
من بين أكثر المفارقات السلوكية غرابةً في عالم الإنسان تلك المفارقة التي تجعل من العدوان، وهو في جوهره قوة هادمة، أداة لبناء الجماعات، وصناعة الهويات، وتقوية الروابط بين الأفراد. فالعدوان، بحكم تعريفه، هو فعلٌ موجَّه ضد الآخر يهدف إلى إقصائه أو إيذائه أو تحقيره أو إضعافه أو القضاء عليه. ولذلك يبدو من غير المعقول، للوهلة الأولى، أن تكون لهذه القوة السلبية وظيفةٌ إيجابية في تشكيل العلاقات الإنسانية. فكيف يمكن لما يفرّق أن يجمع؟ وكيف يمكن لما يصنع العداوة أن يصنع الصداقة؟ وكيف تستطيع الكراهية الموجَّهة إلى شخص ثالث أن تتحول إلى رابطة تقرّب بين شخصين لم يكن بينهما، لولا تلك الكراهية، ما يكفي من أسباب التقارب؟
غير أن تاريخ الإنسان، كما تكشف عنه الحياة اليومية بأبسط صورها، يضعنا أمام حقيقة يصعب إنكارها؛ فكثيرًا ما يتقارب البشر، لا لأن بينهم ما يكفي من الحب المتبادل، بل لأن بينهم ما يكفي من الكراهية المشتركة للآخر. وكثيرًا ما تنشأ الجماعة، لا حول ما تحبه، بل حول ما تكرهه، بل أن بعض العلاقات التي تبدو، من الخارج، قائمةً على الانسجام والتفاهم والتآلف، قد لا يكون الرابط الحقيقي بين أطرافها إلا اتفاقًا صريحًا أو ضمنيًا على معاداة فرد آخر أو جماعة أخرى.
وهنا تظهر واحدة من أخطر خصائص العدوان البشري، والتي تتمثل في كونه لا يكتفي بأن يكون قوةً تدفع الإنسان ضد الآخر، بل يستطيع أن يتحول إلى قوة تنظيمية تعيد توزيع البشر إلى معسكرات. فما أن يظهر “العدو” حتى يظهر، في الجهة المقابلة، “نحن”. وما أن يُعرَّف الآخر بوصفه خطرًا أو خصمًا أو منحرفًا أو شريرًا حتى تبدأ الجماعة، في اللحظة نفسها، بتعريف ذاتها بوصفها نقيضه. وهكذا لا يعود العدو مجرد شخص يقع خارج الجماعة، بل يصبح عنصرًا خفيًا من عناصر بنائها الداخلي. فالعدو، في عالم الإنسان، لا يهدد الهوية فحسب؛ إذ أنه كثيرًا ما يساعد على صناعتها.
ومن هنا يمكن فهم ذلك المثل العربي القديم: “أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب”. فهذا القول، على بساطته، يكشف بنيةً عميقة من بنى الاجتماع البشري. فالحدود بين “الأنا” و”النحن” ليست ثابتة، وإنما يعاد رسمها تبعًا لموقع العدو. فإذا وقع الصراع بين الأخوين ضاقت دائرة الانتماء، وإذا ظهر ابن العم اتحد الأخوان ضده، وإذا ظهر الغريب اتسعت الدائرة لتضم الأخ وابن العم معًا. وبذلك يصبح السؤال “من نحن؟” مرتبطًا، في كثير من الأحيان، بسؤال آخر لا يقل عنه قيمة دلالية “من هو عدونا؟”.
