
من بين جميع الممارسات الإنسانية، ربما لا توجد ممارسة أكثر قدرة على كشف الإنسان بوجهه الحقيقي من التديّن. وقد يبدو هذا القول، للوهلة الأولى، مفارقةٌ؛ لأننا اعتدنا أن ننظر إلى التديّن بوصفه المجال الذي يسعى فيه الإنسان إلى الارتقاء فوق نقائصه، وتهذيب غرائزه، وتزكية نفسه، والاقتراب من المثال الأخلاقي الذي يدعوه الدين إلى تحقيقه. غير أن التأمل في التجربة البشرية يكشف لنا عن مفارقة أشد تعقيداً: فالمجال نفسه الذي يفترض أن يكون أكثر مجالات الحياة قدرة على تغيير الإنسان، قد يصبح، بفعل فائض التمثّل واحداً من أكثر المجالات قدرة على إخفائه عن نفسه، وذلك قبل أن يخفيه عن الآخرين.
وهنا ينبغي، منذ البداية، التمييز بين الدين والتديّن. فالدين، في جوهره، هو منظومة من القيم والأوامر التعبدية والتوجيهات التي تطالب الإنسان بأن يغيّر نفسه، وأن يراجع دوافعه، وأن يضبط سلوكه، وأن يعيد بناء علاقته بالآخرين. أما التديّن فهو الكيفية البشرية التي يستقبل بها الإنسان هذه المطالب ويمثلها ويمارسها. وبين الدين بوصفه خطاباً موجهاً إلى الإنسان، والتديّن بوصفه استجابة بشرية لهذا الخطاب، تنفتح مساحة هائلة يستطيع فائض التمثّل أن يعمل فيها.
فالدين يأمر بالعدل، لكن المتديّن قد يصنع لنفسه تمثلاً بأنه عادل لمجرد أنه يؤدي شعائر الدين. والدين يأمر بالإحسان، لكن الإنسان قد يطمئن إلى صورة نفسه بوصفه محسناً لأنه يكثر من الذكر. والدين يدعو إلى العفو والمغفرة، لكن المتديّن قد يحمل في قلبه أحقاداً تمتد سنوات، ثم لا يرى في ذلك تناقضاً كافياً لزعزعة يقينه بصلاحه وتقواه. والدين يحذر من سوء الظن، لكن الإنسان قد يعيش حياته شاكاً في أقرب الناس إليه، مؤولاً أقوالهم وأفعالهم بأسوأ الاحتمالات، ثم يعود إلى مصحفه فيقرأ الآيات نفسها التي تنهاه عما يفعله، من غير أن يشعر بأن الخطاب موجه إليه شخصياً.
وهنا تتجلى واحدة من أخطر قدرات فائض التمثّل والمتمثلة في قدرة الإنسان على استبدال حقيقة نفسه بصورة نفسه. فالإنسان لا يكتفي بأن يكون؛ إنه يمثل لنفسه ما يكون. ولا يكتفي بأن يفعل؛ بل يصنع تفسيراً لما يفعل. ولا يكتفي بأن يعيش حياة أخلاقية أو غير أخلاقية؛ بل يبني في ذهنه سردية كاملة عن ذاته يستطيع من خلالها أن يكون في الوقت نفسه قاسياً في الواقع ورحيماً في تصوره لنفسه، وبخيلاً في معاملاته وكريماً في خطابه، وسيئ الظن بالناس، ومطمئناً إلى صلاح قلبه ومؤذياً لمن حوله ومقتنعاً بأنه من أهل الخير والصلاح.
