
بين طموح الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وواقع الدور الجيوسياسي في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تبدو السياسة الخارجية التركية وكأنها تراوح في مساحة من عدم الواقعية التاريخية. فالتدقيق في مسار العلاقات التركية-الغربية يكشف عن حقيقة جوهرية، غالباً ما يتم تغافلها، مفادها أن طموح أنقرة المستميت للاندماج في المنظومة الأوروبية يفتقر إلى الوعي بحقيقة “القدر الجغرافي” لتركيا، وكيف يرى الغرب هذا القدر ويوظفه لصالحه. فحين وافق الغرب على ضم تركيا إلى حلف الناتو عام 1952، لم يكن ذلك إعجاباً بنموذجها، أو ترحيباً بها كشريك قيمي، بل كان استجابة مباشرة لـ “قدرها الجغرافي”. ففي السنوات الأولى لتأسيس الحلف، وبينما كان الصراع العقائدي والوجودي محتدماً بين المعسكر الغربي والاتحاد السوفيتي، شكّلت حدود تركيا المباشرة مع الدب السوفيتي مكسباً جيو-سياسياً لا يقدر بثمن؛ حيث مثَّل انضمام تركيا فرصة تاريخية للغرب؛ فمن دون هذه الجغرافيا المحاذية، ما كان لحلف الناتو أن يتمكن من نشر صواريخه النووية (مثل صواريخ جوبيتر وبيرشينغ لاحقاً في سياقات الردع) على مقربة من الحدود السوفيتية، وهي الصواريخ التي كانت قادرة على ضرب موسكو في دقائق معدودات. فلقد كانت تركيا، باختصار، حائط الصد المتقدم والضرورة العسكرية التي فرضتها ظروف الحرب الباردة.
أما مسألة طموح تركيا في أن يتقبلها الاتحاد الأوروبي، ويوافق على ضمها إليه، فهي مسألة لا تشبه، من قريب أو بعيد، موافقة الناتو على ضمها إليه في خمسينيات القرن الماضي. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتعين على أنقرة مواجهته: ما حاجة أوروبا بتركيا عضواً في اتحادها السياسي والاقتصادي، وهي قد ضمنت بالفعل تبعيتها العسكرية وولاءها الاستراتيجي في حلف الناتو منذ عقود؟ إن الاتحاد الأوروبي، بخلاف الناتو، ليس مجرد تحالف عسكري تمليه المصالح الأمنية المؤقتة، بل هو “نادي حضاري” يقوم على تجانس تاريخي، وثقافي، وديني. وتركيا، بكل إرثها، لا تتجانس مع هذا الغرب الذي لا ينفك يُذكِّر العالم صباح مساء بجذوره “اليهودية-المسيحية”.
وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح عند المقارنة بين التعاطي الأوروبي مع تركيا ودول أخرى في المنطقة. فموافقة الغرب على احتضان بلد مثل أرمينيا، الذي يتجانس مع أوروبا دينياً وثقافياً على الأقل، تبدو مسألة وقت وفرصة متاحة، رغم انتفاء أي تماس جغرافي مباشر بين الحدود الأرمينية وحدود الاتحاد الأوروبي الحالية.
وفي المقابل، فإن تقبل بلد كتركيا يحقق التماس الجغرافي الكامل ويشكل جسراً برياً، يبدو أمراً شبه مستحيل، لأن الجغرافيا هنا تصطدم بجدار العقيدة والتاريخ والحضارة الذي يرفض الغرب اختراقه.
في الختام، إن ما يتعين على الدولة التركية تذكره وإدراكه، هو أن الجغرافيا التي منحتها تذكرة الدخول إلى الناتو كحارس للبوابة الشرقية، هي ذاتها الجغرافيا التي يقف الدين والتاريخ حاجزاً دون تحويلها إلى تذكرة عبور نحو الهوية الأوروبية. فالاستمرار في الجري وراء سراب العضوية الأوروبية يعكس غياباً للقراءة الواقعية. فحريٌ بأنقرة أن تعيد صياغة علاقتها بالغرب بناءً على ندية المصالح، وليس على أوهام الاندماج المستحيل.
