هل يستطيع الذكاء الاصطناعي إعادة بناء التطور الذي لم يحدث؟

من بين جميع الأسئلة التي يفتحها مفهوم “الإنسان الذي لم يوجد قط”، ربما لا يوجد سؤال أكثر اتصالاً بمستقبل المعرفة من هذا السؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على إعادة بناء مسار تطوري لم يتحقق أصلاً؟ وهل يمكن لأداة ظهرت في أكثر مراحل الحضارة الإنسانية تقدماً أن تعود بنا، لا إلى الماضي الذي وقع، بل إلى الماضي الذي كان يمكن أن يقع لو تغير شرط واحد من شروطه؟
قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، أقرب إلى الخيال العلمي. فكيف يمكن إعادة بناء شيء لم يوجد؟ وكيف يستطيع العلم أن يدرس كائناً لم يترك أحفورة، ولا جيناً، ولا أداة، ولا أثراً مادياً واحداً؟ أليس كل حديث عن تطور لم يحدث هو مجرد تأمل حر لا يمكن التحقق منه؟
هذه الاعتراضات مشروعة، لكنها تنطلق من تصور مخصوص لما تعنيه عبارة “إعادة البناء”. فالذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، لا يستطيع أن يخبرنا بما كان سيحدث فعلاً لو لم تقع الانعطافة التطورية الأولى، لأن التاريخ غير المتحقق لا يترك سجلاً يمكن استعادته. ولا توجد في مكان ما نسخة مخفية من “الإنسان البديل” تنتظر أن نكتشفها. إن ما يمكن فعله مختلف تماماً: بناء نماذج محتملة، مقيدة بما نعرفه عن الحياة والتطور والوراثة والأعصاب والسلوك، ثم استكشاف النتائج التي قد تترتب على تغيير بعض شروط المسار الفعلي. والفرق بين الأمرين جوهري. فنحن لا نستعيد تاريخاً مفقوداً، بل نستكشف فضاءً من الإمكانات. وهنا تحديداً تظهر القدرة الاستثنائية للذكاء الاصطناعي؛ فالعقل البشري يستطيع، بلا شك، أن يتخيل مسارات بديلة، وأن يبني تجارب فكرية شديدة العمق، لكن قدرته محدودة في التعامل المتزامن مع أعداد هائلة من المتغيرات والعلاقات والاحتمالات. أما الذكاء الاصطناعي، فيستطيع من حيث المبدأ أن يجمع معطيات قادمة من حقول متباعدة، وأن يبحث عن العلاقات بينها، وأن يبني نماذج متعددة، ثم يقارن نتائجها على نطاق يصعب على العقل الفردي أن يحيط به.
لنتصور، مثلاً، أننا أردنا بناء نموذج أولي لـ”الإنسان الذي لم يوجد قط”. فلن يكون كافياً أن نحذف من الإنسان الحالي بعض صفاته التي لا تعجبنا، ثم نزعم أن ما بقي هو الإنسان البديل. فذلك لن يكون علماً، بل إسقاطاً لرغباتنا على الماضي. فبناء نموذج جاد يقتضي جمع معطيات من البايولوجيا التطورية، والوراثة، وعلم الأعصاب، وعلم الرئيسيات، وسلوك الحيوان، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس التطوري، والبيئة القديمة، ثم محاولة تحديد ما يمكن أن يتغير وما ينبغي أن يبقى ثابتاً إذا تغير عامل مفصلي بعينه.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتركيب المعرفي. فالمشكلة الكبرى في دراسة الإنسان ليست دائماً نقص المعلومات، بل ت ردشتتها. فهناك معلومات في علم الجينات، وأخرى في علم الأعصاب، وثالثة في سلوك الرئيسيات، ورابعة في الأنثروبولوجيا، وخامسة في علم النفس، لكن الباحث الفرد لا يستطيع  هذه المعارف كلها داخل نموذج واحد. أما الذكاء الاصطناعي، فيمكن أن يساعد على اكتشاف العلاقات بين مستويات ظلت منفصلة بسبب الحدود التقليدية بين التخصصات. وهذا ما يجعل دوره مهماً بصفة خاصة للميتابايولوجيا. فالميتابايولوجيا، كما سبق وأن اقترحناها، تدرس الظواهر التي تبدأ في المستوى البايولوجي ثم تمتد آثارها إلى النفس والمجتمع والحضارة والمعرفة. ومن ثم فإن أداتها المثالية ينبغي أن تكون قادرة على التعامل مع مستويات متعددة في الوقت نفسه. والذكاء الاصطناعي، بقدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات وبناء نماذج متعددة المتغيرات، قد يكون أول أداة معرفية تمنح هذا المشروع إمكاناً عملياً لم يكن متاحاً من قبل. لكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
