
من بين أكثر المفاهيم التي حظيت بمكانة رفيعة في تاريخ الفكر الإنساني، يبرز الشك بوصفه واحدًا من أهم الأدوات التي مكّنت العقل من التحرر من المسلّمات، ومراجعة الموروثات، واختبار الادعاءات، والتمييز بين ما نعرفه حقًا وما نظن أننا نعرفه. ولولا الشك المنهجي، لما أمكن للعلم أن يتقدم على النحو الذي تقدم به؛ إذ أن الباحث لا يبدأ من التسليم المطلق، وإنما من السؤال، ولا يقبل الادعاء لمجرد شيوعه، وإنما يطالب بالدليل، ولا يعد النظرية حقيقة نهائية، وإنما يبقيها مفتوحة على الاختبار والمراجعة والتفنيد.
غير أن هذا الوجه المضيء للشك قد حجب عنّا وجهًا آخر أشد ظلمة وخطورة. فالشك ليس، في حياة الإنسان، مجرد أداة معرفية يستخدمها حين يدخل المختبر أو يقرأ بحثًا أو يفحص فرضية ثم يضعها جانبًا حين يعود إلى حياته اليومية. فالشك، في كثير من الأحيان، واحد من أكثر الحالات الذهنية ملازمةً للإنسان في علاقته بالآخر، كائنًا من كان هذا الآخر. وهو لا يدخل هذه العلاقات دائمًا معلنًا عن نفسه، بل يتسلل إليها في خفاء، ويتقدم داخلها ببطء، ويعمل على تفكيكها آصرةً بعد آصرة، حتى يجد الإنسان نفسه، في نهاية المطاف، أمام علاقة لم يهدمها حدث واحد كبير، وإنما أكلها الشك من داخلها كما يأكل الصدأ المعدن. فما أكثر علاقات الزمالة التي أفسدها الشك في النوايا. وما أكثر علاقات الصداقة التي انهارت لأن أحد الطرفين بدأ يفسر كل كلمة أو صمت أو تأخر أو تصرف على أسوأ وجه ممكن. وما أكثر روابط الأخوة والقرابة التي تفككت لأن الشك تسلل إلى النفوس، فصار كل فعل يحتمل تأويلًا خفيًا، وكل كلمة تخفي وراءها مقصدًا آخر، وكل نجاح للآخر مدعاةً للريبة، وكل خطأ دليلًا على مؤامرة كانت تنتظر لحظة ظهورها. وما أكثر الزيجات التي لم تهدمها خيانة ثبت وقوعها، وإنما هدمها احتمال خيانة لم يثبت قط، ثم ظل هذا الاحتمال يتضخم في الوعي حتى أصبح، في أثره النفسي والسلوكي، أقوى من الحقيقة نفسها.
وهنا تتجلى واحدة من أعجب خصائص الشك البشري والتي تتمثل في كونه لا يحتاج دائمًا إلى واقعة كي يبدأ عمله. فالشك تكفيه احتمالية، بل قد لا يحتاج حتى إلى هذه الاحتمالية المرجحة؛ فقد تكفيه احتمالية بعيدة، ثم يتولى العقل البشري بعد ذلك إمدادها بما تحتاج إليه من الصور والسيناريوهات والتفسيرات حتى تتحول من احتمال إلى شبه يقين. فالإنسان لا يشك فقط فيما رآه أو سمعه، وإنما يستطيع أن يشك فيما لم يقع، وأن يبني سلسلة كاملة من الاستنتاجات على حدث متخيَّل، ثم يتعامل مع الآخر وفقًا لما انتهى إليه من استنتاجات، وكأن الحدث المتخيَّل قد وقع بالفعل. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الشك بوصفه واحدًا من أكثر تجليات فائض التمثّل خطورةً في الحياة الإنسانية. فالإنسان لا يكتفي بإدراك ما يفعله الآخر، وإنما يمثل في وعيه ما قد يكون قد قصده، وما يمكن أن يكون قد أخفاه، وما ربما يخطط لفعله لاحقًا. ثم لا يلبث أن يتفاعل، ليس مع الآخر كما هو، بل مع تمثّله للآخر. وهنا تبدأ الكارثة: إذ يصبح الإنسان قادرًا على معاقبة شخص على نية لم يثبت أنه نواها، وعلى كراهيته بسبب مقصد لم يثبت أنه قصده، وعلى قطع علاقته به بسبب مستقبل لم يقع، وعلى شن حرب عليه بسبب فعل لم يرتكبه بعد.
