
تظل “الهشاشة” واحدة من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في مسار محاولاتنا لفهم الكينونة البشرية وتمايزها عن المملكة الحيوانية. فبينما يميل المنظور البيولوجي التقليدي إلى تعريف الإنسان عبر تفوقه الإدراكي أو قدرته التقنية، يتبدى لنا منظور أكثر عمقاً يرى أن التمايز الحقيقي للإنسان يكمن في قدرته الفريدة على التصدع الوجداني؛ أي في تلك “الهشاشة الوجدانية” التي لا تُمثل وهناً بيولوجياً، بل شرطاً وجودياً للوعي بالذات وبالآخر.
ففي كتابها المثير للتساؤلات السلوكية والنفسية، (Too Hard to be aware of it / Too Hard to be away of it)، تأخذنا الكاتبة والاستقصائية ريشيل آفيف (Rachel Aviv) في رحلة سيكولوجية عميقة تفكك فيها البنى العاطفية التي تحكم علاقة الأمهات ببناتهن. وعبر هذا التجوال في دهاليز القصص الإنسانية، تضعنا آفيف أمام حقيقة كبرى مفادها أن غريزة الأمومة في عالم الإنسان ليست امتداداً لبرمجة غريزية آلية، بل هي مسرح فسيح تتجلى فيه أبهى صور الهشاشة البشرية وأكثرها تعقيداً، وبما يستعصي على الارتداد إلى أي أصل حيواني معروف. ففي الطبيعة، تسير علاقة الأمومة وفق خط بياني صارم ومبرمج وظيفياً بهدف البقاء؛ حيث ترعى الأم صغارها وتحميهم، ثم تدفع بهم إلى غابة الوجود لتنقطع الصلة العاطفية بمجرد تحقيق الكفاءة البيولوجية. فلا وجود هنا لتأنيب الضمير، ولا مساحة لأسئلة الهوية، أو الندم، أو القلق الوجودي.
أما لدى الإنسان، فإن الهشاشة الوجدانية تعيد صياغة هذا الرابط بالكامل، وذلك كما يلي:
• الانفتاح على الألم والوعي بالذات: فالإنسان لا يختبر مشاعره كاستجابة كيميائية عابرة، بل يحولها إلى خطابات داخلية، وصراعات وجودية، وأسئلة حول المعنى.
• الشرخ الوجداني المستمر: إن محاولة الانفصال أو الابتعاد بين الأم وابنتها، كما ترصده حكايات آفيف، ليست مجرد خطوة نمائية بل هي عملية أشبه بـ “السلخ الوجداني”. إنه التوتر الدائم بين الرغبة في الالتحام والحاجة المطلقة للانفصال، وهو ما يجعل الابتعاد مأساة صامتة والوعي به عبئاً ثقيلاً.
فحين نتأمل القصص الواقعية التي تسردها علينا ريشيل آفيف، ندرك سريعاً أن الأمومة البشرية قد تخلت منذ زمن بعيد عن طابعها البيولوجي النقي لتتحول إلى بناء ثقافي ونفسي معقد ومثقل بالصدمات المتوارثة. إنها الغريزة وقد خالطتها الهشاشة البشرية لتنتج ظواهر يتعذر إرجاعها للطبيعة الحيوانية، وذلك كما يلي:
1. صراع الذاتية والذوبان: فعلى النقيض من الأمومة في عالم الحيوان، حيث لا وجود لـ “الأنا” الفردية للأم، يفرض السياق الإنساني على الأم صراعاً مريراً بين الحفاظ على هويتها وذاتها المستقلة وبين الاندماج الوجداني الكامل مع ابنتها. وهذا التوتر بين التضحية وتحقيق الذات يخلق شرخاً داخلياً لا تملك الغريزة الحيوانية أدوات لترميمه أو تفسيره.
2. التوريث العاطفي والندوب العابرة للأجيال: فالأمومة لا تنتقل عبر الجينات فحسب، بل تُورث الأمهات لبناتهن لغتهن، وصمتهن، وقلقهن الوجودي. وفي مقاربة آفيف، تظهر الابنة كمرآة نفسية تعكس تصدعات الأم القديمة؛ فالندوب النفسية لا تموت مع أصحابها بل يُعاد إنتاجها صمتاً وكلاماً في الجيل التالي، مما يجعل العلاقة ساحة مواجهة دائمة مع موروث عاطفي غير مرئي.
3. ميتافيزيقا الذنب والشعور بالتقصير: فالحيوان لا يشعر بالذنب حيال عجزه، لكن الأم البشرية تعيش تحت وطأة “وعي حاد بالتقصير” ورهاب الفشل في تقديم الرعاية المثالية. وهذا الشعور بالذنب، الذي يلازم الأمومة البشرية كظلها، هو تجلٍّ خالص لهشاشة وجدانية تنشأ من فجوة الإدراك بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.
إن التوفيق بين هذه الأطروحات يقودنا إلى قناعة فلسفية هامة مفادها أن الهشاشة ليست خللاً في الكينونة البشرية، بل هي الأرضية الوحيدة الممكنة لنشوء علاقة إنسانية حقيقية. فريشيل آفيف، تُظهر بكثير من التعاطف والدقة، أن محاولات الأمهات أو البنات للتظاهر بالصلابة المطلقة أو إنكار وجود هذه التصدعات هي ما يقود إلى الاغتراب النفسي الأعمق. فالرابط بين الأم وابنتها لا يستقيم إلا حين يتأسس على الاعتراف المتبادل بهذه الهشاشة، وذلك:
• حين تدرك الأم أن ابنتها ليست مشروعاً لتصحيح إخفاقاتها الخاصة أو امتداداً لملكيتها الوجدانية.
• وحين تعي الابنة أن أمها ليست كائناً كلي القدرة أو منزهاً عن الضعف، بل هي ذات إنسانية قلقة وهشة تصارع تحديات الوجود ذاتها.
في نهاية المطاف، تكشف لنا قراءة ريشيل آفيف في كتابها عن حقيقة جوهرية مفادها أن ما يجمع الأم بابنتها في الفضاء الإنساني يتجاوز بكثير مجرد كونه روابط الدم أو الاستجابات الغريزية للتناسل وبقاء النوع؛ إذ أنه تدفق مشترك من الهشاشة الوجدانية، وتجوال مستمر في مناطق الضعف البشري المشترك. ومن خلال هذا الاعتراف بالشرخ الوجداني والقبول به، تتحول الأمومة من مجرد آلية بقاء طبيعية إلى تجربة وجودية فريدة، تجعلنا بشرًا نملك القدرة على الحب، والتألم، والتعافي من خلال ضعفنا ذاته.
