
من بين النصوص النبوية التي تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها لا تتجاوز تقرير مبدأ أخلاقي عام في المساواة بين البشر، يبرز القول النبوي الشريف: “كلكم لآدم، وآدم من تراب” بوصفه نصًا بالغ العمق، لا يكتفي بنفي التفوق العرقي أو القومي، وإنما يذهب أبعد من ذلك بكثير؛ إذ أنه يعيد الإنسان إلى أصله الأول، قبل أن تتدخل تمثلاته في بناء الفوارق، وقبل أن تتحول الاختلافات الطبيعية بين الجماعات إلى سلالم رمزية يضع بعض البشر أنفسهم في أعلاها، ثم يضعون غيرهم في درجات أدنى.
وعند قراءة هذا الحديث من منظور ميتابايولوجي، وعلى ضوء مفهوم فائض التمثّل، فإنه يكشف عن مواجهة مباشرة بين حقيقتين: حقيقة الإنسان كما هو في أصله البايولوجي، وصورة الإنسان كما أعاد هو نفسه تمثلها في وعيه. فالحقيقة الأولى تقول إن البشر جميعًا ينحدرون من أصل واحد، وإن الفوارق التي ظهرت بينهم لاحقًا لا تستطيع أن تلغي وحدة منشأهم. أما الحقيقة الثانية، وهي الحقيقة التي صنعها فائض التمثّل، فقد قسمت البشر إلى أعراق وأقوام وأنساب وطبقات، ثم لم تكتفِ بوصف هذه الاختلافات، وإنما حمّلتها قيمًا لم تكن موجودة فيها ابتداءً، فجعلت بعض الألوان أرفع من بعض، وبعض الأنساب أشرف من غيرها، وبعض الشعوب أحق بالسيادة، وبعض الجماعات أقرب إلى الحقيقة أو الحضارة أو الإنسانية الكاملة من سواها.
وهنا تتجلى العبقرية المعرفية الكامنة في العبارة النبوية: “كلكم لآدم”. فهي لا تبدأ بتعداد الأعراق، ولا تدخل في مقارنة بينها، ولا تحاول إثبات أن عرقًا مظلومًا هو في الحقيقة أفضل من العرق الذي اضطهده؛ لأنها لو فعلت ذلك لبقيت أسيرة المنطق نفسه الذي تريد تجاوزه. فالحديث لا يقلب هرم التفوق، وإنما يهدم الهرم نفسه، ولا ينقل القمة من جماعة إلى أخرى، بل يسحب من جميع الجماعات الحق في أن تجعل أصلها العرقي أو القومي أساسًا لتفوق فطري على الآخرين.
ثم تأتي العبارة الثانية: “وآدم من تراب” لتدفع هذا التفكيك إلى مستوى أعمق. فالإنسان الذي قد يفتخر بأبيه الأول يُذكَّر بأن هذا الأب نفسه من تراب. وكأن النص النبوي يعيد عملية الاختزال إلى الوراء: من القبيلة إلى الأمة، ومن الأمة إلى العرق، ومن العرق إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى آدم، ومن آدم إلى التراب. وكلما حاول فائض التمثّل أن يبني طبقة جديدة من التعالي الرمزي، أعاده الحديث خطوة أخرى إلى أصل أكثر تواضعًا، حتى ينتهي به إلى المادة التي لا تستطيع أي جماعة بشرية أن تحتكرها لنفسها.
ومن هنا يلتقي الحديث التقاءً عميقًا مع قول الله تعالى في الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
فالبنية المعرفية لهذه الآية شديدة الدقة. فهي تبدأ بوحدة الأصل: {إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ}، ثم تؤكد واقع الاختلاف: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ}، ثم تحدد وظيفة هذا الاختلاف: {لِتَعَارَفُوا}، قبل أن تنزع منه أي قدرة ذاتية على تأسيس التفوق: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
وبذلك لا ينكر القرآن التنوع البشري، لكنه يرفض التحول الذي يُجريه فائض التمثّل على هذا التنوع. فالاختلاف في الأصل معلومة، لكن الإنسان يحوله إلى قيمة؛ والقبيلة رابطة اجتماعية، لكنه يحولها إلى امتياز؛ والقومية إطار تاريخي وثقافي، لكنه يحولها إلى دعوى تفوق؛ واللون ظاهرة بايولوجية، لكنه يحوله إلى مرتبة في سلم الإنسانية. وهنا يمكن القول إن العنصرية، في منظور ميتابايولوجي، هي ليست مجرد كراهية للآخر، بل هي قبل ذلك عملية تمثلية يعيد الإنسان من خلالها تفسير اختلاف طبيعي محايد، ثم يمنحه معنى تراتبيًا لم يكن موجودًا في الاختلاف نفسه.
