ما الذي تكشفه مسرحية “Doubt” عن مدى خضوع الانسان لسلطان الشك؟

من بين الأعمال المسرحية التي يمكن إعادة قراءتها على نحو مختلف تمامًا في ضوء مفهوم فائض التمثّل، تبرز مسرحية Doubt: A Parable لجون باتريك شانلي بوصفها أكثر من مجرد دراما أخلاقية تدور حول الشك والاتهام واستحالة الوصول إلى الحقيقة. فالمسرحية، عند قراءتها من منظور ميتابايولوجي، تكاد تتحول إلى مختبر درامي يكشف عن واحدة من أخطر النتائج التي ترتبت على ظهور الإنسان كما نعرفه والتي مفادها أن هذا الكائن لم يعد قادرًا على العيش داخل حدود ما يقع أمامه، بل أصبح محكومًا بأن يعيش أيضًا داخل “ما يمكن أن يكون” قد وقع.
وهنا، تحديدًا، تبدأ مأساة الشك البشري. فالإنسان لا يرى الفعل فحسب، بل يبحث عما وراءه. ولا يسمع الكلمة فقط، بل يسأل عن المقصد الذي أخفته. ولا يكتفي بما حدث، بل يتخيل ما قد حدث ولم يره. ولا يتعامل مع الآخر كما يظهر أمامه فحسب، وإنما يبني في وعيه تمثلًا لهذا الآخر: لنياته، ودوافعه، وأسراره، وما قد يكون فعله في غيابه، وما ربما يفعله في المستقبل.
وهذه القدرة، التي تمثل واحدة من أكثر نتائج فائض التمثّل خطورة، هي التي تجعل الشك ممكنًا بصورته البشرية المعقدة.
فالحيوان يستطيع أن يتوجس من خطر، وأن يستجيب لإشارة تهديد، وأن يتعلم من تجربة سابقة. لكن الشك البشري شيء آخر، فهو يستطيع أن ينشأ في غياب الواقعة، وأن يتغذى على الاحتمال، وأن يبني من الإشارات المتفرقة سردية متكاملة، ثم يجعل الإنسان يتعامل مع هذه السردية كما لو كانت واقعًا.
وهذا، في جوهره، هو العالم الذي تضعنا فيه مسرحية Doubt؛ إذ أنها مسرحية لا تقدم الحقيقة، بل تقدم الفراغ الذي يملؤه العقل.
تقوم العبقرية الدرامية للمسرحية على امتناعها عن منح المتلقي الحقيقة التي يبحث عنها. فالأحداث لا تتجمع في النهاية لتصنع يقينًا نهائيًا، ولا تظهر قطعة مفقودة تحسم القضية، ولا يُفتح باب مغلق لنرى ما وقع وراءه؛ إذ تبقى هناك فجوة، غير أن هذه الفجوة ليست نقصًا في المسرحية، بل هي موضوع المسرحية الحقيقي.
فما تدرسه Doubt ليس الواقعة الغائبة بقدر ما تدرس ما يفعله العقل البشري حين تغيب عنه الواقعة. وهنا يظهر فائض التمثّل بكامل قوته. فالفراغ المعرفي لا يبقى فراغًا طويلًا في الوعي البشري. فما أن يعجز الإنسان عن معرفة ما حدث حتى يبدأ في تمثّل ما يمكن أن يكون قد حدث. وما أن تغيب الحقيقة حتى تظهر الاحتمالات. وما أن تظهر الاحتمالات حتى يبدأ العقل في ترتيبها وترجيحها وربطها بالقرائن السابقة واللاحقة. ثم يقع التحول الأخطر؛ إذ يتحول الاحتمال، شيئًا فشيئًا، من فكرة في العقل إلى واقع نفسي. فربما لا يكون الإنسان قد حصل على دليل جديد، ولكن تكرار السيناريو في وعيه يمنحه كثافة. وربما لا تكون القرائن قد أصبحت أقوى، لكن إعادة تفسيرها داخل سردية واحدة تجعلها تبدو أكثر تماسكًا. وهكذا يستطيع فائض التمثّل أن ينتج ما يمكن تسميته بالحقيقة النفسية البديلة؛ وهو شيء لم يثبت أنه وقع، لكنه أصبح في أثره على صاحبه شبيهًا بما لو كان قد وقع بالفعل.
