وهم الاكتفاء وعقدة النقص الوجودي… كيف تحولت “قصور فرنسا” إلى قلاع للاستعمار؟

من يتأمل الجغرافيا الفرنسية يقف مشدوهاً أمام فائض الجمال والوفرة؛ سهول خصبة ممتدة، وأنهار تجري بالخيرات، وطبيعة سُكبت فيها التضاريس بعناية. وفوق هذه الأرض، تتناثر عشرات الآلاف من القصور التاريخية، من قلاع القرون الوسطى الحصينة إلى قصور النهضة والبرجوازية الباذخة. وهذا الغنى الفاحش، الذي يتجلى في العمارة والطبيعة، يضع العقل أمام سؤال أخلاقي وتاريخي حرج: لماذا احتاج بلدٌ يمتلك كل مقومات الرضا والاكتفاء الذاتي أن يعبر البحر، ليجتاح بلاداً آمنة في شمال إفريقيا كالمغرب وتونس والجزائر، ويمارس بحق أهلها أبشع أنواع البطش والتنكيل والتهجير؟ الجواب لا يكمن في الحسابات الاقتصادية والسياسية وحسب، بل يمتد إلى عمق السيكولوجيا البشرية، حيث تلتقي القوة بالهشاشة الوجودية.
في الفلسفة الوجودية، يتميز الإنسان بـ “قلق أصيل” نابع من إدراكه لضعفه وهشاشته أمام الكون والمستقبل. وهذا القلق يولد شعوراً مزمناً بعدم الأمان، واللا-يقين. والمفارقة النفسية هنا هي أن “الجشع” هو ليس وليد الحاجة المادية، بل هو ابعد من الخوف الفلسفي. فالمأزق النفسي للمستعمر يتلخص في أنه لا يستشعر الأمان أبداً؛ فالإنسان، فرداً كان أو إمبراطورية، عندما يفتقد الرضا الداخلي والسلام الوجودي، يترجم هذا الفراغ الجواني إلى رغبة عارمة في التملك الخارجي. فقصور فرنسا الأربعون ألفاً لم تكن كافية لطرد شبح الخوف من الغد، لأن الطمع الامبراطوري هو محاولة يائسة لسد فجوة نفسية وجودية لا تُسد بالمال ولا بالتراب.
تاريخياً، حاولت فرنسا إلحاق جغرافيا مغايرة، تماماً كجغرافيا الجزائر، وجعلها امتداداً لها. وخلف هذا السلوك السياسي يكمن دافع نفسي غريزي يتمثل في الرغبة في التضخم لدرء الفناء. فالمستعمر يرى في ثروات الشعوب الأخرى، وفي إخضاعهم، وسيلة لـ “شحن” كيانه بالقوة؛ إذ أنه لا يحتل الأرض ليعيش فيها بسبب ضيق أرضه، بل يحتلها ليتغذى على سيادتها وثرواتها وكأنه يستمد وجوده من إلغاء وجود الآخر.  فسلب أمان الشعوب الآمنة في شمال إفريقيا كان، في عمقه السيكولوجي، محاولة من المستعمر الفرنسي لسرقة “طمأنينة” هذه الشعوب والاستيلاء عليها لعلها تمنحه الاستقرار النفسي الذي يفتقده في قصوره الباردة. ولكن هذه المعادلة هي معادلة صفرية؛ فالأمان المغموس بدم المظلومين ينقلب لعنة وقلقاً مستمراً.
وهنا لابد من التذكير بأن الانسان، وحتى يستطيع ان يتعايش مع توحشه الغريزي، فإن الحيل النفسية الدفاعية تتدخل لتعينه على تبرير سلوكه الإجرامي. ومن هنا ولدت أطروحة “الرسالة التمدينية” أو “الحضارية” الفضفاضة. فلقد كان الفكر الاستعماري يدرك في لاوعيه حجم التناقض بين شعارات التنوير والحرية في باريس، والمشانق والتعذيب في جبال الأوراس وسهول تونس والمغرب. ولذلك اخترع قناع “تحديث المجتمعات” ليغطي به عري جشعه الوجودي. فلقد كانت المحاكاة الطبقية التي مارسها البرجوازيون في بناء القصور داخل فرنسا، هي نفسها المحاكاة الإمبراطورية التي مارستها الدولة الفرنسية عبر البحار؛ وهي محاولة لفرض التفوق وصناعة صورة ذهنية “مقدسة” متوهمة للذات هرباً من حقيقة ضعفها الداخلي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قصة الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، بالقياس إلى غنى الجغرافيا الفرنسية وثرواتها، هي الشاهد الأكبر في التاريخ الحديث على أن “كيان الإنسان مشروط بالقلق”. فمهما بلغت الامبراطوريات من ترف معماري، ومهما حازت من جنات طبيعية، فإن غياب الرضا النفسي والوعي الأخلاقي يحيل هذا الثراء إلى كيان متوحش يبحث عن التوسع. لقد سعت القوى الاستعمارية إلى التقوِّي بعرَق المستضعفين ودماء الآمنين لعلها تذوق طعم الأمان، لكن التاريخ أثبت أن من يشيّد أمانه على أنقاض أمان الآخرين، يظل طريد الخوف، يعيش في قصر من الوهم لا تستطيع أن تحميه من حقيقته الهشة كل جيوش الأرض.

أضف تعليق