وهذا ما يجعل الحديث النبوي والآية القرآنية متمايزين عن كثير من المقاربات البشرية التي قاومت اضطهاد جماعة من خلال بناء سردية مضادة عن تفوقها. فالتاريخ البشري حافل بعقائد حاولت تحرير جماعة من الشعور بالدونية، فانتهت إلى إقناعها بأنها هي الجماعة الأرقى. وحركات قاومت مركزية عرقية، ثم بنت مركزية عرقية مضادة. وقوميات رفضت استعلاء قومية أخرى، ثم لم تلبث أن أنتجت خطابها الخاص في الاستعلاء. وهكذا ظل الإنسان، حتى حين يثور على الهرم، عاجزًا في كثير من الأحيان عن التخلص من حاجته إلى الهرم نفسه.
أما الخطاب القرآني والنبوي فلا يقول لجماعة بشرية: أنتم الأفضل من أولئك؛ بل أنه يضرب الأساس الذي تقوم عليه هذه المنافسة كلها. فالإنسان لا يختار العرق الذي يولد فيه، ولا الشعب الذي ينتمي إليه عند ولادته، ولا لون بشرته، ولا نسبه، ولا اللغة التي يسمعها أول مرة. ومن ثم فإن تحويل هذه المعطيات غير الاختيارية إلى أسباب للاستحقاق الأخلاقي يمثل واحدًا من أكثر تجليات فائض التمثّل وضوحًا؛ لأن الإنسان ينسب إلى ذاته فضلًا في شيء لم يصنعه أصلًا.
ومن هذه الزاوية، تكتسب عبارة “وآدم من تراب” قوة فلسفية استثنائية. فالتراب هنا ليس مجرد إشارة إلى مادة الخلق، وإنما يمثل، في سياق المقارنة، نقطة الصفر التمثلية التي تنهار عندها جميع دعاوى التعالي الموروث. فما الذي يستطيع الإنسان أن يتباهى به إذا كانت السلسلة، التي يتباهى بآخر حلقاتها، أولها التراب؟ وما معنى أن يزعم فرع من الشجرة البشرية أنه أرفع جوهرًا من فرع آخر، إذا كان الجذع واحدًا والأصل واحدًا؟
غير أن الآية القرآنية لا تنتهي إلى مساواة ساكنة تنفي كل تفاضل؛ بل تعيد بناء مفهوم التفاضل على أساس مختلف جذريًا؛ إذ أنها تنقل الإنسان من تفاضل الهوية إلى تفاضل المسؤولية، ومن امتياز ما وُلد عليه إلى قيمة ما يصير إليه، ومن التفاخر بما لم يختره إلى المحاسبة على ما يختاره. ولذلك فإنها تنص على: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
وهذا التحول بالغ الدلالة؛ لأن التقوى، بخلاف العرق والنسب والقومية، ليست رأسمالًا موروثًا تستطيع جماعة أن تحتكره. بل أن الآية نفسها تجعل الحكم النهائي فيها لله: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}؛ وبذلك فإنه يَحرم فائض التمثّل من وسيلة أخرى كان يمكن أن يتسلل من خلالها؛ إذ قد يهدم الإنسان أرستقراطية النسب ليقيم بدلًا منها أرستقراطية التدين الظاهري، فيزعم لنفسه التفوق لأنه يرى نفسه أتقى من غيره. لكن ختم الآية بـ {عَلِيمٌ خَبِيرٌ} يعيد معيار الكرامة إلى علم لا يملكه الإنسان إحاطةً، ويحرم الأنا من أن تتحول بسهولة إلى قاضٍ نهائي على مراتب البشر عند الله.
وهنا تتجلى وحدة عميقة بين الحديث النبوي الشريف والآية الكريمة. فالحديث يهدم الامتياز من جهة الأصل: “كلكم لآدم، وآدم من تراب”. والآية تهدمه من جهة الاختلاف الاجتماعي: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. ثم تعيد تعريف الكرامة من جهة المسؤولية الأخلاقية: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
إننا، إذاً، لسنا أمام دعوة تقليدية إلى التسامح بين أعراق متفاضلة، بل أمام تفكيك جذري لفكرة التفاضل العرقي ذاتها. ولسنا أمام محاولة لإقناع القوي بأن يعطف على من يراه أدنى منه، وإنما أمام نزع الأساس المعرفي الذي سمح له أصلًا بأن يتخيل نفسه أعلى من غيره. وهذا فرق هائل، لأن التسامح قد يُبقي المتسامح في موقع الأعلى، أما وحدة الأصل فتهدم هذا الموقع من أساسه.