ومن هنا لا يعود السؤال الأهم: هل الإنسان متديّن؟ بل يصبح: ماذا فعل تديّنه به؟ ذلك أن عدد الصلوات، وكثرة الأذكار، وطول أوقات التلاوة، والمداومة على التسبيح والحمد والاستغفار، كلها أفعال لا يمكن أن تكون بمفردها، دليلاً نهائياً على نجاح التجربة الدينية في تغيير الإنسان. فأثر الدين الحقيقي يظهر في المسافة التي قطعها الإنسان بعيداً عن أسوأ إمكاناته: هل أصبح أقل ظلماً؟ أقل قسوة؟ أقل سوءاً للظن؟ أقل بخلاً؟ أقل استعداداً لإهانة الآخرين؟ أكثر قدرة على العفو؟ أكثر ضبطاً للسانه؟ أكثر وعياً بعيوبه؟ أكثر استعداداً للاعتراف بخطئه؟
فإذا لم يحدث شيء من ذلك، أو إذا ازداد الإنسان سوءاً وهو يزداد شعوراً بصلاحه، فإننا نكون أمام مفارقة تحتاج إلى تفسير أعمق من مجرد القول إن هذا الإنسان “لم يفهم الدين جيداً”. فقد يكون ما حدث أخطر من ذلك: لقد تحولت الممارسة الدينية نفسها، بفعل فائض التمثّل، إلى مادة لبناء قناع جديد. وهذا القناع هو من أشد الأقنعة البشرية صلابة، وذلك لأنه ليس قناعاً يرتديه الإنسان أمام الآخرين فحسب، ولكنه يرتديه أمام نفسه أيضاً.
فقد يعرف الكاذب، في قرارة نفسه، أنه يكذب. وقد يعرف البخيل أنه يبخل. وقد يعرف الظالم أنه ظلم. لكن الإنسان حين ينجح في بناء تمثّل ديني راسخ عن نفسه، فإنه قد يفقد حتى هذه المسافة الأخيرة من الوعي؛ إذ لا يعود شخصاً يعرف أنه سيئ ويحاول أن يبدو صالحاً، بل قد يصبح شخصاً يفعل السوء وهو مقتنع بأنه صالح. وهنا يبلغ فائض التمثّل واحدة من أخطر درجاته، حين لا يعود القناع مجرد وسيلة لخداع الآخرين، وإنما يصبح الوسيلة التي يخدع بها الإنسان نفسه.
وكم من إنسان يواظب على قراءة القرآن، ويكثر من ذكر الله، ويظهر الخشوع في صلاته ودعائه، وربما يتكلف في صوته وهيئته ما يوحي لمن يراه بأنه بلغ من الرقة الروحية مبلغاً عظيماً، ثم ما أن يغادر مساحة الشعيرة إلى مساحة المعاملة حتى يظهر إنسان آخر تماماً. فتراه شتاماً لعاناً، سريع الاتهام، سيئ الظن، لا يكاد يطمئن إلى أقرب المقربين إليه، بخيلاً بما يملك، قاسياً في خصوماته، عاجزاً عن الصفح، شديد الحرص على حقوقه، قليل الاكتراث بحقوق الآخرين.
والأشد إثارة للتأمل أن هذا الإنسان قد لا يشعر بالتناقض الذي يراه الآخرون فيه بوضوح.
فكيف يستطيع الإنسان أن يقرأ خطاباً يأمره بالإحسان، ثم يسيء؟ وكيف يقرأ عن العفو، ثم يعجز عن مغفرة أصغر الزلات؟ وكيف يقرأ عن اجتناب كثير من الظن، ثم يبني علاقاته على الشك؟ وكيف يقرأ عن الإنفاق، ثم يقبض يده؟ وكيف يقرأ عن كظم الغيظ، ثم يطلق لسانه في الشتيمة واللعن والإهانة؟ وكيف يستطيع أن يفعل ذلك كله ثم يعود إلى عبادته محتفظاً بصورة إيجابية عن نفسه؟
الجواب، من منظور فائض التمثّل، هو أن الإنسان لا يعيش دائماً في وحدة متماسكة بين ما يعرفه وما يفعله. فالإنسان قادر على إنشاء عوالم تمثّلية منفصلة داخل ذاته. ففي عالم العبادة، يمثل نفسه بوصفه عبداً خاشعاً قريباً من الله. وفي عالم المعاملة، تتحكم فيه دوافع الغضب والخوف والشك والحرص والعدوان والأنانية. والمشكلة ليست في وجود التناقض وحده، فالإنسان كائن متناقض بطبيعته، وإنما في قدرته المدهشة على منع هذين العالمين من الاصطدام داخل وعيه. فهو يستطيع أن يقرأ القرآن من دون أن يسمح للقرآن بأن يقرأه. وهذه، ربما، واحدة من أعمق أزمات التديّن البشري.