كما وتكشف لنا مسرحية Doubt  عن حقيقة بالغة الدلالة بخصوص العلاقات الإنسانية مفادها أننا لا نستطيع الوصول إلى الآخر مباشرة؛ إذ أننا نرى أفعاله، لكننا لا نرى نياته. ونسمع كلماته، لكننا لا ندخل إلى وعيه لنتحقق من صدقها. كما وأننا نراقب سلوكه، لكن السلوك نفسه قد يقبل أكثر من تفسير. ومن ثم فإن العلاقة بين إنسان وإنسان لا تقوم فقط بين شخصين واقعيين، بل بين كل واحد منهما وتمثّله الذهني للآخر. وهنا يصبح الشك خطرًا وجوديًا على العلاقات البشرية. فإذا تغير تمثل الإنسان للآخر، تغير الآخر كله في وعيه، حتى لو لم يتغير في الواقع. فقد تتحول كلمة قديمة، كانت تبدو بريئة، إلى قرينة. وقد يصبح تصرف عابر جزءًا من نمط. وقد يعاد تفسير صمت سابق بوصفه إخفاءً. وقد تتحول سلسلة كاملة من الذكريات، بأثر رجعي، إلى أدلة على حقيقة لم يكن الإنسان يراها من قبل. فالشك، بهذا المعنى، لا يضيف واقعة جديدة إلى الماضي، بل يعيد كتابة الماضي تمثليًا. وهذه واحدة من أخطر قدرات فائض التمثّل، فالإنسان لا يعيش في الماضي الذي وقع فحسب، وإنما يستطيع أن يعود إليه ويعيد إنتاجه داخل وعيه وفق فرضية جديدة.
ومن هنا نفهم كيف يستطيع شك واحد أن يهدم سنوات من الثقة، فالسنوات نفسها لم تتغير، ولكن الذي تغير هو التمثل الذي أصبحت تُقرأ من خلاله.
وربما لا توجد عبارة تكشف مأساة فائض التمثّل أكثر من قول الإنسان: “ماذا لو؟”؛ ماذا لو كان يكذب؟ وماذا لو كان يخفي  وماذا لو كان ما رأيته مجرد جزء صغير من حقيقة أكبر؟ وماذا لو كنت ساذجًا طوال هذه السنوات؟ وماذا لو كان شكي صحيحًا؟ وماذا لو كان خاطئًا؟
فهذا السؤال البسيط يفتح أمام العقل البشري عددًا غير محدود من العوالم الممكنة. والإنسان، خلافًا للكائن المحصور في الاستجابة لما هو حاضر، يستطيع أن يعاني بسبب واحد من هذه العوالم قبل أن يعرف إن كان موجودًا أصلًا. وهنا تظهر الكلفة الميتابايولوجية لفائض التمثّل. فالقدرة نفسها التي سمحت للإنسان بأن يتوقع الخطر قبل وقوعه، وأن يخطط للمستقبل، وأن يتصور نتائج أفعاله، وأن يبني الحضارات، هي التي جعلته قادرًا على أن يتعذب بما قد يكون قد حدث، وبما ربما يحدث، وبما يمكن أن يكون الآخر قد قصده.
لقد أصبح الإنسان قادرًا على أن يشقى بالاحتمال. ومسرحية Doubt  هي ليست سوى دراما هذا الاحتمال حين يستولي على الوعي. ولكن المسرحية تكشف عن تحول أكثر خطورة. فالإنسان لا يحتمل البقاء طويلًا في منطقة الشك، حيث أن الشك حالة معلقة، والعقل يبحث عن الإغلاق. ولذلك يبدأ الاحتمال، تحت ضغط الحاجة إلى الحسم، وذلك بالتحول إلى يقين. غير أن هذا اليقين قد لا يكون يقينًا معرفيًا قائمًا على اكتمال الأدلة، وإنما هو يقين تمثّلي. وهي حالة يصبح فيها التفسير الذي بناه العقل قويًا إلى درجة أن صاحبه ينسى أنه كان، في الأصل، مجرد تفسير.