ومن المنظور الميتابايولوجي، يمكن النظر إلى العنصرية والقومية المتعالية والعصبية النسَبية بوصفها جميعًا تنويعات مختلفة لداء تمثيلي واحد قوامه أن يأخذ الإنسان اختلافًا حقيقيًا، ثم يضيف إليه معنى متخيلًا، ثم ينسى أنه هو الذي أضاف هذا المعنى، ثم يتعامل معه كما لو كان حقيقة كامنة في بنية العالم نفسه.
فاللون حقيقي، لكن التفوق اللوني تمثّل. والاختلاف القومي حقيقي، لكن التفوق القومي تمثّل. والنسب حقيقي بوصفه رابطة تاريخية، لكن تحويله إلى قيمة إنسانية أعلى تمثّل. والشعوب والقبائل موجودة، لكن تحويل وجودها إلى مراتب ثابتة في سلم الكرامة البشرية هو من صنع العقل البشري، لا من مقتضيات الطبيعة.
ولعل هذا ما يمنح الحديث النبوي الشريف، عند قراءته في ضوء الآية الثالثة عشر من سورة الحجرات، دلالة تتجاوز عصره إلى التاريخ البشري كله. فالإنسان لم يتوقف يومًا عن اختراع أسباب جديدة ليتفوق بها على أخيه الإنسان. فإذا سقط النسب، جاء العرق. وإذا سقط العرق، جاءت القومية. وإذا ضعفت القومية، جاءت الطبقة أو الحضارة أو الثقافة أو الإيديولوجيا. وكأن فائض التمثّل لا يكف عن البحث عن مادة جديدة يبني منها هرمًا، ثم يضع الأنا أو الجماعة التي تنتمي إليها الأنا في أعلاه.
أما القرآن العظيم والحديث النبوي الشريف فيعيدان الإنسان، مرة بعد مرة، إلى الحقيقة التي يحاول فائض التمثّل أن يحجبها عنها، والتي مفادها: يا أيها الانسان أنت مختلف عن الآخر، ولكن اختلافك لا يعني أنك أعلى منه. أنت تنتمي إلى جماعة، ولكن انتماءك إليها ليس إنجازًا أخلاقيًا. لك نسب، ولكنك لم تصنعه. ولك هوية، ولكن هويتك لا تمنحك حق احتقار هوية الآخر. وإذا أردت أن تبحث عن أصل تتعالى به، فامضِ في سلسلة الأصول حتى نهايتها: “كلكم لآدم، وآدم من تراب”.
وهكذا يمكن النظر إلى هذا الحديث بوصفه واحدًا من أكثر النصوص النبوية قدرة على مقاومة أحد أخطر منتجات فائض التمثّل، والمتمثل في وهم التفوق الجمعي. فالإنسان لا يكتفي بأن يتضخم بوصفه فردًا؛ بل يستطيع أن يوسع أناه حتى تشمل قبيلته أو قومه أو عرقه أو أمته، ثم يمارس من خلال هذه الأنا الجمعية النوع نفسه من التعالي الذي تمارسه الأنا الفردية.
ومن هنا فإن المقاربة الميتابايولوجية للحديث تكشف أن مواجهة العنصرية لا تبدأ فقط بتغيير القوانين أو تعديل السلوك، على ما لذلك من قيمة بالغة، وإنما تبدأ في مستوى أعمق: بتفكيك الآلية التمثلية التي تحول الاختلاف إلى تفوق، والانتماء إلى استحقاق، والميراث إلى فضيلة، والهوية إلى ذريعة للهيمنة.
وفي هذا المستوى تحديدًا، يلتقي القرآن العظيم والحديث النبوي الشريف على إعلان حقيقة شديدة البساطة، لكنها كانت ولا تزال من أصعب الحقائق على الإنسان قبولًا: إن الاختلاف لا يصنع التفوق، والأصل لا يصنع الاستحقاق، والإنسان لا يصبح أعظم لأنه ينتمي إلى جماعة يتخيلها هي الأعظم؛ وذلك لأن البشر، قبل جميع الأسماء التي اخترعوها لأنفسهم، وقبل جميع الحدود التي رسموها بينهم، وقبل جميع السلالم التي رتبوا بعضهم فوق بعض على درجاتها، كانوا جميعًا أبناء أصل واحد. كلكم لآدم… وآدم من تراب.
