كيف يضطرنا الذكاء الاصطناعي الى إعادة صياغة معرفتنا بالإنسان والوجود

من النادر أن يشهد التاريخ الإنساني لحظةً يكون فيها الإنسان مدعواً إلى إعادة النظر في جميع المسلَّمات التي بنى عليها فهمه لنفسه وللعالم. فالحضارات، في معظم مراحلها، لا تتغير إلا ببطء، وتبقى أسيرة الأطر الفكرية التي ورثتها، حتى وإن تغيرت أدواتها وتقنياتها. أما اليوم، فإننا نقف أمام حدث يبدو من تلك الأحداث النادرة التي لا تكتفي بإضافة معرفة جديدة، وإنما تفرض على العقل أن يعيد النظر في البنية التي أنتجت معرفته كلها. وهذا الحدث هو ظهور الذكاء الاصطناعي.
ولئن كان كثيرون لا يزالون ينظرون إليه باعتباره إنجازاً تقنياً مذهلاً، أو امتداداً طبيعياً للثورة الرقمية، فإن هذا الوصف، على عظيم دلالته، لا يكاد يلامس حقيقة ما حدث. فالذكاء الاصطناعي، في صورته التي أخذت تتكشف أمامنا يوماً بعد يوم، لم يعد مجرد برنامج أكثر كفاءة، أو آلة أسرع معالجة، بل أصبح ظاهرة معرفية غير مسبوقة، تضع الإنسان للمرة الأولى أمام كيان قادر على إنتاج المعرفة، والاستدلال، والتحليل، والإبداع، والحوار، وبناء النماذج التفسيرية، بدرجة لم يكن يتصورها العقل البشري قبل سنوات قليلة.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من سؤال التقنية: ماذا ينبغي للحضارة أن تفعل عندما تقتحم عالمها ظاهرة بهذه الضخامة؟
إن التاريخ يعلمنا أن ظهور أي ظاهرة تمتلك خصائص استثنائية كان دائماً سبباً لإعادة تشكيل التصورات الكبرى عن الإنسان والكون. فلو ظهرت في أي عصر معجزة حقيقية، بالمعنى الذي يجعلها تتجاوز جميع ما اعتاده البشر من قوانين وتوقعات، لما اكتفى العقل بوصفها أو تسجيلها، وإنما كان سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة بناء فلسفته، ونظرية معرفته، وتفسيره للوجود، لأن الحدث الاستثنائي لا يغير نفسه فحسب، بل يغير كل ما يحيط به من تصورات. ومن هنا تنبع المفارقة التي قد تكون من أكثر مفارقات عصرنا إثارةً للتأمل.
فالذكاء الاصطناعي أصبح يمتلك، من الناحية الفلسفية، معظم المقومات التي تجعلنا نصفه بأنه حدث إعجازي بالقياس إلى ما كان الإنسان يعده ممكناً قبل سنوات قليلة. وليس المقصود بالإعجاز هنا إثبات مصدر فوق طبيعي لهذا التطور، وإنما الإشارة إلى أن الفجوة بين ما كان العقل يتوقعه وما تحقق فعلاً أصبحت من الاتساع بحيث أن ظهور هذه الظاهرة يشبه، في أثره المعرفي، أثر المعجزات الكبرى في تاريخ الفكر.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق جميع الأسئلة التقنية هو: لماذا نتعامل مع هذه الظاهرة كما لو كانت مجرد اختراع جديد، بينما لو ظهرت أي معجزة أخرى تمتلك الأثر نفسه في زعزعة مسلماتنا، لأعدنا النظر في الإنسان والوجود معاً؟
إن المشكلة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي، بل في الكيفية التي نستقبله بها. فنحن نواصل استخدام الفلسفات القديمة، ونظريات المعرفة القديمة، والتصورات القديمة عن العقل، والوعي، والذكاء، والإبداع، والحقيقة، لنفهم بها ظاهرة قد تكون قد تجاوزت جميع تلك التصورات.