يمكن البدء، من حيث المبدأ، ببناء نموذج للإنسان قبل الانعطافة التطورية المفترضة، اعتماداً على ما نعرفه عن أسلاف الإنسان وعن الرئيسيات وسائر الثدييات. ثم تُحدد مجموعة من الخصائص التي تفترض النظرية أنها تغيرت بعد الانعطافة: تنظيم التمثّل، وأنماط العدوان، وتنظيم الدافع الجنسي، وربما خصائص جسدية أو مناعية أخرى إذا قدمت الأدلة المستقلة ما يدعم إدراجها. بعد ذلك يمكن بناء نماذج متعددة، وليس نموذجاً واحداً؛ في أحدها يُفترض عدم وقوع التحول في فائض التمثّل، وفي آخر يُفترض بقاء العدوان ضمن حدوده الوظيفية، وفي ثالث يُفترض بقاء النشاط الجنسي أكثر ارتباطاً بوظيفته البايولوجية، وفي نماذج أخرى يمكن تغيير أكثر من عامل في الوقت نفسه. ثم يُطرح السؤال: ما النتائج المتوقعة لكل مسار؟ وهل ستظهر اللغة الرمزية بالصورة نفسها؟ وهل ستنشأ الحضارة التراكمية؟ وهل ستظهر الإيديولوجيات؟ وهل يمكن أن تتشكل دول وإمبراطوريات؟ وهل ستنشأ الحروب المنظمة؟ وهل سيظهر القلق الوجودي؟ وهل يمكن أن يوجد علم من دون فائض التمثّل؟ وهل يمكن أن يظهر ذكاء متقدم لا يشبه الذكاء البشري في بنيته النفسية والحضارية؟
إن الذكاء الاصطناعي لا يجيب عن هذه الأسئلة بإصدار حكم نهائي، بل بتحويلها إلى فضاء من النماذج القابلة للمقارنة. وكل نموذج يمكن أن يُختبر من حيث اتساقه الداخلي، وانسجامه مع القوانين المعروفة، وقدرته الفعلية على تفسير الوقائع. وهنا نصل إلى تحول مهم في معنى المحاكاة نفسها؛ فالمحاكاة لا تكون نسخة من التاريخ، بل مختبراً للاحتمال.
إننا لا نسأل الآلة: “أخبرينا ماذا كان سيحدث”، وإنما نقول لها: “في ضوء هذه المعطيات وهذه القيود، ما المسارات الممكنة؟ وما النتائج التي يفضي إليها كل مسار؟ وأي النماذج أقل تناقضاً مع ما نعرفه عن الحياة؟”
وهذا الفارق يحمي البحث من وهم خطير؛ هو الاعتقاد بأن القوة الحسابية تستطيع تحويل الاحتمال إلى حقيقة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته، لا يستطيع أن يعوض غياب الدليل التاريخي. وإذا كانت الفرضية الأصلية غير صحيحة، فقد يبني نماذج شديدة التعقيد حول افتراض خاطئ. وإذا كانت البيانات ناقصة أو منحازة، فإن النتائج ستعكس هذا النقص والانحياز. ولهذا ينبغي أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداةً لا حَكَماً؛ إذ أنه يستطيع أن يكشف التناقضات، وأن يقارن الاحتمالات، وأن يختبر الاتساق، وأن يقترح علاقات لم تكن ظاهرة، لكنه لا يمنح الفرضية صدقها بمجرد قدرته على محاكاتها. فالنموذج الأكثر أناقة ليس بالضرورة التاريخ الذي كان سيقع، كما أن النموذج الأكثر تعقيداً ليس بالضرورة الأكثر صدقاً.
غير أن هذه الحدود لا تقلل من أهمية الإمكان الجديد، بل تحدد طبيعته بدقة. فللمرة الأولى قد يصبح بمقدورنا بناء “مختبر تطوري افتراضي” لا يعيد تشغيل الماضي، وإنما يستكشف الشروط التي كان يمكن أن تغيره.