ولعل تاريخ البشرية كله يمكن قراءته، من زاوية معينة، بوصفه سلسلة متواصلة من عمليات توسيع دائرة “نحن” أو تضييقها تبعًا لحجم “هم”. ففي المجتمعات القديمة توزعت البشرية قبائل تتماسك كل واحدة منها في مواجهة القبائل الأخرى. ثم ظهرت الممالك والإمبراطوريات، فكبر حجم الجماعة وكبر معه حجم العدو. ثم جاءت الدولة القومية، فأصبح ملايين البشر الذين لا يعرف بعضهم بعضًا مستعدين للشعور بوحدة المصير لأنهم ينتمون إلى وطن واحد يقف في مواجهة أوطان أخرى. ولم يتوقف الأمر عند القبيلة والدولة. فقد انقسم البشر إلى أحزاب سياسية، وحركات أيديولوجية، وطوائف، ومذاهب، وفرق، وملل ونِحل، بل وإلى أندية رياضية وجماعات ثقافية ومدارس فكرية، يستطيع كل منها أن يستمد جزءًا من تماسكه الداخلي من وجود منافس أو خصم أو عدو خارجي. وكلما اشتدت الخصومة مع الخارج، أمكن أن تخفت، ولو مؤقتًا، الخلافات في الداخل. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ إذ قد يحتاج بعض البشر إلى “عدو” لكي يستطيعوا أن يكونوا أصدقاء. ولكي ندرك هذه الحقيقة في أبسط صورها، يكفي أن نتخيل مقهى واسعًا تنتشر فيه الطاولات، ويجلس عند كل طاولة شخصان أو ثلاثة أو أكثر. فإذا دخل مراقب لا يعرف لغة الجالسين، ولا يستطيع سماع أحاديثهم، فقد يخرج بانطباع شديد الإيجابية عن الجنس البشري. سيرى الوجوه المتقاربة، والابتسامات المتبادلة، والضحكات، والإيماءات التي تدل على الاتفاق، وسيظن أنه أمام مشهد رائع من مشاهد الألفة الإنسانية. غير أن الصورة قد تتغير تمامًا لو مُنح هذا المراقب، بطريقة ما، القدرة على سماع ما يدور عند بعض تلك الطاولات. فقد يكتشف أن جانبًا من ذلك الانسجام لم يكن قائمًا على محبة متبادلة بقدر ما كان قائمًا على عداء مشترك. شخصان يتقاربان لأنهما يتحدثان بالسوء عن شخص ثالث. وثلاثة يشعرون بالانسجام لأنهم اتفقوا على إدانة رابع. وجماعة صغيرة تتبادل مشاعر الاستحسان لأنها صنعت، في غياب شخص آخر، صورةً سلبية عنه يستطيع الجميع الاتفاق عليها. وهنا تصبح الغيبة والنميمة والتشهير والسخرية والتحقير صورًا مصغرة من الآلية نفسها التي تعمل، على نطاق أوسع، في الصراعات السياسية والدينية والقومية. فالاختلاف بين ما يحدث حول طاولة صغيرة وما يحدث بين الدول الكبرى ليس دائمًا اختلافًا في البنية، وإنما قد يكون اختلافًا في الحجم والوسائل والنتائج. وبهذا المعنى، فهي حرب الطاولة الصغيرة. فكما يجتمع شخصان على ثالث، قد تجتمع جماعة على جماعة، وحزب على حزب، وطائفة على طائفة، وشعب على شعب، وتحالف دولي على تحالف آخر. وفي جميع هذه المستويات تعمل آلية واحدة تتمثل في تقوية الداخل عن طريق إنتاج الخارج المعادي.
ولهذا كثيرًا ما يكون وجود العدو، أو حتى مجرد الاعتقاد بوجوده، ذا وظيفة سياسية واجتماعية بالغة الخطورة. فالسلطة التي تعاني انقسامات داخلية قد تجد في العدو الخارجي وسيلةً لإعادة توحيد المجتمع حولها. والجماعة التي بدأت روابطها الداخلية تضعف قد تستعيد تماسكها إذا أقنعت أفرادها بأن خطرًا ما يتهددهم جميعًا. والحركة التي تفقد قدرتها على إقناع أتباعها بما تدعو إليه قد تحافظ على وجودها، مدة أطول، إذا نجحت في إقناعهم بمن ينبغي لهم أن يخافوا منه أو يكرهوه.