وهنا يصبح الإنسان قادرًا على الفعل الحاسم استنادًا إلى معرفة غير حاسمة. وتلك هي المعضلة الأخلاقية الكبرى التي تضعنا أمامها مسرحية Doubt. فماذا يفعل الإنسان إذا كان احتمال وقوع الضرر خطيرًا، لكنه غير متيقن؟ فإذا انتظر الدليل القاطع، فقد يكون انتظاره قد سمح باستمرار الضرر، وإذا تصرف قبل اكتمال الدليل، فإنه قد يكون قد ظلم بريئًا. وهذا مأزق لا توجد له إجابة مريحة، لأن كل طريق يحمل في داخله احتمال الكارثة. وهنا تكشف المسرحية عن واحدة من أعمق مشكلات الوجود البشري. فالإنسان مطالب أحيانًا بأن يتخذ قرارات نهائية بناءً على معرفة غير نهائية. والشك لا يظل دائمًا فكرة داخل العقل، فما إن يتصرف الإنسان على أساسه حتى يبدأ الشك في تغيير العالم الخارجي. فالذي يشك في صديقه يعامله بكيفية مختلفة. والذي يشك في شريكه يبدأ في مراقبته واستجوابه. والدولة التي تشك في دولة أخرى تبدأ في التسلح ضدها. والطرف الآخر، حين يواجه هذا السلوك، يغير سلوكه بدوره. وهكذا قد يصنع الشك الواقع الذي كان يخشاه. فالإنسان قد يشك في الآخر حتى يدفعه إلى الابتعاد، ثم يعتبر ابتعاده دليلًا على صحة شكه. وقد يعامل شخصًا بوصفه عدوًا محتملًا حتى يحوله إلى عدو فعلي. وقد يهدم الثقة خشية أن تكون الثقة في غير محلها، ثم يرى في انهيار العلاقة برهانًا على أنه كان محقًا منذ البداية. وهكذا لا يعود فائض التمثّل مجرد قدرة على تصور الواقع، بل يصبح قدرة على إنتاج واقع جديد انطلاقًا من تصور قد يكون خاطئًا.
ولعل أكثر ما يجعل مسرحية Doubt عملًا أدبياً استثنائياً هو أن المتلقي لا يستطيع البقاء مراقبًا محايدًا. فهو يدخل اللعبة ويبدأ بجمع القرائن ويفسر الكلمات ويراقب السلوك ويرجح احتمالًا على آخر، ثم قد يجد نفسه وقد أصدر حكمًا. لكن على أي أساس؟
إن المسرحية تجعل المتلقي يكتشف أنه يمارس الآلية نفسها التي تمارسها شخصياتها. فهو يريد أن يعرف ما حدث، وحين لا تمنحه المسرحية الحقيقة، يبدأ في إنتاجها تمثليًا. وبذلك تصبح مسرحية Doubt  تجربةً لاختبار فائض التمثّل لدى المشاهد نفسه. فالمسرحية لا تقول لنا: انظروا كيف يشك هؤلاء فحسب، بل إنها تقول، بطريقة أكثر مكرًا: انظروا كيف بدأتم أنتم أيضًا تشكون. وهنا تتحول خشبة المسرح إلى مرآة.
غير أن أقسى ما في الشك البشري لا يكمن في الشك الأول. فالمأساة الحقيقية تبدأ حين يصبح الإنسان قادرًا على الشك في شكه نفسه. فبعد أن يسأل: ماذا لو كان الآخر مذنبًا؟ يعود ليسأل: ماذا لو كنت أنا مخطئًا؟ وهنا يدخل الإنسان في متاهة لا تكاد تكون لها نهاية. فإذا لم يتصرف، فقد يعذبه احتمال أنه سمح بوقوع الضرر، وإذا تصرف، فقد يعذبه احتمال أنه ظلم بريئًا. وإذا وثق، خشي أن يكون ساذجًا. وإذا شك، خشي أن يكون ظالمًا. وإذا سامح، تساءل إن كان قد خدع نفسه. وإذا قطع العلاقة، تساءل إن كان قد دمرها بلا سبب.
