
من بين جميع الحقول التي يمكن أن يعيد مفهوم “الإنسان الذي لم يوجد قط” فتح أسئلتها، ربما لا يوجد حقل أكثر حساسية وعمقاً من سوسيولوجيا الدين. فالدين، على امتداد التاريخ البشري، لم يكن مجرد منظومة من المعتقدات الفردية، بل كان واحداً من أعظم القوى التي أسهمت في تشكيل المجتمعات والهويات والقوانين والأخلاق والحضارات. ومع ذلك، فإن السؤال عن الدين ظل موزعاً بين مقاربات متعارضة: مقاربات إيمانية ترى فيه خطاباً متعالياً مصدره خارج الإنسان، ومقاربات اجتماعية ونفسية وأنثروبولوجية تحاول تفسيره بوصفه نتاجاً بشرياً يمكن رده إلى حاجات الفرد أو الجماعة. غير أن نظرية الانعطافة التطورية الأولى، ومفهوم فائض التمثّل الذي تنطلق منه، قد يتيحان طريقاً ثالثاً لا يضطر إلى حسم السؤال الميتافيزيقي عن مصدر الدين لكي يدرس ما يحدث له حين يدخل إلى العالم الإنساني. فالسؤال الذي تطرحه هذه المقاربة ليس ابتداءً: هل الدين من عند الله أم من صنع الإنسان؟ بل سؤال مختلف: ماذا يفعل الإنسان بالدين حين يتلقاه؟
إن الفرق بين السؤالين جوهري. فالأول يتعلق بمصدر الدين، وهو سؤال فلسفي ولاهوتي وميتافيزيقي. أما الثاني فيتعلق بتاريخ التدين، وبالطريقة التي يستقبل بها العقل البشري الخطاب الديني، ويفسره، ويعيد تمثله، ويبني حوله المؤسسات والهويات والحدود والسلطات.
وهنا يصبح مفهوم “الإنسان الذي لم يوجد” أداة مقارنة بالغة الدلالة. فإذا تصورنا، على سبيل الفرض، كائناً بشرياً لم يخضع لفائض التمثّل بالصورة التي نعرفها، فإن السؤال يصبح: كيف كان هذا الكائن سيتعامل مع خطاب ديني لو وُجّه إليه؟ هل كان سيحوله إلى العدد نفسه من التأويلات والمذاهب والهويات؟ وهل كان سيبني حوله المؤسسات نفسها؟ وهل كان سيستخدمه لتقسيم البشر إلى جماعات متنافسة؟ وهل كان سيقاتل من أجل تفسيره؟ إننا لا نستطيع بالطبع أن نجيب عن هذه الأسئلة إجابات تاريخية، لأن ذلك الإنسان لم يوجد. ولكن قيمتها لا تكمن في إثبات ما كان سيفعله، بل في كشف خصوصية ما يفعله الإنسان الفعلي.
فالإنسان لا يتلقى الخطاب كما هو؛ بل أنه يتمثله. وكل تمثل يتضمن اختياراً وترتيباً وتأويلاً وربطاً بسياق سابق. ثم لا يلبث هذا التمثل أن يدخل في شبكة من تمثلات أخرى: اللغة، والثقافة، والسلطة، والهوية، والخوف، والمصلحة، والذاكرة الجماعية. وبذلك قد تبدأ المسافة في الاتساع بين الدين في مصدره المفترض والدين كما يُعاش تاريخياً.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تختلط في دراسة الظاهرة الدينية.
المستوى الأول هو الدين من حيث دعوته الأصلية أو مصدره المتعالي المفترض.
والمستوى الثاني هو فهم الإنسان للدين.
أما المستوى الثالث فهو ما يبنيه المجتمع حول ذلك الفهم من مؤسسات وسلطات وهويات وتقاليد.
إن سوسيولوجيا الدين، في كثير من الأحيان، تدرس المستوى الثالث، ثم تميل إلى تعميم نتائجها على الدين كله. فهي تدرس المؤسسة الدينية، والصراع المذهبي، والطقوس، والسلطة، ووظائف الدين الاجتماعية، ثم تتحدث أحياناً كما لو أنها فسرت بذلك أصل الدين وحقيقته. لكن هذا الانتقال ليس ضرورياً من الناحية المنطقية. فإثبات أن الإنسان يستخدم الدين في بناء الهوية لا يثبت أن الدين نشأ من الحاجة إلى الهوية. وإثبات أن المؤسسة الدينية تمارس السلطة لا يثبت أن الدين نفسه “اختُرع” من أجل السلطة. وإثبات أن المعتقدات الدينية تؤدي وظائف نفسية لا يثبت أن هذه الوظائف هي مصدر المعتقد. فالوظيفة الاجتماعية للشيء ليست بالضرورة تفسيراً لأصله.
