
من بين جميع المفاهيم التي استخدمها الإنسان لفهم نفسه، ربما لا يوجد مفهوم أكثر حضوراً، وغموضاً في الوقت نفسه، من مفهوم “الطبيعة البشرية”. فمنذ أقدم الفلسفات، حاول الإنسان أن يحدد ما الذي يجعله إنساناً، أهو العقل؟ أم اللغة؟ أم الوعي؟ أم الأخلاق؟ أم الاجتماع؟ أم القدرة على صنع الأدوات؟ أم البحث عن المعنى؟ وقد اختلفت الإجابات باختلاف العصور والمدارس، لكن معظمها اشترك في افتراض ضمني واحد هو أن هناك شيئاً ثابتاً نسبياً يمكن أن نسميه الطبيعة البشرية.
غير أن نظرية الانعطافة التطورية الأولى تضع هذا الافتراض أمام سؤال جديد؛ فإذا كان الإنسان الذي نعرفه لم يكن النتيجة الوحيدة الممكنة للتطور، وإذا كانت خصائصه الحالية قد تشكلت نتيجة تحول مفصلي غيّر مسار تطوره، فهل يجوز أن نستمر في التعامل مع جميع خصائصه كما لو كانت أجزاء متساوية الأصالة من “طبيعته”؟
إن السؤال هنا لا يتعلق بإنكار وجود طبيعة بشرية، بل بإعادة تفكيك هذا المفهوم. فربما كان ما نسميه الطبيعة البشرية مزيجاً من مستويات مختلفة في الأصل والتاريخ والوظيفة، بعضها شديد القدم، تشترك فيه البشرية مع سائر الكائنات الحية، وبعضها أحدث ظهوراً، نشأ من المسار التطوري الخاص الذي اتخذه الإنسان.
فالخوف من الخطر، والحاجة إلى الغذاء، والدفاع عن النفس، ورعاية الصغار، والحاجة إلى قدر من الاجتماع، كلها خصائص يمكن فهمها داخل التاريخ العام للحياة. ولكن هل يمكن وضع الحرب العقائدية، والقلق الوجودي، والإسراف غير المحدود، والتعصب الرمزي، وجنون العظمة، والحقد الممتد عبر أجيال، والشعور بالعار من صورة الذات، في المستوى التطوري نفسه؟
إن جمع هذه الظواهر كلها تحت عنوان واحد هو “الطبيعة البشرية” قد يحجب أكثر مما يكشف. فالسؤال الأهم هو ليس “هل يفعل الإنسان هذا؟” فحسب، بل: من أي مستوى في تكوينه يأتي هذا الفعل؟ وهنا تقترح نظرية الانعطافة التطورية الأولى تمييزاً أساسياً بين ما يمكن تسميته “الطبيعة الحيوية للإنسان” و”الحالة التمثلية للإنسان”. فالأولى هي ذلك الإرث العميق الذي يربطه بتاريخ الحياة كله؛ أما الثانية فهي البنية التي تشكلت، وفق الفرضية، عندما تجاوز النشاط التمثلي حدوده الوظيفية، فأصبح الإنسان لا يستجيب إلى الواقع فقط، بل إلى الصور التي يصنعها عنه أيضاً. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الإنسان يخاف من الخطر وحده، بل من احتماله. ولم يعد يدافع عن نفسه فقط، بل عن صورته. ولم يعد يتنافس على الموارد وحدها، بل على المكانة والرموز والاعتراف. ولم يعد يكره من يؤذيه فقط، بل قد يكره إنساناً لم يلتقِ به قط بسبب اسم أو هوية أو عقيدة أو سردية ورثها عن جماعته.
وهنا يصبح من الضروري أن نسأل: أي من هذه الظواهر يمثل الطبيعة البشرية، وأيها يمثل تاريخاً طرأ على هذه الطبيعة؟
إن أهمية هذا التمييز لا تقتصر على الدقة النظرية. فإذا تعاملنا مع كل ما يفعله الإنسان بوصفه تعبيراً عن طبيعته الثابتة، فإننا نحول التاريخ إلى قدر. فتصبح الحرب “طبيعية” لمجرد أن الإنسان حارب، والجشع “طبيعياً” لأنه راكم الثروة، والتعصب “طبيعياً” لأنه مارسه عبر التاريخ، وكأن استمرار الظاهرة يكفي لإثبات أنها جزء لا يمكن تجاوزه من ماهية الإنسان. لكن طول التاريخ لا يساوي الضرورة البايولوجية.