وهذا المختبر قد يغير طريقة دراسة الإنسان، فبدلاً من النظر إلى الإنسان الحالي بوصفه المعطى الوحيد الذي يجب تفسيره، يصبح من الممكن وضعه داخل مجموعة من النماذج البديلة. وعندئذ يمكن أن نسأل: أي من خصائصه تبدو ضرورية لأي كائن ذكي؟ وأيها تبدو مرتبطة بمساره التاريخي الخاص؟ وهل الحضارة هي نتيجة حتمية للذكاء أم أنها نتيجة لنوع مخصوص من الذكاء؟ هل العنف واسع النطاق ملازم للتقدم المعرفي أم أنه نتاج تفاعل خاص بين الذكاء وفائض العدوان؟ وهل القلق الوجودي ثمن ضروري للوعي أم أنه نتيجة لفائض التمثّل؟
هذه الأسئلة تتجاوز دراسة الماضي لتصل إلى فلسفة الذكاء نفسه. فإذا أمكن تصور ذكاء متقدم لا يمتلك البنية النفسية نفسها التي يمتلكها الإنسان، فإن ذلك سيجبرنا على التخلي عن الاعتقاد بأن الذكاء البشري هو النموذج الوحيد الممكن للذكاء. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي نفسه جزءاً من السؤال، لا مجرد أداة للإجابة عنه.
فلأول مرة في تاريخ الإنسان، أصبح في مواجهته نظام قادر على أداء عمليات معرفية معقدة من دون أن يكون إنساناً، ومن دون أن يحمل بالضرورة التاريخ التطوري نفسه الذي حمله الإنسان. وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يمثل “الإنسان البديل”، لكنه يقدم دليلاً مفاهيمياً بالغ الدلالة على أن الأداء الذكي لا يلزم أن يتخذ صورة بشرية واحدة. ومن هنا قد يحدث لقاء معرفي غير مسبوق بين مشروعين: مشروع إعادة بناء الذكاء الذي كان يمكن للطبيعة أن تنتجه، ومشروع بناء ذكاء جديد تنتجه التكنولوجيا. وقد يساعد كل منهما على فهم الآخر.
فالإنسان البديل يجعلنا نسأل عن أشكال الذكاء الطبيعي الممكنة، والذكاء الاصطناعي يجعلنا ندرك عملياً أن الذكاء ليس مرادفاً للإنسان. وبين الاثنين قد ينشأ علم جديد للإمكانات الذكية، لا يدرس فقط الذكاء الذي ظهر، بل فضاء الصور التي يمكن للذكاء أن يتخذها.
وهنا تبلغ فكرة “التطور الذي لم يحدث” أفقاً أبعد من إعادة بناء الماضي. فهي تصبح وسيلة للتفكير في المستقبل أيضاً. فإذا استطعنا أن نفهم أن الإنسان الحالي هو ليس الصورة الوحيدة الممكنة للكائن الذكي، فقد نصبح أكثر قدرة على فهم أشكال الذكاء الجديدة التي قد تظهر، سواء كانت بايولوجية أو اصطناعية أو هجينة.
ولعل هذا هو الأثر الأعمق للذكاء الاصطناعي في الميتابايولوجيا. فهو لا يمنحنا آلة زمن تعيدنا إلى الماضي، لكنه قد يمنحنا شيئاً مختلفاً يتمثل في آلة لفتح فضاء الإمكان، ومن خلال هذا الفضاء يمكن أن نضع الإنسان الذي وُجد بجوار الإنسان الذي لم يوجد، والذكاء الذي أنتجته الطبيعة بجوار الذكاء الذي تنتجه التكنولوجيا، ثم نطرح سؤالاً كان من الصعب حتى تصوره من قبل: أي جوانب الإنسان تنتمي حقاً إلى الذكاء، وأيها تنتمي إلى التاريخ الخاص الذي صنع هذا النوع من الذكاء فحسب؟ وربما حين يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدتنا على طرح هذا السؤال بدقة، سيكون قد أدى دوراً أكبر من مجرد محاكاة تطور لم يحدث. سيكون قد ساعد الإنسان على اكتشاف أن صورته الحالية ليست المقياس الوحيد لما يمكن للعقل أو الحياة أو الذكاء أن يكونه.

أضف تعليق