وهنا يمكن للميتابايولوجيا أن تقدم إضافة مهمة إلى سوسيولوجيا الدين. فهي تسمح بدراسة ما يحدث عند نقطة التقاء خطاب ديني مفترض بعقل خاضع لفائض التمثّل. أي أنها لا تدرس الدين وحده، ولا الإنسان وحده، بل أنها تدرس التفاعل بينهما. ومن هذه الزاوية، فإن تاريخ التدين مختلف بالضرورة عن تاريخ الدين. فالدين يدعو إلى التوحيد، بينما يُنتج الإنسان حوله انقسامات لا تنتهي. والدين يدعو إلى التواضع، بينما قد يتحول الانتماء إليه إلى مصدر للشعور بالتفوق. كما وأن الدين يدعو إلى الرحمة، بينما يستخدمه بعض أتباعه لتبرير القسوة. والدين يدعو إلى تزكية النفس، بينما يتحول عند بعض الناس إلى أداة لمراقبة الآخرين والحكم عليهم.
فكيف حدث هذا التحول إذاً؟ إن التفسير التقليدي قد يقول إن المشكلة في سوء الفهم، وهو تفسير صحيح في جانب منه، لكنه لا يذهب بعيداً بما يكفي. فالسؤال الأعمق هو: لماذا بمقدور الإنسان أصلاً أن يعيد تشكيل الخطاب إلى هذه الدرجة؟ ولماذا يستطيع أن يضع بينه وبين النص طبقات من التأويلات حتى يصبح أحياناً أكثر ولاءً لتأويله من ولائه لما يزعم أن النص نفسه يقوله؟
وهنا يظهر فائض التمثّل بوصفه عاملاً تفسيرياً محتملاً. فالإنسان لا يكتفي بفهم الشيء، بل يبني صورة عنه. ثم يبني صورة عن صورته. ثم ينتمي إلى هذه الصورة، ويدافع عنها، ويجعلها جزءاً من هويته. وبعد ذلك قد يصبح أي تهديد للتفسير تهديداً للذات نفسها. وعند هذه النقطة يتحول الاختلاف في الفهم إلى صراع في الوجود. فالمذهب لا يعود مجرد طريقة في القراءة، بل يصبح “نحن”. والعقيدة لا تبقى فكرة فحسب، بل تصبح حدوداً تفصل الجماعة عن غيرها. والتفسير لا يعود احتمالاً معرفياً، بل يتحول إلى هوية، والهوية تطلب الولاء، والولاء قد ينتج العداء.
وهكذا يمكن لفائض التمثّل أن يفسر جانباً من المفارقة الكبرى في تاريخ الأديان: كيف تستطيع رسالة تدعو إلى جمع البشر حول معنى متعالٍ أن تصبح، في بعض مراحل تاريخها البشري، مصدراً لمزيد من الانقسام؟
إن المشكلة، من هذه الزاوية، هي ليست في الدين، بل في قدرة الإنسان على إنتاج طبقات لا تنتهي من التمثلات حوله. وهذا لا يعني أن جميع التأويلات باطلة، أو أن الإنسان يستطيع أن يتلقى أي خطاب من دون تفسير. فالفهم نفسه فعل تمثلي، ولا يمكن للإنسان أن يتعامل مع اللغة خارج عمليات التأويل. ولكن الفرق يكمن بين التمثّل بوصفه ضرورة للفهم، وفائض التمثّل بوصفه تضخماً يجعل التفسير يحجب موضوعه، ثم ينسى الإنسان أن ما يدافع عنه قد يكون تفسيره للدين لا الدين نفسه.
ومن هنا يمكن أن نفهم ظاهرة بالغة الدلالة في تاريخ التدين تتمثل في “تقديس” الوسائط. فالنص يحتاج إلى قارئ، والقارئ يحتاج إلى لغة، واللغة تحتاج إلى تفسير، والتفسير يتراكم عبر التاريخ. ولكن ما يبدأ بوصفه وسيلة للفهم قد يتحول إلى سلطة مستقلة، حتى يصبح تفسير السابقين أحياناً أكثر حضوراً من النص الذي سعوا إلى تفسيره. وعندئذ لا يعود الإنسان يقرأ الدين مباشرة، بل يقرأه من خلال تاريخ كامل من القراءات.
وهنا يؤدي فائض التمثّل دوره مرة أخرى. فهو لا يكتفي بإنتاج المعنى، بل يراكم المعاني حتى تصبح الطبقات اللاحقة قادرة على حجب الطبقة الأولى. وقد يجد الإنسان نفسه في النهاية يدافع عن بناء تاريخي معقد وهو يعتقد أنه يدافع عن الأصل نفسه.