فقد تستمر ظاهرة آلاف السنين لأنها تعيد إنتاج شروطها، لا لأنها مكتوبة في جوهر الكائن. وقد يبدو السلوك طبيعياً لأنه أصبح مألوفاً، لا لأنه كان حتمياً. ومن هنا يمكن لنظرية الانعطافة التطورية الأولى أن تحرر مفهوم الطبيعة البشرية من الخلط بين ما هو أصيل في الحياة وما هو متراكم في التاريخ.
ولعل “الإنسان الذي لم يوجد قط” يؤدي هنا وظيفة معرفية حاسمة. فهو يسمح لنا، ولو على مستوى النموذج الافتراضي، بأن نتصور إنساناً يحتفظ بالذكاء والتعلم والاجتماع، لكنه لا يعرف فائض التمثّل بالصورة التي نعرفها. ومن خلال المقارنة بينه وبين الإنسان الفعلي يمكن أن نبدأ في طرح السؤال بصورة أكثر دقة: ما الذي يبقى من الإنسان إذا أزلنا الفائض، لا الوظيفة الأصلية؟ فإذا أزلنا فائض العدوان، لا يختفي الدفاع عن النفس. وإذا أزلنا فائض الجنس، لا يختفي التناسل. وإذا أزلنا فائض التمثّل، لا يلزم أن يختفي الإدراك أو التعلم أو الذاكرة. وهنا تكمن إحدى أهم أفكار هذه المقاربة: الفائض ليس هو الأصل، ولكنه تجاوز للأصل.
وهذا يعني أن الإنسان البديل لا ينبغي أن يُتصور كائناً ناقصاً، بل كائناً ربما احتفظ بالوظائف الأساسية دون أن تتحول هذه الوظائف إلى أنظمة مفتوحة على التضخم. إنه لا يكون بلا عدوان، بل بلا عدوان يتجاوز مقتضياته الوظيفية. ولا يكون بلا جنس، بل بلا انفصال واسع للرغبة عن اقتصادها البايولوجي. ولا يكون بلا تمثّل، بل بلا فائض تمثّل يجعل الصورة الذهنية قادرة على منافسة الواقع والسيطرة عليه.
ومن هنا يمكن إعادة تعريف الطبيعة البشرية بوصفها بنية طبقية، وليست جوهراً بسيطاً. ففي أعمق طبقاتها يوجد الكائن الحي، وفي طبقة أخرى يوجد الحيوان الاجتماعي، ثم تأتي الخصائص التي ارتبطت بالتاريخ الخاص للإنسان، ثم الثقافة والحضارة والتاريخ الفردي والجماعي. وكل طبقة تتفاعل مع الأخرى حتى يصبح من الصعب على الإنسان أن يعرف أين تنتهي طبيعته وأين يبدأ تاريخها.
ولعل هذا هو السبب في أن الإنسان كثيراً ما ينسب إلى “الطبيعة” ما صنعه هو بنفسه. فالأنظمة الاجتماعية تتحول مع الزمن إلى بداهات، والتراتبيات التاريخية تقدم نفسها بوصفها ضرورات، والعادات القديمة تكتسب سلطة ما هو فطري، حتى يبدو العالم الذي بناه الإنسان كما لو كان العالم الوحيد الذي كان يمكن أن يوجد.
لكن الإنسان الذي لم يوجد قط يكسر هذه البداهة. فهو يضع أمام الإنسان الفعلي مرآة لا تعكس صورته، بل تكشف إمكان عدم ضرورتها. ومن خلال هذا الاختلاف الافتراضي يصبح من الممكن أن نرى أن كثيراً مما نظنه جزءاً من ماهيتنا قد يكون جزءاً من قصتنا فقط.
وهذا التحول يترك أثراً عميقاً في علم النفس والأخلاق والسياسة والتربية. فإذا لم يكن الإنسان محكوماً بصورة نهائية بكل ما راكمه تاريخه، فإن التغيير يصبح أكثر من مجرد تعديل للسلوك؛ إذ أنه يصبح محاولة لإعادة التوازن بين الوظائف الأصلية وفوائضها.