ولذلك لا يكون العدو دائمًا حقيقةً مكتشفة؛ فقد يكون، في بعض الأحيان، حاجةً يتم البحث لها عن موضوع. فإذا لم يوجد عدو واضح، أمكن تضخيم خصم صغير. وإذا لم يوجد خطر حقيقي، أمكن تحويل احتمال بعيد إلى تهديد وشيك. وإذا لم يوجد شخص يصلح لأن يحمل صورة الشر، أمكن بناء هذه الصورة تمثليًا، ثم إسقاطها عليه. وهنا يتدخل فائض التمثّل ليمنح فائض العدوان عالمًا رمزيًا يكاد يكون غير محدود. فالإنسان لا يعادي فقط من يهاجمه بالفعل، وإنما يستطيع أن يعادي صورةً صنعها في ذهنه عن الآخر، أو نيةً نسبها إليه، أو خطرًا يتوقعه منه، أو عقيدةً يعتقد أنه يمثلها، أو هويةً ورثها ذلك الآخر من غير اختيار. وبذلك يتحرر العدوان البشري من حدود المواجهة المباشرة.
فالحيوان قد يصارع حيوانًا آخر على الغذاء أو المجال أو التزاوج أو حماية الصغار، لكن الإنسان يستطيع أن يعادي إنسانًا لم يلتقِ به قط، وأن يكره ملايين البشر الذين لا يعرف واحدًا منهم، وأن يرث عداوةً بدأت قبل ولادته بقرون، وأن يُورِّثها بدوره إلى أجيال لم تولد بعد. كما ويستطيع أن يقاتل من أجل راية، أو اسم، أو تأويل، أو ذاكرة تاريخية، أو هوية متخيلة، أو حدود رسمها بشر ماتوا منذ زمن بعيد. وهنا لا يعود العدوان مجرد استجابة بايولوجية لخطر حاضر، بل يصبح نظامًا تمثليًا قادرًا على إنتاج العدو والمحافظة عليه وإعادة إنتاجه عبر الأجيال.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن الجماعة تستطيع، بمرور الزمن، أن تصبح معتمدةً على عدوها اعتمادًا خفيًا. فهي تعلن أنها تريد القضاء عليه، لكنها قد تفقد إذا اختفى، جزءًا من المبرر الذي كانت تستمد منه وحدتها. وقد يبدو هذا القول متناقضًا، غير أن التاريخ يقدم لنا نماذج كثيرة لجماعات أعادت تعريف أعدائها كلما اختفى عدو قديم، كأن بنية الهوية نفسها لا تستطيع الاستمرار من دون “عدو آخر” تواجهه. فبعض الهويات لا تقول: نحن ما نحن عليه لأننا نملك هذه القيم، بقدر ما تقول: نحن ما نحن عليه لأننا لسنا أولئك.
ومن هنا نفهم كيف يستطيع الإنسان أن يحوّل العدوان إلى مصدر للشرعية. فالحزب يبرر وجوده بخصومه، والطائفة تؤكد تماسكها في مواجهة الطوائف الأخرى، والدولة تستحضر الأخطار المحيطة بها، والحضارة قد تعرّف نفسها في مقابل “البرابرة”، والمؤمن المتعصب قد يحتاج إلى “الضال” لكي يزداد يقينًا بأنه مهتدٍ. وفي جميع هذه الحالات لا يعود الآخر إنسانًا قائمًا بذاته، وإنما يتحول إلى وظيفة يؤديها داخل تمثّل الجماعة لنفسها. فيصبح المرآة السلبية التي ترى الجماعة فيها صورتها الإيجابية.
