حين يقود الالتزام الصارم بروح العلم الإنسانَ من الإلحاد الجازم إلى اللاأدرية

من بين أكثر المفارقات إثارةً للتأمل في الجدل المعاصر بين الدين واللادين أن كثيرًا ممن يرفضون الدين يفعلون ذلك باسم العلم، ثم لا ينتبهون إلى أن الالتزام الصارم بالعلم، وبحدوده المنهجية والإبستمولوجية، قد لا يقودهم إلى النتيجة التي يظنون أنهم بلغوها. فالعلم يستطيع أن يفسر كثيرًا، وأن يهدم كثيرًا من التصورات الخاطئة، وأن يستبعد فرضيات لم تعد الأدلة تؤيدها، لكنه لا يمنح الإنسان، لمجرد اتساع قدرته التفسيرية، الحق في الانتقال من القول “لقد وجدنا تفسيرًا طبيعيًا لهذه الظاهرة” إلى القول “إذاً يستحيل أن يكون لله وجود”.
وهنا تكمن إحدى أهم المسائل التي فات كثيرًا من اللادينيين أن يتبينوها بشأن موقفهم، وهي أن العلم، إذا أُخذ بجدية كاملة، لا يمنحهم بالضرورة ما يظنون أنه يمنحهم إياه.
ولا تعني هذه المقالة أن كل لاديني ملحد، أو أن كل ملحد يدّعي أن العلم قد أثبت عدم وجود الله؛ فاللادينية مفهوم أوسع من الإلحاد، وقد يكون الإنسان لادينيًا لأسباب فلسفية أو نفسية أو تاريخية أو أخلاقية، وقد يكون لاأدريًا من غير أن ينتمي إلى أي دين. فالنقد ينصب هنا تحديدًا على ذلك الموقف الذي يجعل من العلم مسوغًا للانتقال من رفض تفسير ديني معين إلى النفي الجازم لأي حقيقة متعالية. وهذا الانتقال، عند فحصه إبستمولوجيًا، ليس علميًا بالقدر الذي يظنه أصحابه.
فكثيرٌ من الرافضين للدين يستندون إلى تصور يبدو للوهلة الأولى بالغ القوة والبساطة مفاده لقد كانت الأديان تفسر ظهور الإنسان بـ “الخلق”، ثم جاءت البايولوجيا التطورية وقدمت تفسيرًا طبيعيًا لظهوره، ومن ثم لم تعد هناك حاجة إلى افتراض تدخل إلهي. غير أن هذا الاستدلال يخفي داخله انتقالًا غير مشروع من نجاح نظرية علمية في تفسير جوانب من تاريخ الإنسان البايولوجي إلى الادعاء بأنها فسرت الظاهرة الإنسانية برمتها؛
فهذان أمران مختلفان تمامًا. فلاشك في أن البايولوجيا التطورية قد حققت نجاحات معرفية هائلة في تفسير نشوء الأنواع، والتكيف، والانتخاب الطبيعي، والقرابة بين الكائنات، والتاريخ التطوري للإنسان. غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه هو ليس: هل استطاعت البايولوجيا التطورية أن تفسر كثيرًا من تاريخ الإنسان؟ بل: هل استطاعت أن تفسر الإنسان كله؟
وهنا يبدأ اللغز؛ فالإنسان ليس مجرد جسم تطور عبر الزمن، بل هو الكائن الذي يبني عوالم رمزية كاملة ثم يعيش داخلها، ويقتل من أجل أفكار مجردة، ويموت دفاعًا عن هويات متخيلة، ويعاني بسبب أحداث لم تقع وربما لن تقع، ويستطيع أن يحوّل الجنس من وظيفة تناسلية إلى كون رمزي ونفسي وثقافي بالغ التعقيد، وأن يحوّل العدوان من أداة دفاع أو تنافس إلى منظومات إيديولوجية ومؤسساتية وحضارية، وأن يجعل من قدرته على التمثّل الذهني مصدرًا للأسطورة والفلسفة والعلم والفن، وفي الوقت نفسه مصدرًا للقلق والوهم والشك والكراهية والانقسام.
وهنا تبرز القيمة الدلالية لما تكشفه الفوائض الثلاثة: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس.