فالقرآن، حين يُقرأ بوصفه مجرد نص يتلوه الإنسان، يمكن أن يصبح جزءاً من هويته وتمثّله لذاته. أما حين يُقرأ بوصفه خطاباً يكشف الإنسان لنفسه، فإنه يتحول إلى مرآة لا تسمح له بالاختباء بسهولة. والفارق بين هاتين القراءتين هائل: ففي الأولى، يسأل الإنسان كم قرأت؟ وفي الثانية، يسأل: ماذا كشف ما قرأت عني؟ في الأولى، تكون التلاوة فعلاً يضاف إلى رصيد الصورة الدينية للذات؛ وفي الثانية، تصبح التلاوة فعلاً يهدد هذه الصورة ويفككها ويعيد بناءها.
ولذلك، فإن العبادة الحقيقية في معناها الأعمق، هي فعل مضاد لفائض التمثّل. فالصلاة، إذا حققت غايتها، لا ينبغي أن تضيف إلى الإنسان مجرد صورة جديدة عن نفسه بوصفه “مصلياً”، وإنما ينبغي أن تنزع عنه شيئاً من أوهامه عن نفسه. والذكر لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للشعور بالتفوق الروحي، بل إلى استعادة دائمة لحقيقة محدودية الإنسان وافتقاره. والاستغفار لا معنى له إذا كان الإنسان لا يرى في نفسه ما يستحق أن يستغفر منه. والتوبة لا تكون توبة حقيقية إذا بقيت مجرد كلمة يرددها الإنسان من دون أن تكون لديه الشجاعة لمواجهة ما اقترفته نفسه في حق الآخرين.
ومن هنا نفهم لماذا يمكن للتديّن أن يكون واحداً من أكثر الميادين قدرة على كشف الإنسان. فالدين يضع أمامه معياراً عالياً، ثم تكشف المسافة بين هذا المعيار وسلوكه حقيقة ما هو عليه. وكلما كان الخطاب الذي يردده الإنسان أكثر سمواً، كان التناقض بينه وبين أفعاله أكثر دلالة.
إن الإنسان الذي لا يتحدث عن الرحمة ثم يقسو متناقض مع قيمة أخلاقية. أما الإنسان الذي يكرر الحديث عن الرحمة صباح مساء، ثم يقسو، فإنه يكشف عن ظاهرة أكثر تعقيداً: إنه يكشف عن قدرة الوعي البشري على حمل القيمة ونقيضها في الوقت نفسه، وعلى تحويل المعرفة الأخلاقية إلى خطاب لا يغير صاحبه بالضرورة.
ولهذا فإن التديّن لا يجعل الإنسان صالحاً آلياً. بل قد يمنحه، إذا خضع لسلطان فائض التمثّل، لغة أكثر قدرة على إخفاء فساده. فالأنانية قد تسمى حرصاً. والبخل قد يسمى تدبيراً. وسوء الظن قد يسمى فطنة. والقسوة قد تسمى حزماً. والعدوان قد يسمى غيرة على الحق. ورفض الاعتراف بالخطأ قد يسمى ثباتاً على المبدأ. واحتقار المختلف قد يسمى دفاعاً عن الدين. وهكذا لا يكتفي فائض التمثّل بإخفاء الدافع الحقيقي، بل يعيد تسميته باسم أخلاقي أو ديني يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار فيه من دون أن تنهار صورته عن نفسه.