ولعل ما تقدم يعيننا على تبين المعنى الحقيقي لقول الله تعالى لأبوينا آدم وزوجه: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} (طه: 123). فالعداوة هنا لا تبدو حادثةً هامشية ستقع عرضًا في التاريخ البشري، وإنما تظهر بوصفها حقيقةً سترافق الوجود الإنساني بعد الهبوط. والمثير للتأمل أن التاريخ البشري لم يكشف عن العداوة بوصفها مجرد علاقة بين طرفين متخاصمين، بل كشف عن قدرتها على أن تصبح إحدى القوى التي تعيد تنظيم البشر أنفسهم: تجمع بعضهم ببعض لأنها تضعهم في مواجهة بعض آخر. وبهذا المعنى، يمكن أن نقرأ تاريخ الاجتماع البشري بوصفه تاريخًا مزدوجًا: تاريخًا لما جمع البشر، وتاريخًا لمن جمعهم ضده.
وهذه التفرقة ضرورية؛ لأن الوحدة ليست دائمًا فضيلة لمجرد أنها وحدة، كما أن التضامن ليس دائمًا خيرًا لمجرد أنه تضامن. فقد يتضامن الناس على الرحمة، وقد يتضامنون على العدوان. وقد يجتمعون لنصرة مظلوم، وقد يجتمعون لظلم بريء. وقد تتقوى أواصر الصداقة بينهم لأنهم يتبادلون الخير، وقد تتقوى لأنهم يتبادلون الكراهية تجاه شخص ثالث. ومن هنا ينبغي ألا نخدع أنفسنا بالمظاهر الاجتماعية للانسجام. فليس كل اجتماعٍ محبة، وليس كل اتفاقٍ خيرًا، وليس كل تماسكٍ دليلًا على صحة الأساس الذي قام عليه. إن السؤال الأخلاقي الحقيقي هو ليس: ما مدى قوة الرابطة بين أفراد الجماعة؟ فحسب، بل أيضًا: ممَّ صُنعت هذه الرابطة؟ هل صُنعت من التعاون، أم من الحاجة إلى عدو؟ هل قامت على قيمة مشتركة، أم على كراهية مشتركة؟ هل يعرف أفراد الجماعة بعضهم من خلال ما يحبونه، أم لا يستطيعون معرفة أنفسهم إلا من خلال من يكرهونه؟
إن هذه الأسئلة تقودنا إلى مفارقة ربما كانت من أكثر مفارقات الإنسان إثارةً للقلق: أن العدوان الذي يفترض أن يفرّق البشر يستطيع أن يجمعهم، ولكن الثمن هو أن يكون هناك دائمًا شخص ما خارج دائرة هذا الاجتماع يدفع ثمن وحدتهم.
وهنا يتجلى أحد أعمق الفروق بين الاجتماع الإنساني في صورته الأخلاقية العليا والاجتماع القائم على فائض العدوان. ففي الحالة الأولى، تتسع دائرة “نحن” كلما ارتقى الإنسان أخلاقيًا؛ أما في الثانية، فلا تستطيع “نحن” أن توجد إلا إذا صنعت “هم”. ولا تستطيع الجماعة أن تشعر بقوتها إلا إذا وجدت من تستضعفه، ولا ببراءتها إلا إذا وجدت من تحمّله الشر، ولا بوحدتها إلا إذا وجدت من توجه إليه عدوانها.
ولذلك فإن أعظم اختبار أخلاقي لأي جماعة هو ليس مقدار تماسكها حين تواجه عدوًا، بل قدرتها على البقاء متماسكة من دون أن تحتاج إلى اختراع عدو.
ولعل الحضارة الإنسانية لن تبلغ طورًا جديدًا من النضج إلا حين يتعلم الإنسان أن يصنع صداقاته من المحبة المشتركة، لا من الكراهية المشتركة؛ وأن يبني هويته بما هو عليه، لا بمن يعاديه؛ وأن يجد في الآخر المختلف فرصةً لتوسيع عالمه، لا مادةً يحتاج إليها لكي يقنع نفسه بأنه ينتمي إلى جماعة.
فعندئذ فقط قد يبدأ الإنسان في التحرر من واحدة من أقدم وأخطر آليات فائض العدوان: تلك الآلية التي جعلته، طوال تاريخه، قادرًا على أن يحوّل العداوة إلى رابطة، والخصم إلى ضرورة، والحرب إلى مصنعٍ خفيٍّ للوحدة.