ولعل هذا هو ما يجعل مفهوم “الإنسان الذي لم يوجد” ذا قيمة خاصة في سوسيولوجيا الدين. فهو يسمح لنا أن نتخيل، لا ديناً بلا إنسان، فهذا تناقض في موضوع الدراسة، بل إنساناً أقل خضوعاً لفائض التمثّل، ثم نسأل: أي أجزاء من الظاهرة الدينية الحالية كانت ستبقى، وأيها كانت ستختفي؟ وهل كان الإيمان سيبقى؟ ربما. هل كانت العبادة ستبقى؟ ربما. لكن هل كان التعصب المذهبي سيأخذ الصورة نفسها؟ وهل كانت السلطة الدينية ستتضخم بالطريقة نفسها؟ وهل كان الإنسان سيقتل أخاه دفاعاً عن تأويل؟ وهل كانت الجماعة ستجعل من انتمائها الديني أساساً للشعور بالتفوق البشري؟ إن هذه الأسئلة لا تقدم أجوبة جاهزة، لكنها تفتح مجالاً جديداً للبحث. فهي تسمح بالتمييز بين ما قد ينتمي إلى جوهر التجربة الدينية وما قد يكون ناتجاً عن البنية النفسية والاجتماعية للإنسان المتدين.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة تاريخ الأديان ليس بوصفه تاريخاً للدين وحده، بل بوصفه تاريخ التفاعل بين الدين والإنسان. وهذا التفاعل ليس محايداً. فالإنسان يدخل إلى الدين حاملاً معه خوفه، ورغبته في الانتماء، وحاجته إلى اليقين، وميله إلى بناء الهوية، وقدرته على العدوان، ورغبته في السلطة، وفائض تمثّله. ومن ثم فإن ما يظهر في التاريخ تحت اسم الدين قد يكون، في بعض الأحيان، مزيجاً شديد التعقيد من الخطاب الأصلي والاستجابة البشرية له.
وهنا تصبح سوسيولوجيا الدين، في ضوء الميتابايولوجيا، علماً لا يدرس فقط الوظائف الاجتماعية للإنسان المعتقِد، بل يدرس أيضاً التحولات التي يتعرض لها الخطاب حين يمر عبر العقل البشري. وهذا التحول المنهجي مهم، لأنه يمنع خطأين متعاكسين. الخطأ الأول هو أن ننسب كل ما فعله المتدينون إلى الدين نفسه.
والخطأ الثاني هو أن نعفي الإنسان من مسؤوليته بحجة مفادها أنه إنما كان ينفذ ما أمره به الدين. فبين النص والفعل يوجد دائماً الإنسان. والإنسان ليس وسيطاً شفافاً. فهو يقرأ، ويفسر، ويختار، ويضخم، ويحذف، ويربط، ويعيد البناء. ولذلك فإن فهم الظاهرة الدينية يقتضي دراسة هذا الوسيط نفسه.
ولعل القرآن الكريم يقدم، من داخل الخطاب الديني نفسه، مادة غنية للتأمل في هذه المشكلة. فهو لا يعرض الإنسان بوصفه متلقياً محايداً للحقيقة، بل كائناً يمكنه أن يختلف، ويؤول، ويتبع الظن، ويخضع للهوى، ويتعصب لما ورث، ويجعل من الانتماء مصدراً للتفاضل. ومن ثم فإن نقد التدين البشري لا يكون بالضرورة نقداً للدين، بل قد يكون، على العكس، جزءاً من العودة إلى المسافة بين الخطاب وما يصنعه الإنسان به.
وهنا قد نصل إلى واحدة من أكثر النتائج قيمةً دلالية. فربما لا يكون السؤال الأكبر في سوسيولوجيا الدين هو “لماذا اخترع الإنسان الدين؟”، كما افترضت بعض المقاربات ذات الصلة بسوسيولوجيا الدين، بل “لماذا يعيد الإنسان تشكيل الدين على صورته؟”، وهذا السؤال يفتح أفقاً مختلفاً تماماً. فإذا كان الإنسان خاضعاً لفائض التمثّل، فإن الدين يدخل إلى عالم من الصور المسبقة، والهويات، والمصالح، والمخاوف، والسلطات. وما أن يدخل حتى تبدأ عملية إعادة البناء. ومن ثم قد يصبح تاريخ التدين، في جانب منه، هو تاريخ الصراع المستمر بين ما يطلبه الخطاب من الإنسان وما يريد الإنسان أن ينفذه من هذا الخطاب.
وربما تتجلى هنا، وعلى وجه التحديد، القيمة الكبرى للإنسان الذي لم يوجد قط. فهذا الإنسان الافتراضي لا يخبرنا كيف كان سيؤمن، ولا ما الدين الذي كان سيتبعه، لكنه يسمح لنا بأن نعزل، على المستوى النظري، أثر فائض التمثّل عن الظاهرة الدينية، ثم نسأل كم من الدين الذي نراه في التاريخ هو دينٌ حقاً، وكم منه هو الإنسان حين يقوم، وتحت ضغط امتثاله لسلطان فائض التمثل، بتأويله وإيهام نفسه بالتالي ان تأويله هذا هو جوهر حقيقة الدين؟
وعندئذ قد تتحول سوسيولوجيا الدين من علم يفسر الدين بالإنسان فقط، إلى علم يدرس المسافة بين الدين والإنسان؛ بين الخطاب وتلقيه، وبين المعنى وتمثله، وبين ما يُقال وما يصنعه العقل البشري بما يُقال.
وقد تكون هذه المسافة هي المكان الذي نشأ فيه جانب كبير من تاريخ التدين كله.