ولعل التاريخ السياسي والعسكري يقدم لنا أكثر صور هذه الظاهرة فداحةً. فكم من حرب لم تبدأ لأن أحد الطرفين هاجم الآخر بالفعل، وإنما لأن أحدهما شك في أن الآخر قد يهاجمه. وكم من سباق تسلح بدأ لأن دولةً لم تعد تطمئن إلى نوايا دولة أخرى، فردت هذه الأخيرة على استعداد الأولى باستعداد أكبر، فازداد شك الأولى، ثم ازداد تسلحها، وهكذا دخل الطرفان في حلقة لا يحتاج استمرارها إلى عدو يريد الحرب حقًا؛ إذ يكفي أن يشك كل طرف في أن الآخر قد يريدها.
وهكذا يستطيع الشك أن يصنع بنفسه الواقع الذي كان يخشاه. فالطرف الذي يخشى عدوان الآخر قد يتصرف حياله بعدوانية استباقية، فيدفعه بذلك إلى اتخاذ موقف عدائي، ثم ينظر إلى هذا الموقف بوصفه دليلًا على أن شكه الأول كان صحيحًا. وبذلك يتحول الشك من مجرد تصور للواقع إلى قوة تشارك في إنتاجه. فالإنسان قد يخشى عدوه حتى يصنعه، وقد يشك في صديقه حتى يفقده، وقد يتوجس من شريكه حتى يدفع العلاقة إلى الانهيار، ثم يقف أمام الخراب الذي شارك شكه في صنعه قائلًا: ألم أقل إن شكي كان في محله؟
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها حين ينتقل الشك من العلاقات الإنسانية إلى المجال الذي يفترض أنه وجد فيه أرقى استخداماته: مجال المعرفة والعلم. فالشك العلمي الأصيل ليس حكمًا، وإنما هو تعليق للحكم. وليس إنكارًا، وإنما هو امتناع مؤقت عن التصديق إلى أن تتوافر الأدلة الكافية. وليس إعلانًا بأن الظاهرة مستحيلة، وإنما هو سؤال عما إذا كانت الأدلة المتاحة تكفي لإثباتها. ولذلك فإن الباحث الحقيقي لا يقول: “أنا أشك، إذاً هذا غير موجود”، وإنما يقول: “أنا أشك، ولذلك سأبحث”.
وهذا الفارق، على بساطته الظاهرة، يفصل بين الشك بوصفه أداة للمعرفة والشك بوصفه عقيدة مضادة للمعرفة. فحين يتحول الشك إلى موقف سابق على البحث، يصبح المتشكك قادرًا على ارتكاب الخطأ نفسه الذي ينسبه إلى المؤمن غير النقدي. فكما قد يصدق أحدهم ادعاءً من دون دليل، قد ينفي آخر ادعاءً من دون دليل كافٍ على نفيه. وكما أن التصديق غير المشروط ليس علمًا، فإن الإنكار غير المشروط ليس علمًا هو الآخر. والمنهجية العلمية لا تمنح الشك امتيازًا يجعله معفى من عبء الإثبات؛ لأن القول باستحالة وجود ظاهرة ما قد يكون، في بعض الحالات، ادعاءً أكبر بكثير من القول بإمكان وجودها.
ومع ذلك، كثيرًا ما نرى الشك وقد تحول من نقطة بداية للبحث إلى نقطة نهاية تسبق البحث نفسه. فما أن تُطرح ظاهرة غير مألوفة، أو نتيجة لا تنسجم مع النموذج السائد، أو تفسير يهدد بعض المسلمات الراسخة، حتى يُستدعى الشك لا لكي يحفز على المزيد من الفحص، بل لكي يغلق باب الفحص. ويُطلب من الظاهرة الاستثنائية، أحيانًا، أن تقدم من الأدلة ما لا يُطلب من الظواهر المنسجمة مع المألوف، ثم تُفسر كل ثغرة في بياناتها بوصفها دليلًا على بطلانها، في حين تُعامل الثغرات الموجودة في النظريات السائدة بوصفها مشكلات مؤقتة سيحلها البحث مستقبلًا.
وهنا لا يعود الشك محايدًا؛ ولكنه يصبح انتقائيًا. فهو لا يشك في جميع الاحتمالات بالقدر نفسه، وإنما يشك بشدة فيما يخالف النموذج الذي اعتاده، بينما يمنح ما ينسجم مع هذا النموذج قدرًا أكبر من التسامح. وبذلك قد يتحول المتشكك، من حيث لا يشعر، إلى مدافع عن يقين مقنّع بثياب الشك. فهو يظن أنه يقاوم الاعتقاد، في حين أنه قد يكون في حقيقة الأمر يدافع عن اعتقاد سابق؛ ويظن أنه يطالب بالدليل، في حين أنه قد يكون قد قرر مسبقًا أي نوع من الأدلة يسمح له بأن يكون دليلًا.
