
من بين مئات الأمثلة التي يزخر بها تاريخ الجنس البشري، ثمة وقائع يصعب أن نمر عليها بوصفها مجرد حوادث عارضة، أو أخطاء ارتكبتها مجتمعات بدائية لم تكن قد بلغت ما بلغناه اليوم من معرفة وعقلانية. فبعض الوقائع التاريخية لا تكشف فقط عما كان الإنسان يجهله في عصر معين، وإنما تكشف عن شيء أعمق بكثير؛ إذ أنها تكشف عن طبيعة الآلية التي يعمل بها عقله، وعن قدرته الاستثنائية على إنتاج تمثلات لا وجود مادياً لها، ثم التعامل معها كما لو كانت أكثر واقعية من الواقع نفسه.
ومن بين أكثر هذه الوقائع دلالةً ما شهدته أوروبا، ولاسيما بعض المناطق الألمانية، في القرنين السادس عشر والسابع عشر، من محاكمات اتُّهم فيها بشر بأنهم «مستذئبون» أي أشخاص قادرون، وفق المخيال السائد، على التحول إلى ذئاب أو اتخاذ هيئة ذئبية وممارسة أفعال نسبت إلى تلك الكائنات المتخيلة. ولم تبقِ هذه الفكرة نفسها في نطاق الحكاية الشعبية أو الأسطورة أو الخوف الليلي، وإنما عبرت الحدود الفاصلة بين الخيال والواقع، ودخلت المحاكم، واستُدعي الشهود، وانتُزعت الاعترافات، وصدرت الأحكام، وعوقب أشخاص حقيقيون على أساس تهمة يستحيل، بطبيعتها، إخضاعها لمعيار تجريبي واضح يمكن به إثباتها أو نفيها. وهنا تحديداً تتجلى القيمة الميتابايولوجية لهذه الظاهرة.
فالسؤال الذي ينبغي طرحه هو ليس “لماذا آمن أولئك الناس بوجود المستذئبين؟” فحسب، بل: “ما نوع الكائن الذي يستطيع أن يخلق في ذهنه كائناً غير موجود، ثم يمنح هذا الكائن المتخيَّل من السلطة ما يكفي لتغيير مصائر بشر موجودين فعلاً؟”.
إن الذئب الحقيقي ينتمي إلى الطبيعة، أما «المستذئب» فينتمي إلى عالم التمثّل. غير أن الإنسان استطاع أن يجعل الكائن الثاني، الذي أنتجه ذهنه، أكثر تأثيراً في حياته من الكائن الأول المنتمي للطبيعة. فالذئب الحقيقي قد يهاجم إنساناً، لكن المستذئب المتخيَّل استطاع أن يحرك جماعات، ويستثير الرعب، ويستدعي المحاكم، ويبرر العقوبات، ويعيد تعريف الأبرياء بوصفهم وحوشاً متخفية في أجساد بشرية. وهذا هو أحد أكثر تجليات فائض التمثّل خطورة.
فالتمثّل، في حدوده الوظيفية، ضرورة للحياة العقلية. إذ لا يستطيع الإنسان أن يفكر أو يتذكر أو يتوقع أو يخطط من دون أن يتمثل الأشياء في ذهنه. لكن المشكلة تبدأ حين يفقد التمثّل تبعيته للواقع، وحين لا يعود مجرد أداة يستخدمها العقل لفهم العالم، بل يتحول إلى عالم موازٍ يستطيع أن يفرض أحكامه على العالم الحقيقي. عندئذ لا يعود الإنسان يرى الشخص الذي أمامه كما هو، وإنما يرى الصورة التي كوّنها عنه؛ ولا يعود يسأل عما فعله فعلاً، وإنما عما يمكن أن يكون قد فعله داخل منظومة من التصورات التي سبق أن استقرت في وعي الجماعة. وهكذا يصبح المتخيَّل دليلاً على نفسه، فإذا كان المتهم ينكر، أمكن تفسير إنكاره بوصفه دليلاً على مكره. وإذا اعترف تحت الضغط، أصبح اعترافه دليلاً على صحة التهمة. وإذا لم يوجد دليل مادي، أمكن القول إن طبيعة الظاهرة نفسها تجعل آثارها خفية. وبذلك تنشأ منظومة مغلقة لا تستطيع الوقائع اختراقها، لأن كل واقعة، بما في ذلك الوقائع المناقضة لها، يعاد تأويلها بطريقة تجعلها تؤكد الاعتقاد السابق.