وهنا تكمن خطورة التديّن حين يتحول من مشروع لتزكية النفس إلى مشروع لتزكية صورة النفس. فالفرق بين الأمرين هو الفرق بين أن يسعى الإنسان إلى أن يكون أفضل، وأن يسعى إلى أن يشعر بأنه أفضل. فالأول هو طريق شاق، لأنه يتطلب المراجعة والاعتراف والاعتذار والتغيير ومقاومة الأهواء. أما الثاني فأسهل بكثير؛ إذ يكفي الإنسان أن يكثر من العلامات التي تؤكد له انتماءه إلى عالم الصلاح: كلمات معينة، ومظاهر معينة، وطقوس معينة، وانتماءات معينة، ثم يترك بنيته الأخلاقية العميقة على حالها، بل قد يحدث ما هو أخطر؛ إذ تصبح الممارسة الدينية نفسها وسيلة لحماية هذه البنية من النقد. فكلما واجه الإنسان دليلاً على سوء سلوكه، استدعى رصيده التمثّلي عن نفسه: أنا أصلي، أنا أقرأ القرآن، أنا أذكر الله، أنا أخاف الله، فكيف أكون ظالماً؟ وبدلاً من أن تكون العبادة سبباً لمراجعة السلوك، فإنها تصبح في هذه الحالة حجة نفسية تمنع مراجعته. وهكذا تنقلب الوظيفة، فما كان ينبغي أن يكشف الإنسان لنفسه يصبح وسيلة لإخفائه عنها.
وهذه المفارقة تفسر لماذا قد يكون بعض أكثر الناس ممارسة للشعائر هو من أكثرهم صعوبة في الاعتراف بأخطائه. فالصورة التي بناها الإنسان عن نفسه قد تصبح ثمينة إلى درجة أن أي نقد لسلوكه يُفهم بوصفه تهديداً لهويته كلها. ولذلك فإنه لا يدافع عن فعل خاطئ فحسب، بل يدافع عن “الإنسان الصالح” الذي يتخيل أنه هو. وكلما ازدادت المسافة بين هذه الصورة والواقع، ازداد احتياجه إلى الدفاع عنها.
وهنا لا يصنع فائض التمثّل مجرد نفاق اجتماعي، بل يصنع ما يمكن تسميته بالنفاق التمثّلي للذات: حالة لا يكون فيها الإنسان بالضرورة متعمداً لخداع الآخرين، لأنه قد يكون أول من صدق الخدعة.
ومن هنا يصبح السؤال الديني الحقيقي أكثر قسوة مما نتصور. فليس: كم مرة ذكرتَ الله؟ بل: ماذا فعل الذكر بلسانك حين غضبت؟ وليس: كم مرة قرأت عن العفو؟ بل: ماذا فعلت حين امتلكت القدرة على الانتقام؟ وليس: كم مرة قرأت النهي عن سوء الظن؟ بل: كيف عاملت من أثار في نفسك الشك؟ وليس: كم مرة قرأت عن الإنفاق؟ بل: ماذا حدث لك حين طُلب منك أن تفارق شيئاً تحبه؟ وليس: كم مرة قلت “أستغفر الله”؟ بل: هل استطعت أن ترى نفسك مخطئاً حقاً؟
إن “المعاملة”، بهذا المعنى، ليست جانباً ثانوياً من الدين، بل هي المختبر الذي تُختبر فيه حقيقة أثره. فمن السهل نسبياً أن يكون الإنسان خاشعاً وهو وحده في صلاته، لأن أحداً لا ينازعه هناك على مال أو مكانة أو حق أو رغبة. أما الاختبار الحقيقي فيبدأ حين يدخل الآخر إلى المشهد؛ حين يختلف معه، أو يسيء إليه، أو ينافسه، أو يطلب منه، أو يثير غيرته، أو يهدد مصالحه، أو يوقظ مخاوفه. وهناك لا نرى فقط ما يقوله الإنسان عن نفسه، بل نرى شيئاً مما هو عليه بالفعل.
