
من بين أكثر الملاحظات التي قد تُوجَّه إلى المقالات الطويلة شيوعاً القول إن الكاتب يستفيض أكثر مما ينبغي، وأن الفكرة التي يعرضها في صفحات كان يمكن اختصارها في بضعة أسطر، وأن الاقتصاد في الكلمات فضيلة ينبغي أن يلتزم بها كل من يريد أن يصل إلى قارئ عصرٍ لم يعد يطيق النصوص الطويلة. وهذه الملاحظة قد تكون صحيحة في كثير من الأحيان؛ فثمة بالفعل كتابة تكرر نفسها، وإطالة لا تضيف إلى المعنى شيئاً، واستطراد يثقل النص من غير أن يوسّع أفق الفكرة. وليس كل نص طويل عميقاً، كما أن كثرة الكلمات ليست دليلاً على كثرة المعاني.
غير أن الخطأ يبدأ حين يتحول هذا الحكم الجزئي إلى قاعدة عامة، وحين يُفترض أن كل ما يمكن تلخيصه في جملة كان ينبغي ألا يُكتب في صفحات، أو أن قيمة الفكرة تقاس بعدد الكلمات التي أمكن حذفها منها. فثمة فرق جوهري بين فكرة يمكن إيجازها ومقاربة يمكن تأسيسها بالإيجاز. وقد يستطيع المرء أن يختصر نظرية كاملة في جملة واحدة، لكن هذه الجملة لا تكون النظرية نفسها، ولا تحمل أدلتها، ولا تكشف مقدماتها، ولا تجيب عن اعتراضاتها، ولا تبين ما الذي يميزها عما سبقها. فيمكن على سبيل المثال، اختصار أطروحة طويلة في عبارة واحدة مفادها أن «الإنسان لا يمكن تفسيره تفسيراً كاملاً بالبايولوجيا التطورية وحدها». ولكن ماذا فعلنا بهذه العبارة؟ لقد أعلنا موقفاً، ولم نبرهن عليه. ويمكن القول إن «فائض التمثّل يفسر جانباً من خصوصية الإنسان». ولكن ما فائض التمثّل؟ وكيف نشأ؟ وما الذي يميزه عن الخيال والوعي واللغة والذكاء الرمزي؟ وما الظواهر التي يفسرها؟ وكيف يمكن الاستدلال عليه؟ وما علاقته بالبايولوجيا التطورية وعلم النفس والأنثروبولوجيا والدين والتاريخ؟ وما الذي يترتب على قبوله؟ وما الاعتراضات الممكنة عليه؟
فكل سؤال من هذه الأسئلة لا يمثل حشواً مضافاً إلى الفكرة، بل يمثل جزءاً من بنائها.
حين يكتب الباحث في موضوع استقر اصطلاحه، وتحددت مفاهيمه، وتراكمت أدبياته، يستطيع أن يختصر كثيراً؛ لأن القارئ والكاتب يتحركان فوق أرض معرفية مشتركة. فكلمة واحدة تكفي أحياناً لاستدعاء مكتبة كاملة من المعاني. وحين يقول الباحث «الانتخاب الطبيعي» أو «اللاوعي» أو «البنية الاجتماعية»، فإنه يستعمل مفهوماً سبق أن عُرّف وشرح ونوقش على امتداد عقود أو قرون. أما حين تكون الكتابة محاولة لتأسيس مقاربة جديدة، فإن الوضع يختلف جذرياً. فالمصطلح الجديد لا يملك تاريخاً سابقاً يختبئ وراءه. والمفهوم الجديد لا يستطيع أن يعتمد على ذاكرة القارئ، وذلك لأنه يحاول في الأصل أن يصنع لهذه الذاكرة مساراً لم يكن موجوداً فيها من قبل.
