخرى التي لم تتحقق، لكنها تكشف بمجرد استحضارها خصوصية المسار الذي تحقق فعلاً.
ولعل هذا هو ما يجعل “إبستمولوجيا الاحتمال” مختلفة عن مجرد التفكير الافتراضي العابر. فهي لا تحتفي بالاحتمال لذاته، ولا تمنح الخيال سلطة مساوية للواقع، بل تطلب من الاحتمال أن يخضع لشروط العلم نفسه: الاتساق الداخلي، والانسجام مع المعطيات، والقدرة على التفسير، والخصوبة المعرفية. فليس كل ما يمكن تخيله يصلح أن يكون موضوعاً للبحث، وإنما ما يمكن بناؤه بوصفه نموذجاً مقيداً بالقوانين المعروفة وبالوقائع الراهنة وبالمعرفة التراكمية المتاحة فحسب.
وهنا تظهر قيمة الذكاء الاصطناعي والنمذجة الحاسوبية. فقبل عقود قليلة، كان من الصعب أن نتعامل مع مثل هذه النماذج إلا على نحو تأملي عام. أما اليوم، فقد أصبح من الممكن بناء سيناريوهات افتراضية معقدة، وإدخال بيانات من علم الوراثة، وعلم الأعصاب، وسلوك الحيوان، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، ثم اختبار مدى اتساق هذه السيناريوهات ومقارنتها بالنموذج الإنساني الفعلي. وبهذا المعنى، لم يعد الاحتمال خصماً للحقيقة العلمية، بل أصبح واحداً من طرق مقاربتها.
غير أن هذا التحول لا يمر من دون ثمن إبستمولوجي. فهو يجبرنا على مراجعة الفكرة التقليدية التي ترى أن المعرفة العلمية يجب أن تكون دائماً معرفةً بموضوع حاضر في العالم حضوراً مباشراً. فإذا كانت بعض أكثر معارفنا خصوبة قد باتت تتعلق بنماذج لم توجد، أو بجسيمات لا تُرى، أو بسيناريوهات لم تقع، أو بمسارات تطورية لم تتحقق، فإن الحقيقة العلمية نفسها لم تعد مطابقة بسيطة بين الفكر والواقع، بل أصبحت في كثير من الأحيان مطابقة بين النموذج والقدرة التفسيرية.
وهذا لا يعني أن الواقع قد فقد امتيازه، أو أن العلم أصبح لعبة نماذج حرة. فالواقع يظل المعيار النهائي الذي تُختبر به النماذج. لكن ما يتغير هنا هو أن الطريق إلى الواقع لم يعد يمر عبر الوقائع المشاهدة فحسب، بل قد يمر أيضاً عبر بناء احتمالات مضادة تكشف ما لا تقوله الوقائع عن نفسها. فالحقيقة، في هذا السياق، لا تعود مجرد جردٍ لما حدث، بل تصبح فهماً للبنية التي جعلت ما حدث ممكناً، وفهماً لما كان يمكن أن يحدث لو تبدلت هذه البنية.
ولعل هذا هو الوجه الأعمق الذي تمنحه نظرية الانعطافة التطورية الأولى للبحث العلمي. فهي لا تطلب منا أن نؤمن بإنسان بديل، ولا أن نستبدل التاريخ بالخيال، بل تدعونا إلى الاعتراف بأن التاريخ وحده قد لا يكفي الإنسان لفهم نفسه، وأن بعض ما نريد معرفته عن الإنسان لا يمكن أن يظهر إلا حين نضعه بإزاء صورته المضادة: الإنسان الذي لم يعرف فائض التمثّل، ولم يبن حضارة رمزية، ولم يشن حرباً باسم فكرة، ولم يعش مطارداً بصور ذاته واحتمالاتها. وعندئذ تصبح الحقيقة العلمية أوسع من أن تُختزل في ما وقع بالفعل. فهي تشمل أيضاً ما يكشفه لنا ما لم يقع عن الواقع؛ ما تكشفه لنا النماذج الاحتمالية، والمسارات غير المتحققة، والصور المضادة، حين تُبنى على نحو منضبط وتُختبر بصرامة وتُستخدم لفهم العالم وليس للهروب منه. وربما كان هذا هو التحول الإبستمولوجي الذي تقف على أعتابه دراسة الإنسان اليوم: الانتقال من علم يطلب من الواقع أن يتكلم وحده، إلى علم يعترف بأن الواقع لا يفصح عن كل شيء إلا إذا وُضع في مواجهة إمكاناته التي لم تتحقق.
فإذا صح ذلك، فإن “الإنسان الافتراضي” لن يكون مجرد فكرة مضافة إلى هامش البحث العلمي، بل قد يغدو شاهداً على تغير أعمق في معنى الحقيقة نفسها: من حقيقة الوقوع إلى حقيقة التفسير، ومن حقيقة الشيء الذي كان، إلى حقيقة الشيء الذي يكشف، حتى في غيابه، لماذا كان ما كان.

أضف تعليق