إن فائض التمثّل لا يسمح للقرار بأن ينهي الاحتمالات. فالإنسان يستطيع، بعد أن يفعل، أن يتخيل المسار الذي لم يسلكه. ويستطيع أن يبني حياة كاملة كان يمكن أن تقع لو أنه اختار غير ما اختار. وهكذا يصبح قادرًا على المعاناة، لا بسبب ما حدث فحسب، ولكن بسبب ما كان يمكن أن يحدث أيضاً. وهذا شكل من أشكال الشقاء لا يمكن فهمه إلا عند كائن تجاوز الحاضر الفعلي إلى فضاء الاحتمالات.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار مسرحية Doubt  عملًا ميتابايولوجيًا بامتياز، حتى وإن لم تُكتب بهذه اللغة أو لهذا الغرض. فهي تكشف كلفة التحول الذي جعل الإنسان كائنًا تمثليًا فائقًا. فالإنسان لم يربح، مع فائض التمثّل، القدرة على التخطيط واللغة والرمز والحضارة فحسب، لكنه قد ربح أيضًا القدرة على الارتياب، وسوء الظن، وإنتاج السيناريوهات، وإعادة تفسير الماضي، والخوف من المستقبل، والعيش داخل احتمالات لا يستطيع إثباتها ولا التخلص منها. فالإنسان قد أصبح قادرًا على أن يتألم من شيء لم يقع، وأن يعاقب على نية لم يرها، وأن يهدم علاقة بسبب احتمال، وأن يتخذ قرارًا ثم يقضي سنوات يتساءل عما إذا كان القرار خاطئًا. وبهذا المعنى، فإن مسرحية Doubt  هي ليست مسرحية عن حادثة غامضة بقدر ما هي مسرحية عن الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحول غياب الحقيقة إلى مصدر دائم للعذاب. فالجهل وحده لا يصنع هذا الشقاء، ولكن الذي يصنعه هو أن يعرف الإنسان أنه لا يعرف، ثم يمتلك في الوقت نفسه قدرة لا محدودة تقريبًا على تخيل ما يمكن أن تكون عليه الحقيقة التي لا يعرفها.
وهنا تكمن واحدة من أعمق مفارقات الإنسان، الذي منحه فائض التمثّل قدرة غير مسبوقة على تجاوز الواقع، ولكنه حين تجاوزه لم يجد الحرية وحدها. فلقد وجد الاحتمال، ومع الاحتمال وجد الشك، ومع الشك وجد الخوف، ومع الخوف وجد عالمًا كاملًا من المعاناة التي لا تحتاج لكي تكون حقيقية في النفس إلى أن يكون موضوعها حقيقيًا في العالم.
في النهاية، ربما لا تكون العبارة الأكثر تعبيرًا عن المأساة التي تكشفها مسرحية Doubt  هي: “أنا أشك”، بل: “أنا لا أعرف، لكنني لا أستطيع أن أتوقف عن التفكير فيما قد تكون عليه الحقيقة”. وهنا تحديدًا، يظهر الإنسان؛ فهو الكائن الوحيد الذي لا تكفيه الوقائع، ولا يحتمل الفراغ، ولا يستطيع أن يغلق باب الاحتمال. فالإنسان يريد اليقين في عالم لا يمنحه اليقين دائمًا. ويريد أن يعرف نيات الآخرين، مع أنه لا يستطيع الدخول إلى وعيهم. ويريد أن يتخذ القرار الصحيح، مع أن المعلومات التي يمتلكها قد لا تكون كافية. ثم، بعد أن يقرر، يحتفظ بالقدرة على تخيل أنه كان مخطئًا، وهكذا يصبح الشك أكثر من حالة معرفية، وذلك لأنه يصبح مصيرًا تمثّليًا.
فإذا كانت مسرحية Doubt  قد نجحت في شيء نجاحًا استثنائيًا، فهو أنها لم تقدم لنا حلًا لمشكلة الشك، وإنما كشفت لنا لماذا قد لا يكون لهذه المشكلة حل نهائي أصلًا. فالإنسان، ما دام قادرًا على تمثّل ما لا يراه، وافتراض ما لا يعرفه، وتخيل ما لم يقع، فإنه سيبقى معرضًا لأن يعيش بين الحقيقة واحتمالاتها. وربما كان هذا هو أحد أثمان الانعطافة التطورية الأولى التي جعلته إنساناً، وذلك بأن يصبح الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعرف أكثر من سائر الكائنات، ولكنه، بسبب قدرته هذه، فإن بمقدوره أن يشقى أكثر منها جراء ما لا يعرف.

أضف تعليق