وعندئذ لا تعود التربية مجرد عملية لإضافة المعرفة إلى الإنسان، بل قد تصبح أيضاً تدريباً على إدارة فائض التمثّل. ولا يعود الإصلاح الأخلاقي مجرد فرض قواعد خارجية، بل محاولة لمنع العدوان والرغبة والتمثّل من تجاوز الحدود التي تحولها من وظائف للحياة إلى قوى تستنزفها، بل أن كثيراً من القيم التي طورتها الحضارات قد تُقرأ من هذه الزاوية بوصفها محاولات تاريخية، واعية أو غير واعية، لتنظيم الفوائض التي أنتجها الإنسان. فالعدل يحد من فائض القوة، والتواضع يواجه تضخم صورة الذات، والعفة تنظم الرغبة، والرحمة تقيد العدوان، والصدق يحاول إعادة العلاقة بين التمثّل والواقع.
ومن هنا قد يكون التاريخ الأخلاقي للبشرية، في أحد أبعاده، هو تاريخ محاولة الإنسان للسيطرة على النتائج التي ترتبت على تحوله هو نفسه. وهذا يقودنا إلى مفارقة عميقة: الإنسان هو الكائن الذي يحتاج إلى الأخلاق لأنه قادر على تجاوز حدود الوظيفة. فالحيوان لا يحتاج إلى فلسفة تعلمه ألا يبني إمبراطورية، ولا إلى موعظة تمنعه من تكديس الثروات، ولا إلى قانون دولي يحرّم الإبادة. أما الإنسان، فلأن قدراته تجاوزت حدود الحاجة المباشرة، فإنه قد أصبح يحتاج إلى أنظمة رمزية أخرى تضبط ما أنتجته قدرته الرمزية نفسها.
وبهذا المعنى، فإن “الإنسانية” قد لا تكون مجرد اسم آخر للنوع البشري، بل ربما تكون مشروعاً.
فالإنسان هو ما أنتجه التاريخ التطوري؛ أما الإنسانية فهي ما يحاول الإنسان أن يصنعه من نفسه حين يدرك طبيعة الفوائض التي تحكمه، ويسعى إلى ألا يكون أسيراً لها. وهنا يصبح الانتقال “من الإنسان إلى الإنسانية” انتقالاً من المعطى إلى الإمكان، ومن التاريخ إلى المسؤولية. فلا يعود السؤال: ما طبيعة الإنسان؟ فحسب، بل: أي جزء من هذه الطبيعة ينبغي أن نقبله بوصفه شرطاً للحياة، وأي جزء ينبغي أن نفهمه ونديره ونحد من آثاره؟
إن نظرية الانعطافة التطورية الأولى، بهذا المعنى، لا تقدم صورة متشائمة عن الإنسان، ولا صورة متفائلة ساذجة، وإنما تقدم صورة تاريخية تتمثل في كون الإنسان ليس خيراً خالصاً ولا شراً خالصاً، وليس كائناً ثابتاً اكتملت ماهيته مرة واحدة، وإنما نتيجة لمسار أنتج قدرات هائلة واختلالات هائلة في الوقت نفسه. وقد يكون فهم هذا التاريخ هو الشرط الأول لتحرير الإنسان من الاعتقاد بأن كل ما فيه قدر لا يمكن تغييره. فحين نميز بين الوظيفة وفائضها، وبين الطبيعة وتاريخها، وبين الإنسان كما أصبح والإنسان كما كان يمكن أن يكون، نكتشف أن مفهوم “الطبيعة البشرية” لم يعد نهاية السؤال، بل بدايته.
وربما يكون أعظم ما يقدمه “الإنسان الذي لم يوجد قط” هو أنه يجعلنا نرى الإنسان الموجود للمرة الأولى بوصفه احتمالاً، وليس معياراً أبدياً للحياة. وعندئذ تصبح الإنسانية نفسها احتمالاً آخر، ليس ذلك الذي ضاع في الماضي، بل ذلك الذي يمكن أن يبدأ في المستقبل، حين يعرف الإنسان أي أجزاء منه تنتمي إلى الحياة، وأيها تنتمي إلى الفائض الذي تراكم فوقها.