فهذه الفوائض، إذا ثبت أنها تمثل خصائص نوعية في الظاهرة الإنسانية، وليس مجرد درجات كمية أعلى من خصائص حيوانية سابقة، فإنها تضع تصور “التطور المتصل” أمام سؤال بالغ الصعوبة مفاده: كيف ظهرت في الإنسان قدرات وسلوكيات تجاوزت، في كثير من تجلياتها، الوظائف التي يمكن تفسيرها مباشرة بمنطق البقاء والتناسل والتكيف؟
إن فائض التمثّل، على سبيل المثال، لا يمنح الإنسان مجرد قدرة أفضل على تمثل الواقع، بل يجعله قادرًا على إنتاج ما ليس موجودًا، ثم التأثر به كما لو كان موجودًا، بل وإعادة تشكيل العالم المادي على أساسه. وفائض العدوان لا يقتصر على المقدار الضروري للدفاع أو المنافسة، وإنما يستطيع أن يتحول إلى عداء رمزي ممتد عبر الأجيال ضد جماعات لم يلتق أفرادها قط. أما فائض الجنس، فلم يبقَ محكومًا بوظيفته الإنجابية، ولكنه انفصل عنها ليصبح مجالًا بالغ الاتساع للتمثّل والهوية والخيال والسلطة والثقافة.
والمقصود هنا هو ليس الادعاء بأن البايولوجيا التطورية لم تقدم أي تفسيرات لهذه الظواهر، فهذا قول غير دقيق. فلقد قدم علم النفس التطوري، والأنثروبولوجيا التطورية، وعلوم الأعصاب، ونظريات التطور الثقافي، تفسيرات عديدة لها. ولكن وجود تفسير مقترح لا يساوي اكتمال التفسير، كما أن القدرة على بناء سيناريو تطوري ممكن لا تعني أن هذا السيناريو قد أصبح حقيقة تاريخية مثبتة.
وهنا تقع المشكلة التي كثيرًا ما يغفل عنها الخطاب الإلحادي السائد، فهو يتعامل مع كلمة «التطور» كما لو كانت مفتاحًا تفسيريًا نهائيًا، بحيث يكفي أن يقال إن سمةً ما «تطورت» لكي يُعد السؤال عن أصلها قد حُسم.
ولكن القول إن شيئًا ما تطور ليس، في ذاته، تفسيرًا لكيفية تطوره، ولا لماذا اتخذ تطوره هذا المسار دون غيره، ولا لماذا بلغ في الإنسان هذه الدرجة النوعية من التعقيد.
ومن ثم فإن الإنسان، على الرغم من كل ما نعرفه عن تاريخه التطوري، لا يزال يحتفظ بمناطق غموض عميقة. وإذا كانت نظرية الانعطافة التطورية الأولى، وما يرتبط بها من مفهوم الفوائض الثلاثة، تضع يدها على فجوة حقيقية في تفسير الانتقال من الحيواني إلى الإنساني، فإن هذا يعني أن الرواية التي تقول إن البايولوجيا التطورية قد «أغلقت ملف الإنسان» هي ليست رواية علمية، بل تبسيطٌ فلسفي لما أنجزه العلم بالفعل. وحتى لو افترضنا، جدلًا، أن البايولوجيا التطورية نجحت يومًا في تقديم تفسير كامل لكل مرحلة من مراحل ظهور الإنسان، فإن ذلك لن يكون في ذاته برهانًا على عدم وجود الله. وهذه نقطة مركزية؛ فالقول إن ظاهرة ما لها آلية طبيعية لا يستلزم منطقيًا أن الله غير موجود، وإلا لكان اكتشاف آلية تكوّن وهطول المطر نفيًا لوجود الله، واكتشاف آلية تكوّن النجوم نفيًا لوجود الله، واكتشاف آلية الوراثة نفيًا لوجود الله. إن العلم، بطبيعته، يبحث في كيف تحدث الأشياء داخل العالم القابل للرصد. أما السؤال عما إذا كان وجود هذا العالم نفسه، وقوانينه، وإمكان وجوده، يحتاج إلى تفسير ميتافيزيقي، فهو سؤال من مرتبة أخرى.
وهذا لا يعني أن الإجابة الدينية صحيحة بالضرورة، بل يعني شيئًا أكثر تواضعًا ودقة مفاده أن التفسير العلمي لآلية ظاهرة ما لا يكفي منطقيًا لنفي كل تفسير ميتافيزيقي محتمل لوجود العالم الذي تحدث فيه تلك الآلية. فالانتقال من «نعرف كيف حدث الشيء» إلى «نعرف أنه لا يمكن أن يكون لله أي علاقة بوجود الواقع الذي سمح بحدوثه» انتقال فلسفي، وليس نتيجة تجريبية أنتجها المختبر.