ولعل هذه هي إحدى أعمق الحقائق التي يكشفها التديّن عن الإنسان: إن الإنسان لا يُعرف تماماً بما يقوله حين يكون في حضرة المثال، بل بما يفعله حين يكون في حضرة الآخر. فالآخر هو الذي يختبر الرحمة، والآخر هو الذي يختبر العدل، والآخر هو الذي يختبر العفو، والآخر هو الذي يختبر حسن الظن، والآخر هو الذي يختبر الكرم، والآخر هو الذي يختبر ضبط الغضب. ومن دون الآخر قد تبقى الفضائل كلها مجرد تمثّلات جميلة يحملها الإنسان عن نفسه. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للتديّن هو أن ينفصل عن وظيفته التغييرية، وأن يتحول إلى هوية مغلقة. وعندها لا يعود الدين قوة تواجه الإنسان بحقيقته، بل يصبح مادة يستخدمها الإنسان في بناء واحدة من أكثر صوره الذاتية مقاومة للنقد. فالدين، في جوهره، هو دعوة مستمرة إلى إسقاط الأقنعة. أما التديّن البشري، حين يستولي عليه فائض التمثّل، فقد يصبح مصنعاً للأقنعة.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: فالإنسان قد يتوهم أنه قد أختبأ من الله بما يفعله باسم الله، وقد يهرب من مواجهة نفسه بكثرة حديثه عن تزكيتها، وقد يستخدم النص الذي جاء ليغيره في تثبيت الصورة التي تمنعه من التغير. غير أن هذه المفارقة لا ينبغي أن تقودنا إلى إدانة التديّن في ذاته، بل إلى إعادة فهم وظيفته. فالتديّن الحقيقي هو ليس أن يضيف الإنسان إلى هويته صفة جديدة اسمها “متديّن”، وإنما أن يسمح للدين بأن ينتزع منه، شيئاً فشيئاً، ما لا ينبغي أن يبقى فيه. والتدين الحقيقي لا ينبغي ان يجعل المتدين يزداد اقتناعاً بصلاحه، بل ان يصبح أكثر وعياً بنقائصه. وليس أن يتقن الحديث عن الفضائل، بل أن يصبح أقل قدرة على احتمال التناقض بين حديثه عنها وسلوكه المخالف لها.
ولعل المعيار الأكثر صدقاً لنجاح التجربة الدينية ليس مقدار ما يستطيع الإنسان أن يقوله عن الله، بل مقدار ما تغير في علاقته بعباد الله. فإذا كان المتدين يذكر الله كثيراً، لكنه يزداد قسوة؛ ويقرأ القرآن، لكنه يزداد سوءاً للظن؛ ويستغفر، لكنه لا يعترف بخطئه؛ ويتحدث عن الرحمة، لكنه لا يرحم؛ ويقرأ عن الإنفاق، لكنه يزداد تعلقاً بما في يده؛ فإن المشكلة ليست في الدين الذي يقرأه، بل في الآلية التمثّلية التي استطاعت أن تجعل من قراءته جزءاً من القناع بدلاً من أن تجعل منها أداة لنزعه.
وهكذا يكشف التديّن، ربما أكثر من أي ممارسة إنسانية أخرى، عن المأساة العميقة للإنسان والمتمثلة في أنه الكائن الوحيد القادر على أن يعرف الخير من دون أن يفعله، وأن يتحدث عن الفضيلة من دون أن يتحلى بها، وأن يعبد الله بلسانه بينما تبقى معاملاته مع الآخرين خاضعة لدوافع لم تصل إليها عبادته بعد. غير أن التديّن يكشف، في الوقت نفسه، عن إمكانية أخرى. فإذا استطاع الإنسان أن يحوّل الدين من مادة لبناء تمثّله عن نفسه إلى قوة لمراجعة هذا التمثّل؛ وإذا أصبح القرآن مرآة يكتشف فيها عيوبه لا شهادة يمنحها لنفسه على صلاحه؛ وإذا أصبحت العبادة وسيلة لتقليل المسافة بين ما يقوله وما يفعله، لا وسيلة لتغطية هذه المسافة؛ فعندئذ يبدأ الدين في أداء واحدة من أعمق وظائفه؛ ألا وهي تحرير الإنسان من الصورة التي صنعها عن نفسه، وإعادته إلى مواجهة الحقيقة التي ظل طوال حياته يختبئ منها وراء عدد لا يحصى من الأقنعة.
ولهذا ربما لا يكون أخطر سؤال يمكن أن يطرحه الإنسان على نفسه: هل أنا متديّن؟ بل السؤال الذي يخشاه فائض التمثّل أكثر من أي سؤال آخر: من أكون حين تسقط عني صورة الإنسان المتديّن التي صنعتها لنفسي، ولا يبقى للحكم عليّ إلا ما أفعله حقاً بالآخرين؟