ومن هنا فإن الكتابة التأسيسية لا تكتفي بأن تقول ماذا ترى، بل يتعين عليها أن تشرح لماذا تراه، وكيف وصلت إليه، وما الذي كان يمنع الآخرين من رؤيته، وما الذي يتغير إذا أصبح مرئياً. فمن يسير في طريق معبّد يستطيع أن يصف وجهته في كلمات قليلة. أما من يشق طريقاً في أرض لم تُرسم خرائطها بعد، فعليه أن يبين موضع كل منعطف، وأن يحدد طبيعة كل عائق، وأن يشرح لماذا اختار هذا المسار دون غيره. فكثرة الكلمات هي ليست ناتجة بالضرورة عن عجز عن الاختصار؛ بل قد تكون ناتجة عن اختلاف طبيعة المهمة نفسها. والاختصار ينقل النتائج، أما التأسيس فيعيد بناء الطريق إليها؛ إذ ثمة فرق بالغ الدلالة بين أن تقدم للقارئ نتيجة وبين أن تتيح له أن يعيد بناء المسار العقلي الذي أوصلك إليها.
فيمكنني أن أقول، مثلاً، إن كثيراً من المقاربات السائدة للإنسان تعاني “اختزالاً بايولوجياً”، أو أن بعض التفسيرات الدينية ابتعدت عن البنية الأصلية للخطاب القرآني، أو أن فائض التمثّل يمثل مفتاحاً تفسيرياً لعدد كبير من الظواهر الإنسانية. ويمكن لهذه العبارات أن تُقرأ في أقل من دقيقة. ولكن القارئ الذي يقرأها لا يملك، بمجرد قراءتها، سبباً كافياً لقبولها. فالكتابة التي تريد أن تقنع لا تستطيع أن تكتفي بإعلان النتيجة؛ إذ أن عليها أن تكشف الافتراضات التي قامت عليها المقاربة السائدة، وأن تفحصها، وأن تبين مواضع قصورها، وأن تعرض الشواهد التي لا تستوعبها، ثم أن تقدم المقاربة البديلة، وأن تختبر قدرتها التفسيرية في أكثر من مجال.
وهذا يعني أن ما يبدو لبعض القراء «إطالة» قد يكون، في حقيقته، هو المسافة المنطقية الفاصلة بين الدعوى والبرهان عليها. وكلما كانت الدعوى أكثر اختلافاً عن المألوف، ازدادت هذه المسافة. فالأفكار المألوفة تستطيع أن تعيش على الاختصار لأنها تستند إلى شبكة واسعة من المسلمات المشتركة. أما الأفكار التي تعترض على تلك المسلمات نفسها، فلا تملك هذا الامتياز؛ إذ أنها مطالبة بأن تبني الأرض التي ستقف عليها قبل أن تبدأ السير فوقها. فلا يمكن تفكيك خطأ استمر قروناً في فقرة عابرة.
فالمسألة تزداد وضوحاً حين لا تكون المقالات بصدد تقديم أفكار جديدة فحسب، وإنما بصدد مراجعة أخطاء منهجية تراكمت في التفكير البشري، وتكرست بفعل الاعتياد حتى أصبحت تبدو بديهيات لا تحتاج إلى مراجعة.
فالخطأ القديم ليس مجرد جملة خاطئة يمكن استبدال جملة صحيحة بها. فهذا الخطأ، في كثير من الأحيان، هو منظومة كاملة من الافتراضات والمفاهيم وطرائق النظر. وقد يكون قد دخل في اللغة، وفي التعليم، وفي الموروث، وفي المؤسسات، وفي طرائق تصنيف الأشياء، حتى يصبح الإنسان عاجزاً عن رؤيته بوصفه خطأ؛ لأنه ينظر إلى العالم من خلاله.
ومن هنا فإن نقده لا يكون بقولنا: “هذا خطأ، والصواب هو كذا”، بل ينبغي أولاً أن نعيده إلى لحظة تشكله، وأن نسأل: كيف ظهر؟ ولماذا بدا مقنعاً؟ وما الافتراض الذي استند إليه؟ وكيف انتقل من فرضية إلى مسلّمة؟ وما الوقائع التي عجز عن تفسيرها؟ ولماذا استمر رغم هذا العجز؟ وما الذي سيحدث إذا استبدلنا به نموذجاً تفسيرياً آخر؟ فهذه ليست أسئلة يمكن حذفها من النص ثم الزعم أن المعنى لم يتغير؛ إذ أنها المعنى بكل ما ينطوي عليه. وحين يكون الموضوع هو الإنسان، يصبح التعجُّل أكثر خطراً. فالمسألة تتعقد أكثر حين يكون موضوع البحث هو الإنسان نفسه. فالإنسان ليس موضوعاً معرفياً بسيطاً يمكن عزله داخل تخصص واحد. فالإنسان هو، وفي الوقت ذاته، كائن بايولوجي ونفسي واجتماعي ورمزي ولغوي وأخلاقي وديني وتاريخي. ولذلك فإن أي مقاربة تزعم أنها تعيد النظر في فهم الإنسان لا تستطيع أن تبقى محصورة في حقل واحد.