ثم ينتقل الاستدلال اللاديني نفسه من البايولوجيا إلى الفيزياء. فكما يُقال إن اكتشاف التطور جعل “القول بالخلق” غير ضروري، يُقال إن الفيزياء الحديثة جعلت الخالق غير ضروري. وتُستدعى في هذا السياق نظريات نشأة الكون، وفيزياء الكم، والتضخم الكوني، والأكوان المتعددة، وغيرها من التصورات التي تحاول تفسير البنية الأولى للكون أو الشروط التي أفضت إلى حالته الراهنة.
ولا شك في أن الفيزياء الحديثة قد أحدثت ثورات معرفية غير مسبوقة في فهم الكون. لكن ثمة فرق هائل بين أن يمتلك العلم نموذجًا يصف المراحل المبكرة جدًا من الكون، وبين أن يكون قد أجاب إجابة نهائية عن السؤال: لماذا يوجد شيء بدلًا من لاشيء؟ كما أن ثمة فرقًا بين تفسير انتقال الكون من حالة فيزيائية إلى أخرى وبين تفسير وجود الواقع الفيزيائي نفسه. فكلما قدمت الفيزياء نظرية جديدة، يبقى من المشروع أن نسأل: هل تصف هذه النظرية الواقع النهائي، أم طبقة أعمق من طبقات واقع لم نبلغ نهايته بعد؟ وهل «القوانين» التي تستند إليها النظرية حقائق نهائية لا تحتاج إلى تفسير، أم أنها بدورها جزء مما يحتاج إلى تفسير؟ وإذا قيل إن الكون نشأ من حالة كمومية، فهل هذه الحالة هي «العدم» بالمعنى الفلسفي، أم أنها بنية فيزيائية ذات خصائص وقوانين وإمكانات؟
إن هذه الأسئلة لا تثبت وجود الله. لكنها تثبت شيئًا آخر بالغ الأهمية، وهو أن الفيزياء لم تحصل على تفويض إبستمولوجي بإغلاق السؤال الميتافيزيقي. فقد يقترح العلم نموذجًا كونيًا لا يحتاج في معادلاته إلى إدخال متغير اسمه «الله». ولكن عدم وجود الله في المعادلة ليس معادلًا لإثبات عدم وجود الله في الواقع. فالمنهج العلمي يستبعد، لأغراض البحث، التفسيرات التي لا يمكن اختبارها تجريبيًا. وهذا الاستبعاد المنهجي لا يجوز تحويله خلسةً إلى نفي وجودي. فثمة فرق حاسم بين القول: «لا أستطيع استخدام هذه الفرضية داخل النموذج العلمي» والقول: «لقد أثبت العلم أن موضوع هذه الفرضية غير موجود”.
فالأول موقف منهجي.
أما الثاني فادعاء ميتافيزيقي يحتاج هو نفسه إلى برهان.
والعلم لا يستطيع أن يثبت استحالة وجود الله. وهنا نصل إلى قلب المسألة؛ فما هي التجربة العلمية التي يمكن إجراؤها لإثبات أن الله غير موجود؟ وما هو جهاز القياس الذي يستطيع أن يمسح جميع مراتب الوجود الممكنة، وكل ما قد يكون خارج الكون المرصود أو سابقًا عليه أو متجاوزًا لأبعاده، ثم يعلن بعد ذلك: لم نجد الله؟
إن العلم يعمل داخل مجال محدد؛ فهو يدرس الظواهر القابلة، من حيث المبدأ، للرصد أو القياس أو الاختبار أو الاستدلال من آثارها. وكلما كان الادعاء خارج هذا المجال، ضعفت قدرة المنهج العلمي على الحكم فيه.
ومن هنا فإن عدم قدرة العلم على إثبات وجود الله لا تعني قدرته على إثبات عدم وجوده. فهذه قاعدة إبستمولوجية ينبغي أن تكون بديهية. فغياب الدليل على وجود شيء ما ليس بالضرورة دليلاً على غياب الشيء، إلا حين يكون الشيء المفترض هذا من النوع الذي لو وُجد لكان ينبغي أن يظهر ضمن مجال البحث. أما إذا كان موضوع البحث، بحكم تعريفه الفلسفي، غير قابل للإحاطة بأدوات الرصد المادي المباشر، فإن عدم التمكن من رصده لا يكفي لنفي وجوده.
ولذلك فإن العلم، بوصفه علمًا، لا يستطيع أن يقول «الله موجود»، إلا إذا ظهرت أدلة قابلة للفحص العلمي تسمح بنوع محدد من الاستدلال. ولكنه، بالقدر نفسه، لا يستطيع أن يقول: «من المستحيل أن يكون الله موجودًا»، ما لم يمتلك برهانًا على هذه الاستحالة، وهذا البرهان ليس في حوزته.