إن روح البحث العلمي لا تقتضي منا أن نصدق كل ادعاء، ولكنها لا تبيح لنا كذلك أن ننفي كل ما لا ينسجم مع معارفنا الراهنة. فبين السذاجة التي تصدق كل شيء والدوغمائية التي تستبعد كل شيء، توجد المنطقة الحقيقية التي يعمل فيها العلم: منطقة الاحتمال، والفحص، والتثبت، وتعليق الحكم، والاستعداد لتغيير الموقف إذا تغيرت الأدلة.
ولذلك فإن أخطر انحراف يمكن أن يصيب الشك هو أن يتحول من سؤال إلى جواب.
فالسؤال: “هل هذه الظاهرة موجودة؟” هو سؤال علمي، أما القول: “إنها غير موجودة لأنني أشك في وجودها”، فليس نتيجة علمية، مهما بدا صاحبه متشككًا وعقلانيًا.
والسؤال: “هل يمكن أن يكون لهذا الحدث تفسير آخر؟” هو سؤال علمي، أما استبعاد تفسير ما قبل فحص معطياته، لمجرد أنه غير مألوف أو لا ينسجم مع النموذج السائد، فليس ممارسةً للشك المنهجي، وإنما هو ممارسة ليقين سابق يتخفى في صورة الشك.
ومن هنا يمكن القول إن الشك يمثل واحدة من أعظم مفارقات العقل البشري. فهو قادر على تحرير الإنسان من الوهم، وقادر كذلك على سجنه فيه. يستطيع أن يحميه من الخداع، ويستطيع أن يجعله يرى الخداع حيث لا يوجد. ويستطيع أن ينقذ العلم من الايديولوجيا، ويستطيع أن يتحول هو نفسه إلى ايديولوجيا. يستطيع أن يمنع الإنسان من أن يكون ساذجًا، لكنه يستطيع أيضًا أن يمنعه من أن يكون منصفًا.
ولعل المشكلة الأعمق لا تكمن في الشك نفسه، وإنما في عجز الإنسان عن الشك في شكه. فالإنسان الذي يشك في الآخر قد لا يسأل نفسه: ماذا لو كان شكي هو المشكلة؟ والباحث الذي يشك في ظاهرة قد لا يسأل: ماذا لو كانت معايير استبعادي لها هي التي تحتاج إلى المراجعة؟ والدولة التي تشك في خصمها قد لا تتساءل: ماذا لو كانت تصرفاتي الناتجة عن هذا الشك هي التي تدفعه إلى أن يصبح الخطر الذي أخشاه؟
وهنا ربما نصل إلى المستوى الأعلى من النضج المعرفي والأخلاقي، وذلك ليس بألا نشك في الأشياء والآخرين فحسب، بل أن نُخضع الشك نفسه للمراجعة. أن نسأل عن أدلته، وعن مصادره، وعن تحيزاته، وعن مقدار ما فيه من الواقع ومقدار ما أضافه إليه فائض التمثّل. فالشك الذي لا يشك في نفسه يمكن أن يصبح يقينًا مستبدًا. والشك الذي يسبق الدليل يمكن أن يتحول إلى حكم. والشك الذي يُعامل الاحتمال بوصفه واقعاً يستطيع أن يهدم علاقة. والشك الذي يعامل حدود معرفتنا بوصفها حدودًا للوجود يستطيع أن يعطل المعرفة نفسها.
ولذلك، فإن الحضارة الإنسانية ربما لا تحتاج إلى المزيد من الشك فحسب، وإنما إلى أخلاق للشك وإبستمولوجيا للشك؛ أخلاق تمنعنا من إدانة الآخر بما لم يثبت، وإبستمولوجيا تمنعنا من نفي ما لم نفهمه بعد.
فالشك الحقيقي هو ليس ذلك الذي يقول: “لا أصدق”، ولكنه الذي يمتلك الشجاعة الفكرية ليقول: “لا أدري بعد”. وربما كانت هذه العبارة القصيرة واحدة من أصعب العبارات على الإنسان لأنها لا تمنحه لذة اليقين، ليس يقين المؤمن بالادعاء، ولا يقين المتشكك في نفيه، ولكنها تترك الباب مفتوحًا أمام الحقيقة. والحقيقة لا تحتاج منا أن نصدقها قبل أن نعرفها، كما لا تحتاج منا أن ننكرها قبل أن نفحصها؛ إنها تحتاج، قبل كل شيء، إلى عقل يستطيع أن يشك دون أن يجعل من شكه حقيقةً أخرى لا يجوز الشك فيها.