وحين اقترحت مفهوماً مثل «فائض التمثّل»، فإنني لا أقدمه بوصفه تفسيراً لظاهرة منفردة يمكن الانتهاء منها في فقرة، بل بوصفه مفهوماً يراد اختبار قدرته على تفسير شبكة واسعة من الظواهر كالخوف، والشك، والانطباع الأول، والأسطورة، والتدين، والعدوان، والهوية، والتعصب، وصناعة العدو، والقلق، والبحث عن المعنى، والقدرة على التعامل مع ما لا وجود مادياً مباشراً له كما لو كان واقعاً حاضراً.
ولذلك فإن انتقال المقالات من موضوع إلى آخر لا يمثل، بالضرورة، تكراراً للفكرة نفسها، بل اختباراً لها في ميادين مختلفة.
فالنظرية لا تصبح أوسع لأنها تعلن أنها واسعة، وإنما لأنها تثبت قدرتها على الانتقال من ظاهرة إلى أخرى من غير أن تفقد تماسكها التفسيري.
أما في المجال الديني، فالإيجاز قد يخفي المشكلة بدلاً من أن يحلها. حيث أن الأمر يبلغ درجة أكبر من الحساسية حين تدخل هذه المقالات إلى المجال الديني. فنحن هنا لا نتعامل مع أفكار ظهرت بالأمس، بل مع تراكمات تفسيرية وتأويلية ومذهبية وثقافية امتدت قروناً. فكثير مما يظنه الإنسان اليوم جزءاً بديهياً من الدين قد لا يكون، عند الفحص التاريخي والنصي الدقيق، إلا ثمرة لمسار طويل من التأويل. وقد تكون بعض المعاني التي تبدو اليوم «جديدة» أقرب، في حقيقتها، إلى البنية الأولى للخطاب من معانٍ رسختها القرون اللاحقة.
وهنا تظهر مفارقة بالغة الدلالة: فقد لا تكون المقاربة المغايرة اختراعاً لقراءة لم يعرفها السابقون، بل محاولة للعودة إلى قراءة كانت، في زمن تنزّل القرآن، أكثر مباشرة وبداهة، قبل أن تتراكم حول النص طبقات من المصطلحات والمذاهب والجدالات والافتراضات. ومن ثم فإن القول إن بالإمكان اختصار مثل هذه المناقشة في بضعة أسطر يتجاهل طبيعة المشكلة. فكيف يمكن أن نثبت أن فهماً سائداً منذ قرون ليس هو الاحتمال الوحيد لفهم النص من غير أن نعود إلى النص نفسه؟ وكيف يمكن أن نميز بين دلالة القرآن وما أضيف إليها تاريخياً من غير مقارنة وتحليل واستقراء؟ وكيف يمكن أن نقدم قراءة بديلة من غير أن نبين أنها ليست مجرد رأي شخصي جديد، بل قد تكون استعادة لإمكان دلالي أقدم طمرته التراكمات اللاحقة؟
إن هذه المهمة لا تحتاج إلى “شعار” بالامكان كتابته في بضع كلمات، بل إلى تفكيك. والتفكيك بطبيعته يحتاج إلى مساحة.
وقد يلاحظ القارئ أيضاً أن بعض الأفكار الأساسية تعود في أكثر من مقالة. وهذا صحيح. لكن عودة الفكرة لا تعني دائماً تكرارها بالمعنى العقيم للكلمة.