ولعل أعظم ما يميز العقل العلمي الحقيقي ليس كثرة ما يقول إنه يعرفه، بل دقته في تحديد ما لا يعرفه. فعبارة «لا أدري» ليست نقيصة في العلم؛ إذ أنها واحدة من أكثر عباراته شرفًا. فالعلم لا يتقدم إلا لأنه يعترف بجهله. وكل سؤال علمي حقيقي يبدأ، في جوهره، من منطقة لم نعرفها بعد. ولذلك فإن العالم الذي يقول «لا أدري» حين لا يمتلك دليلًا ليس أقل علمية ممن يقدم تفسيرًا، بل قد يكون أكثر علمية ممن يملأ الفراغ المعرفي بيقين لا يملكه. ومن هنا يمكن القول إن الموقف الذي ينسجم بصورة أكثر صرامة مع حدود العلم، فيما يتعلق بالسؤال الميتافيزيقي عن وجود الله، هو “لا أدري”؛ لا أدري لأن العلم لم يثبت وجود الله إثباتًا تجريبيًا قاطعًا، ولا أدري لأن العلم لم يثبت استحالة وجوده. ولا أدري لأن معرفتي بالكون، مهما اتسعت، لا تعني أنني أحطت بكل ما يمكن أن يوجد. ولا أدري لأن الانتقال من «لم أجد دليلًا أراه كافيًا» إلى «أعلم أن الشيء غير موجود» يحتاج إلى خطوة إضافية لا يمنحني إياها العلم تلقائيًا.
إن هذه اللاأدرية ليست حيادًا ضعيفًا بين طرفين، وإنما قد تكون، في هذا المستوى من السؤال، أشد المواقف التزامًا بالانضباط المعرفي.
يمكن للإنسان، بطبيعة الحال، أن يرجح عدم وجود الله. ويمكنه أن يرى أن الأدلة الدينية غير مقنعة، أو أن مشكلة الشر تجعل الإيمان صعبًا، أو أن التفسيرات الطبيعية أكثر اقتصادًا، أو أن مفهوم الله نفسه يثير لديه إشكالات فلسفية. فكل ذلك مشروع بوصفه موقفًا فلسفيًا قابلًا للنقاش، ولكن ثمة فرق بين أن يقول الإنسان “لا أرى دليلًا كافيًا يجعلني أؤمن بالله”، وأن يقول “لقد أثبت العلم أن الله غير موجود”.
فالعبارة الأولى تصف موقفًا معرفيًا شخصيًا أو فلسفيًا، أما الثانية فتضع في فم العلم قولًا لم يقله. بل أن الإلحاد الجازم، حين يعلن استحالة وجود الله من غير امتلاك برهان على هذه الاستحالة، قد يقع في المشكلة نفسها التي ينتقد بسببها بعض أشكال التدين والمتمثلة في تحويل ما لم يُبرهن عليه إلى يقين نهائي.
وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فقد يرفض بعض الملحدين الإيمان لأنه، في نظرهم، تجاوز لما يمكن إثباته، ثم يتجاوزون هم أنفسهم ما يمكن إثباته حين يحولون عدم إيمانهم إلى معرفة يقينية بعدم وجود الله.
وبذلك لا يعود الخلاف بين موقف علمي وموقف غير علمي، وإنما بين يقينين ميتافيزيقيين متعارضين، لا يستطيع المنهج التجريبي وحده أن يحسم النزاع بينهما.
والآن، إذا كان اللاديني يقصد بلادينيته مجرد أنه لا ينتمي إلى دين، فلا توجد ضرورة منطقية لأن يغير هذه التسمية؛ إذ يمكن للإنسان أن يكون لادينيًا ولاأدريًا في الوقت نفسه. أما إذا كان يقصد أن العلم قد منحه أساسًا يقينيًا لنفي وجود الله، فإن عليه أن يعيد النظر في موقفه. فالالتزام بروح العلم لا يوجب عليه أن يصبح مؤمنًا. لكنه، في المقابل، لا يسمح له بأن يجعل من العلم شاهدًا على يقين لم ينتجه.
وهنا قد يكون الانتقال الحقيقي الذي تفرضه الأمانة الإبستمولوجية ليس من الإلحاد إلى الإيمان، بل من اليقين بالنفي إلى الاعتراف بحدود المعرفة. أي من “أعلم أن الله غير موجود” إلى “لا أملك دليلًا علميًا يثبت وجوده، كما لا أملك دليلًا علميًا يثبت استحالة وجوده”. وهذه، في جوهرها، هي اللاأدرية.