وهذه ليست مشكلة تخص محاكمات المستذئبين وحدها، بل تكشف عن بنية معرفية تتكرر في تاريخ الإنسان بأشكال لا حصر لها. فلقد تغيّرت أسماء الكائنات المتوحشة، لكن الآلية التي تصنعها لم تتغير. ففي عصر ما كان الإنسان يرى في الآخر مستذئباً، وفي عصر آخر ساحراً، وفي سياق ثالث مهرطقاً، وفي سياق رابع عدواً مطلقاً، أو خائناً بالفطرة، أو عضواً في جماعة تُنسب إليها صفات لا يحتاج من ينسبها إليها إلى التحقق من وجودها في كل فرد من أفرادها. وفي كل مرة تتكرر العملية نفسها؛ إذ يبدأ الأمر بتمثّل، ثم يتحول التمثّل إلى اعتقاد، ثم يصبح الاعتقاد هويةً تُلصق بالآخر، ثم تتحول الهوية إلى مبرر لإقصائه أو اضطهاده أو حتى قتله.
وهنا لا تعود محاكمات المستذئبين مجرد فصل غريب من تاريخ أوروبا، وإنما تصبح دليلاً على مشكلة أعمق في تكوين الإنسان نفسه. فلو كان الإنسان مجرد نتيجة خطية لمسيرة تطورية تستطيع البيولوجيا التطورية وحدها أن تكتب جميع فصولها من الألف إلى الياء، لوجب علينا أن نسأل: كيف انتهت مسيرة هدفها الأساسي التكيف والبقاء إلى إنتاج كائن يستطيع أن يبني أنظمة كاملة من السلوك الجماعي على أساس كيانات لم يثبت وجودها؟ وكيف يمكن تفسير هذه القدرة الهائلة على إخضاع الواقع لما ينتجه الذهن، لا بوصفها قدرة عرضية هامشية، وإنما بوصفها قوة أساسية شاركت في صناعة الأسطورة والإيديولوجيا والحرب والهوية والقانون والتاريخ؟
إن نظرية الانعطافة التطورية الأولى، في إطار المقاربة الميتابايولوجية، تنطلق من أن ظهور الإنسان كما نعرفه لا يمكن فهمه على نحو مكتمل إذا افترضنا أن مساره لم يعرف إلا تراكمات تطورية تدريجية متصلة. فوفقاً لهذه الفرضية، ثمة حدث محوري تدخّل في مسيرة التطور البشري وأحدث انعطافة نوعية جعلت الإنسان يتجاوز الحدود التمثلية التي كانت تكفي الكائن الحي للتعامل مع بيئته، لينشأ لديه ما يمكن تسميته فائض التمثّل.
وليس المقصود بذلك أن كل خيال مرض، أو أن القدرة على التمثل خطأ تطوري. فعلى العكس، إن القدرة نفسها هي التي جعلت الحضارة ممكنة. فالإنسان يستطيع أن يتخيل ما ليس موجوداً بعد، ولذلك يبني المدن قبل أن توجد، ويضع النظريات قبل أن تُختبر، ويبتكر الأدوات قبل أن تُصنع، ويقيم المؤسسات على مفاهيم مجردة. ولكن القوة التي أتاحت له أن يبني عالماً لم يكن موجوداً هي نفسها التي أتاحت له أن يخاف من عالم لم يوجد قط.
ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى: القدرة التي صنعت الحضارة هي نفسها القادرة على صناعة المستذئب.
فالعقل الذي يستطيع أن يتجاوز الحاضر إلى الممكن يستطيع أيضاً أن يتجاوز الواقع إلى الوهم. والعقل الذي يستطيع أن يمنح المفاهيم المجردة قوة تنظيمية يستطيع أيضاً أن يمنح الكائنات المتخيلة قوة عقابية. وما لم توجد آليات معرفية وأخلاقية صارمة تضبط هذه القدرة، فإن الإنسان لا يكتفي بأن يتخيل؛ بل قد يطالب الواقع نفسه بالخضوع لما تخيله.