فثمة فرق بين أن تكرر الجملة نفسها لأنك لا تملك غيرها، وبين أن تعود إلى المبدأ نفسه من زاوية جديدة لكي تختبره في سياق مختلف. فالمفهوم المركزي في أي مشروع فكري كبير لا يظهر مرة واحدة ثم يختفي، بل يعود في تطبيقاته، ومقارناته، واعتراضاته، ونتائجه. ومفهوم «فائض التمثّل»، مثلاً، لا يؤدي الوظيفة نفسها حين نقرأ به الأسطورة، وحين نقرأ به الشك، وحين نقرأ به العدوان، وحين نقرأ به التدين، وحين نقرأ به التاريخ، وحين نقرأ به نشأة التصورات الميتافيزيقية. فالمركز واحد، لكن المسارات التي تنطلق منه مختلفة.
ولعل تشبيه الأمر بالخريطة يكون أكثر دقة. فظهور المدينة نفسها في خرائط متعددة لا يعني أن الخرائط متطابقة. فقد تظهر مرة في خريطة سياسية، ومرة في خريطة جيولوجية، ومرة في خريطة سكانية، ومرة في خريطة مناخية. فالموقع واحد، ولكن ما تكشفه كل خريطة مختلف.
وهكذا هي المفاهيم المؤسِّسة؛ حيث أنها تحتاج إلى أن تُرى مراراً لكي يتبين حجم المجال الذي تستطيع إضاءته.
وهنا لابد من التشديد على حقيقة مفادها أنه إذا كان عصرنا قد غيّر عادات القراءة، حيث أصبح الإنسان معتاداً على المنشور القصير، والمقطع السريع، والملخص، والعنوان الذي يعده بأن يشرح له موضوعاً معقداً في دقائق، فإنه من الضروري ان نتذكر أن هذه “التسهيلات” مفيدة في مواضع كثيرة، ولا اعتراض عليها من حيث المبدأ. ولكن الخطر يبدأ حين تتحول سهولة الاستهلاك إلى معيار لقيمة المعرفة. فليست كل فكرة قابلة للاختزال من غير خسارة. وليست كل معرفة صالحة لأن تتحول إلى «خمس نقاط». وقد نختصر كتاباً في صفحة، ونختصر الصفحة في فقرة، ونختصر الفقرة في جملة؛ لكن ما يتبقى في النهاية هو ليس الكتاب، بل هيكله العظمي. والهيكل العظمي يخبرنا بشيء عن الكائن، لكنه ليس الكائن.
إن القراءة المتأنية ليست عقوبة تفرض على القارئ، كما أن الإيجاز ليس فضيلة مطلقة. فالفضيلة الحقيقية هي التناسب بين حجم النص وحجم المهمة التي يؤديها. فإذا أمكن قول الشيء كاملاً في فقرة، كانت الصفحة حشواً. أما إذا كانت الفكرة تحتاج إلى تفكيك مقدمات راسخة، وتعريف مفاهيم جديدة، وربط مجالات متباعدة، ومناقشة اعتراضات، وإعادة قراءة نصوص، فإن اختصارها قد يكون إخلالاً وليس براعة.
ومع ذلك، فليست هذه دعوة إلى الإطالة من أجل الإطالة. فالدفاع عن المقالة الطويلة هو ليس دفاعاً عن الترهل. وكل نص، مهما كانت فكرته عميقة، يمكن مراجعته، وتشذيبه، وحذف ما لا يؤدي وظيفة حقيقية فيه. والكاتب الذي يؤسس لمقاربة جديدة ليس معفى من واجب الدقة والاقتصاد والوضوح. ولكن الاقتصاد الحقيقي في الكتابة لا يعني تقليل عدد الكلمات إلى أدنى حد ممكن، بل يعني ألا توجد كلمة لا تؤدي وظيفة. فقد تكون المقالة من عشرة آلاف كلمة مقتصِدة، وقد تكون فقرة من مئتي كلمة مترهلة. فالمعيار هو ليس طول المقالة، ولكن المعيار هو: هل كان يمكن حذف هذا الجزء من غير أن نخسر خطوة من البرهان، أو تمييزاً مفاهيمياً، أو جواباً عن اعتراض، أو صلة ضرورية بين فكرتين؟ فإذا كان الجواب نعم، فالحذف مطلوب. أما إذا كان الحذف يجعل الفكرة أكثر سرعة وأقل دقة، وأكثر جاذبية وأقل تأسيساً، وأسهل قراءة وأضعف حجة، فإن الإيجاز هنا لا يكون فضيلة، بل تنازلاً معرفياً.