ولذلك يمكن القول إن كثيرًا من أولئك الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم أنصارًا للعلم قد يكونون، إذا التزموا فعلًا بكل مقتضيات المنهج العلمي، أقرب إلى اللاأدرية مما يتصورون، وذلك ليس لأن وجود الله قد ثبت، وليس لأن دينًا بعينه قد ثبت، بل لأن عدم وجود الله لم يثبت أيضًا.
والآن، يحق لنا أن نسأل هل اللاأدرية هي نهاية الطريق؟
إن ذلك ليس بالضرورة؛ فالاعتراف بأن العلم لا يستطيع وحده حسم مسألة وجود الله لا يعني أن السؤال يصبح عديم المعنى، ولا أن كل الإجابات تصبح متساوية، بل يعني أن البحث ينبغي ألا يختزل في المختبر وحده. وعند هذه النقطة تبدأ الفلسفة، والمنطق، وفلسفة العلم، والميتافيزيقا، ودراسة الوعي، ومسألة أصل القوانين الطبيعية، وطبيعة السببية، وحدود التفسير، والأسئلة المتعلقة بالإنسان نفسه. وقد يأتي المؤمن بحججه، ويأتي الملحد بحججه، ويأتي اللاأدري بأسباب تعليق الحكم، لكن لا يحق لأي طرف أن يستولي على اسم العلم ثم ينسب إليه ما يتجاوز صلاحياته. فالعلم ليس دينًا مضادًا للدين، وليس ميتافيزيقا جاهزة لنفي كل ما لا يقع داخل أدواته، وإنما هو منهج بالغ القوة، وتكمن قوته تحديدًا في أنه يعرف، أو ينبغي أن يعرف، أين تنتهي صلاحياته.
والآن، ما الذي فات اللادينيين أن يتبينوه بشأن معتقدهم؟
لعل ما فات بعض اللادينيين أن يتبينوه هو ليس أن العلم فشل، بل العكس تمامًا؛ فنجاح العلم لا يعني أنه أصبح قادرًا على الإجابة عن كل سؤال يمكن للعقل البشري أن يطرحه. فلقد فسرت البايولوجيا التطورية كثيرًا من تاريخ الحياة، لكنها لم تحول الإنسان إلى كتاب مغلق انتهى تفسيره، كما فعلت مع جميع الكائنات الحية الأخرى. كما وكشفت الفيزياء عن أعماق مذهلة في بنية الكون، لكنها لم تثبت أن الواقع الفيزيائي الذي تصفه هو كل ما يمكن أن يوجد. ونجح المنهج العلمي في استبعاد عدد لا يحصى من الادعاءات الخاطئة، لكنه لم يحصل على القدرة المنطقية على إثبات استحالة كل ما يقع خارج نطاق اختباره.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به اللاديني المؤمن بسلطة العلم نفسه هو ليس “لماذا لا تؤمن بالله؟”، فقد تكون لديه أسباب كثيرة لعدم الإيمان، وإنما السؤال الأدق هو: بأي حق علمي انتقلت من «أنا لا أؤمن» إلى «أنا أعلم أن الله غير موجود»؟ فإذا كان جوابه: «لأن العلم أثبت ذلك»، وجب أن يُطلب منه أن يقدم هذا الإثبات. وإذا لم يكن العلم قد أثبته، فإن الأمانة المعرفية تفرض عليه أن يعيد صياغة موقفه. فقد يبقى غير مؤمن، وقد يبقى رافضًا للأديان، وقد يرى احتمال عدم وجود الله أرجح. لكن إذا أراد أن يكون وفيًا للعلم حتى النهاية، فعليه أن يعترف بأن العلم، في مواجهة السؤال النهائي عن وجود الله، لا يضع في فمه كلمة “لا”، بل يضع فيه، حتى إشعار معرفي آخر، أكثر الكلمات علميةً وتواضعًا: لا أدري.
ولعل هذه هي المفارقة التي لم ينتبه إليها كثيرون: أن الطريق الذي بدأوه طلبًا للتحرر من الإيمان باسم العلم، إذا ساروا فيه بمنهجية صارمة حتى نهايته، قد لا يقودهم إلى الإلحاد الجازم، بل إلى اللاأدرية. فالعلم لا يطلب منهم أن يؤمنوا بالله، لكنه لا يمنحهم في الوقت نفسه حق الادعاء بأنه قد أثبت استحالة وجوده. وبين الإثبات والنفي تبقى مساحة واسعة لا يستطيع العقل العلمي الأمين أن يملأها باليقين لمجرد أنه لا يحتمل الفراغ؛ إذ انها مساحة السؤال ومساحة الاحتمال ومساحة الكلمة التي لم يكن العلم يومًا ليستحي من قولها “لا أدري”.

أضف تعليق