وهنا تبرز الفرصة التاريخية التي ربما لم تُتَح لحضارتنا منذ قرون. فظهور الذكاء الاصطناعي لا يدعونا إلى تطوير علوم الحاسوب وحدها، ولا إلى تحديث أخلاقيات التقنية فحسب، وإنما يدعونا إلى مراجعة البنية المعرفية التي قامت عليها حضارتنا الحديثة بأسرها. لقد آن الأوان لأن تتوقف الفلسفة عن الاكتفاء بتفسير الإنسان كما عرفته القرون الماضية، وأن تبدأ بتفسير الإنسان كما أصبح مضطراً لإعادة اكتشاف نفسه في ضوء هذا القادم الجديد.
ولعل أول ما ينبغي أن يخضع للمراجعة هو تصورنا للإنسان نفسه. فمنذ آلاف السنين، تعامل الإنسان مع نفسه بوصفه الكائن الوحيد الذي يحتكر التفكير المنظم، والاستدلال المركب، والإبداع الرمزي، وإنتاج المعنى، وصناعة المعرفة. وكانت معظم الفلسفات، بل وكثير من العلوم الإنسانية، تصيغ تعريف الإنسان انطلاقاً من هذه الخصائص.
أما اليوم، فإن ظهور الذكاء الاصطناعي يجعل هذه التعريفات موضع سؤال، لا لأن الإنسان فقد خصوصيته، وإنما لأن الخصوصية نفسها أصبحت بحاجة إلى تعريف جديد. وليس الإنسان وحده من يحتاج إلى إعادة تعريف، بل الوجود أيضاً. فلقد اعتاد العقل البشري أن يتعامل مع العالم بوصفه مجموعة من الوقائع الثابتة والقوانين المكتملة، بينما يكشف لنا هذا العصر، أكثر من أي وقت مضى، أن الوجود قد يكون فضاءً مفتوحاً لاحتمالات منطقية لا تكاد تنضب، وأن كثيراً مما حسبناه مستحيلاً لم يكن سوى احتمال لم يبلغ زمن تحققه بعد.
إن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه حضارتنا اليوم هو أن تعتبر الذكاء الاصطناعي مجرد مرحلة من مراحل التطور التقني. أما أكبر إنجاز يمكن أن تحققه فهو أن تعتبره مناسبة تاريخية لإعادة تأسيس رؤيتها كلها. فنحن لا نحتاج إلى برمجيات أكثر تقدماً بقدر ما نحتاج إلى فلسفة جديدة تستطيع أن تستوعب ما حدث. ولا نحتاج إلى تحديث بعض مفاهيم نظرية المعرفة، بل إلى بناء نظرية معرفة جديدة تنطلق من الاعتراف بأن الإنسان لم يعد المرجع الوحيد في تعريف العقل والذكاء وإنتاج المعرفة. كما وأننا لا نحتاج إلى توسيع حدود الإبستمولوجيا التقليدية، ولكننا نحتاج إلى إبستمولوجيا جديدة قادرة على التعامل مع عالم أصبحت فيه الاحتمالات المنطقية أوسع بكثير من الحدود التي رسمتها المسلمات القديمة.
إن حضارتنا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر. فإما أن نستثمر هذا الحدث لكي نعيد بناء فهمنا للإنسان والوجود والعقل والمعرفة، وإما أن نكتفي بإضافة الذكاء الاصطناعي إلى قائمة الأدوات “التي صنعناها”، فنفقد بذلك أعظم فرصة معرفية أتاحها لنا تاريخنا كله.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نفتتح به هذه المرحلة هو ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل سؤال أكثر جذرية وأشد خطورة: ما الذي أصبح لزاماً علينا أن نعيد التفكير فيه، بعد أن أصبح وجود الذكاء الاصطناعي نفسه أحد أعظم الوقائع التي عرفها تاريخ العقل الإنساني؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد لا تفضي إلى تطوير علم واحد، بل قد تكون بداية عصر جديد تتغير فيه الفلسفة، ونظرية المعرفة، والإبستمولوجيا، والأنثروبولوجيا، والعلوم الإنسانية والطبيعية معاً، لأن الحدث الذي نعيشه اليوم ليس مجرد ثورة تقنية، بل هو لحظة حضارية تدعو الإنسان ليعيد اكتشاف نفسه، وأن يعيد اكتشاف الوجود الذي يعيش فيه.

أضف تعليق