ولهذا فإن أكثر ما ينبغي أن يثير دهشتنا في محاكمات المستذئبين ليس أن أناساً في القرن السادس عشر آمنوا بإمكان تحول الإنسان إلى ذئب. فالمعتقدات الغريبة ليست نادرة في التاريخ. وما ينبغي أن يثير دهشتنا حقاً هو أن تمثلاً ذهنياً استطاع أن يهزم حضور الإنسان الواقعي. لقد كان أمام القضاة والمتهمين والمجتمع بشر من لحم ودم، ولكن الصورة المتخيلة التي أُُسقطت عليهم كانت أقوى من وجودهم الفعلي، فلم يعد المتهم إنساناً ينبغي إثبات جرمه، بل أصبح تجسيداً لفكرة سبقت محاكمته. وبذلك تحولت المحاكمة، في جوهرها، من بحث في الحقيقة إلى إجراء يؤكد حقيقة سبق أن صنعها التمثّل.
إن الذائقة القيمية نفسها يمكن أن تقع تحت سلطان فائض التمثّل. فالإنسان قد يرتضي ممارسة الظلم وهو يعتقد أنه يقيم العدل، وقد يقسو وهو يعتقد أنه يحمي المجتمع، وقد يعاقب بريئاً وهو مقتنع بأنه يطهر العالم من الشر. وهنا تكمن إحدى أخطر خصائص الإنسان والمتمثلة في كونه لا يحتاج دائماً إلى أن يرى نفسه شريراً لكي يرتكب الشر، بل أن بعض أشد الأفعال قسوة في التاريخ ارتُكبت على أيدي أناس كانوا يرون أنفسهم ممثلين للخير، لأن التمثّل الذي سيطر عليهم أعاد تعريف ضحاياهم بطريقة نزعت عنهم استحقاقهم للرحمة.
ومن ثم فإن محاكمات المستذئبين لا تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى بنية قابلة للتكرار، فقد لا نحاكم اليوم إنساناً بتهمة التحول إلى ذئب، لكننا ما زلنا قادرين على أن نصنع «مستذئبين» من نوع آخر؛ نصنعهم كلما اختزلنا إنساناً في صورة متخيلة، وكلما منحنا الشائعة قوة الحقيقة، وكلما جعلنا الانتماء دليلاً على الجريمة، وكلما أصبح سوء الظن بديلاً عن البرهان، وكلما تحولت صورة الآخر في وعينا إلى حقيقة لا يستطيع الآخر نفسه أن يصححها. فالمستذئب، بهذا المعنى، لم يمت.
ولكن تغير اسمه فحسب.
وإذا كانت الميتابايولوجيا تسعى إلى فهم الإنسان عند النقطة التي لا تعود فيها البيولوجيا وحدها كافية لتفسيره، فإن محاكمات المستذئبين تقدم لها واحدة من أكثر الحالات التاريخية وضوحاً. فهي تضعنا أمام كائن لا يعيش في العالم المادي وحده، وإنما يعيش كذلك داخل عالم تمثلي يستطيع أن يطغى على العالم المادي، وأن يعيد تشكيله، وأن يجعل الإنسان يعاقب أخاه الإنسان بسبب كائن لم يوجد إلا في الخيال.
ولهذا فإن السؤال الذي تتركه لنا تلك المحاكمات ليس سؤالاً عن المستذئبين، بل عن الإنسان. فما الذي حدث لهذا الكائن في مسيرته التطورية حتى أصبح بمقدور ما يتخيله أن يكون أقوى مما يراه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أبعد من أن توفرها البيولوجيا التطورية وحدها. وربما كانت واحدة من أهم مهمات الميتابايولوجيا أن تبحث في تلك اللحظة التي لم يعد فيها الإنسان مجرد كائن يتكيف مع الواقع، بل أصبح كائناً ينتج واقعاً آخر في ذهنه، ثم يطالب العالم والآخرين، بل ويطالب الحقيقة نفسها، بأن يمتثلوا له.
وعندئذ لن تعود محاكمات المستذئبين صفحةً مظلمة من تاريخ الخرافة فحسب، بل ستغدو شاهداً تاريخياً على واحدة من أعظم مفارقات الإنسان، والتي مفادها أن الانسان هو الكائن البايولوجي الوحيد القادر على تحرير نفسه من حدود الواقع بالخيال، وفي الوقت نفسه، هو الكائن الوحيد القادر على أن يستعبد نفسه والآخرين لما صنعه خياله.