إنني لا أكتب لكي أقول فكرة فحسب، ولكن لكي أبني إمكانية جديدة لرؤيتها، وربما تكمن المسألة كلها في الفرق بين نوعين من الكتابة. فهناك كتابة تقول للقارئ: هذه هي الفكرة. وهناك كتابة تحاول أن توصله إلى النقطة التي يستطيع عندها أن يرى بنفسه لماذا أصبحت هذه الفكرة ممكنة، ولماذا لم تكن مرئية من قبل.
فالنوع الأول بالإمكان جعله قصيراً، أما النوع الثاني فيحتاج إلى رحلة. والمقالات التي تحاول تأسيس مقاربة جديدة للإنسان، وإعادة النظر في حدود التفسير البايولوجي، واقتراح مفاهيم مثل فائض التمثّل، ومراجعة بعض المسلمات المعرفية والدينية، لا تزعم أنها تقدم أجوبة نهائية لا تقبل النقاش، ولكنها، لهذا السبب نفسه، مطالبة بأن تكشف مسارها كاملاً قدر الإمكان، لكي يستطيع القارئ أن يناقشها في مقدماتها وأدلتها ونتائجها، لا أن يكتفي بقبول شعاراتها أو رفضها. فالاختصار المفرط قد يحول الفكرة الجديدة إلى ادعاء، والشرح هو ما يمنح الادعاء فرصة أن يصبح حجة. فمن يطلب اختصار الطريق قد يكون قد نسي أن الطريق لم يكن موجوداً. لذلك، فإن الرد على من يقول إن هذه المقالات طويلة هو ليس القول بإن طول المقالة هو فضيلة في ذاته، ولا أن القارئ ملزم بأن يحب الاستفاضة، بل الرد الأبسط والأكثر عقلانية هو أن نسأل: ما الوظيفة التي يؤديها هذا الطول؟ فإذا كان يكرر ما قيل من غير إضافة، فهو عيب. أما إذا كان يعرّف مفهوماً لم يستقر بعد، أو يكشف افتراضاً خفياً، أو يصل بين مجالين لم يُنظر إليهما من قبل بوصفهما متصلين، أو يعيد فحص تفسير ساد قروناً، أو يميز بين النص وبين ما تراكم حول النص، أو يختبر فرضية واحدة في ظواهر متعددة، فإن المطالبة بحذفه لمجرد أن النص طويل قد تعني المطالبة بحذف جزء من عملية التفكير نفسها. فبعض الأفكار يمكن أن تُقال في سطر، لكن بعض التحولات الفكرية تحتاج إلى صفحات، لا لأن أصحابها عاجزون عن الإيجاز، بل لأنهم لا يريدون أن يطلبوا من القارئ أن يقفز معهم إلى النتيجة من غير أن يرى الطريق.
وإذا كانت هذه المقالات تطمح حقاً إلى ما تدّعيه من إعادة طرح أسئلة ظُن طويلاً أنها أُغلقت، وإلى مراجعة مناهج اعتاد الإنسان أن يفكر من خلالها حتى نسي أنها مجرد مناهج قابلة للمراجعة، وإلى استعادة إمكانات في فهم النص الديني ربما حجبتها تراكمات القرون، فإن طول الطريق لا ينبغي أن يكون هو الاعتراض الأول. غير أن السؤال الأهم هو: هل كان هذا الطريق يستحق أن يُشق؟ فإذا كان الجواب نعم، فإن رسمه بدقة أهم من اختصاره. وقد يكون من المفيد، في النهاية، أن نتذكر حقيقة بسيطة مفادها أن الأفكار القديمة تستطيع أن تختصر تاريخها؛ أما الفكرة الجديدة فعليها أولاً أن تصنع تاريخها.
