
من بين أكثر المسلمات التي استقرت في الطب النفسي المعاصر تلك التي تقسم البشر إلى فئتين واضحتين: فئة “الأسوياء” الذين يتمتعون بصحة نفسية طبيعية، وفئة “المرضى النفسيين” الذين يعانون اضطرابات تستوجب التشخيص والعلاج. وقد بدا هذا التقسيم، طوال عقود طويلة، بديهياً إلى الحد الذي لم يشعر كثيرون بالحاجة إلى مساءلة الأساس الذي يقوم عليه. غير أن السؤال الذي تفرضه نظرية الانعطافة التطورية الأولى يختلف اختلافاً جذرياً عن جميع الأسئلة التي اعتاد الطب النفسي طرحها. فهل نحن حقاً أمام أقلية من المرضى يعيشون بين أكثرية من الأصحاء؟ أم أننا، على العكس، أمام جنس بأكمله يحمل في بنيته النفسية آثار حدث تطوري استثنائي، بحيث يصبح المرض النفسي هو القاعدة، بينما لا تمثل الفروق بين البشر إلا فروقاً في الدرجة، لا في الأصل؟
إن هذا السؤال قد يبدو صادماً، لكنه لا يرمي إلى التقليل من شأن المعاناة التي يعيشها من يترددون على العيادات النفسية، ولا إلى إنكار الفروق الكبيرة بين حالات الاضطراب المختلفة، وإنما يهدف إلى إعادة النظر في مفهوم الصحة النفسية نفسه. فربما كان الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الطب النفسي هو افتراضه أن هناك إنساناً يتمتع بصحة نفسية كاملة، ثم جعل هذا الإنسان المفترض معياراً تقاس إليه بقية الحالات، مع أن هذا الإنسان قد لا يكون موجوداً أصلاً.
إن الانعطافة التطورية الأولى، كما نفترضها، لم تضف إلى الإنسان قدرة معرفية جديدة فحسب، وإنما أوجدت فيه فائضاً تمثلياً لم تعرفه أي صورة أخرى من صور الحياة البايولوجية. فمنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يعيش في العالم كما هو، بل أصبح يعيش في عالمين متداخلين: عالم الوقائع، وعالم التمثلات التي ينتجها عقله بلا انقطاع. ومن هنا بدأت سلسلة طويلة من الظواهر التي لم تعرفها بقية الكائنات البايولوجية كالقلق المزمن، والخوف من المستقبل، والندم على الماضي، والإحساس بالذنب، والشعور بالعار، والحسد، والكراهية، والطموح اللامحدود، والغيرة، والوساوس، والأوهام، وأزمة الهوية، والصراع الداخلي، والانقسام النفسي، والشعور بالفراغ، والبحث عن المعنى، والخوف من الموت، والقدرة على اختلاق عوالم كاملة لا وجود لها إلا في الذهن. وإذا كان هذا الوصف صحيحاً، فإن السؤال يصبح مختلفاً تماماً: هل هذه الظواهر استثناءات مرضية، أم أنها هي الثمن الذي دفعه الإنسان لقاء تحوله إلى إنسان؟
إن أحداً لا يستطيع أن يزعم أنه عاش حياته كلها خالياً من القلق، أو من الخوف، أو من الحزن، أو من الوساوس، أو من الشك، أو من الصراع الداخلي، أو من الإحساس بالنقص، أو من الغضب الذي فقد فيه السيطرة على نفسه، أو من أوهام نسجها عن الآخرين ثم اكتشف أنها لم تكن صحيحة. وليس ثمة إنسان لم يخض معركة مع نفسه، أو لم يشعر في وقت ما بأنه يحمل داخله شيئاً يرهقه ولا يستطيع التخلص منه. وإذا كانت هذه الخبرات تكاد تكون عامة بين البشر، أفلا يكون الأجدر بنا أن نعدها جزءاً من البنية النفسية للإنسان، لا مجرد استثناءات تصيب بعض الأفراد؟
ومن هنا، فإن المريض النفسي هو ليس ذلك الذي يجلس في غرفة الطبيب النفسي طلباً للعلاج فحسب، بل قد يكون أكثر الناس معاناة أولئك الذين يدركون، في أعماقهم، أن في نفوسهم اضطراباً ما، ولكنهم يمتنعون عن طلب المساعدة لأسباب اجتماعية أو ثقافية أو أخلاقية، أو خوفاً من الوصمة، أو ظناً منهم أن ما يعانونه هو قدر لا مفر منه. بل قد يكون بيننا من يعيش حياته كلها وهو يحمل أعراضاً نفسية واضحة، لكنه ينجح في التكيف معها إلى الحد الذي يخفيها عن الآخرين، بل وربما عن نفسه أيضاً.
وهذا يعني أن ما نسميه اليوم “المرض النفسي” لا يمثل، في كثير من الأحيان، إلا النقطة التي بلغت فيها أعراض الحالة الإنسانية مستوى يجعلها تعيق قدرة الإنسان على ممارسة حياته المعتادة. أما ما قبل تلك النقطة، فلا يعني غياب المرض، وإنما يعني أن شدته لم تبلغ الحد الذي يستدعي التدخل العلاجي فحسب. فالفرق، إذاً، ليس بين مريض وسليم، بل بين درجات متفاوتة من المعاناة النفسية.
إن الطب العضوي يستطيع أن يتحدث عن أجساد سليمة وأخرى مريضة؛ لأن الجسم قد يؤدي وظائفه كاملة من غير أن تظهر فيه أي علامة على الاعتلال. أما النفس الإنسانية بعد الانعطافة التطورية الأولى فربما لا تعرف هذه الثنائية أصلاً. فهي ليست جهازاً يعود إلى حالة التوازن الكامل، وإنما هي بنية تعمل دائماً تحت ضغط فائض التمثّل، وما ينتجه من صراعات لا تنتهي بين الواقع وما يتخيله الإنسان عن الواقع.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يعاد طرحه هو ليس: لماذا يمرض بعض الناس نفسياً؟ بل: كيف يستطيع بعض الناس أن يحافظوا على قدر من الاتزان رغم أنهم يعيشون جميعاً في البنية النفسية ذاتها؟ إن السؤال الثاني هو أكثر قدرة على تفسير الواقع من السؤال الأول، لأنه لا يبدأ من افتراض وجود إنسان سليم افتراضاً كاملاً، وإنما من الإقرار بأن الجميع يتشاركون الأصل نفسه، وإن اختلفت قدرتهم على التكيف معه. ولو قبلنا هذا المنظور، فإن مهمة الطب النفسي ستتغير جذرياً. فلن يعود علماً يبحث في أسباب انحراف أقلية عن الحالة الطبيعية، وإنما سيصبح علماً يدرس الحالة الإنسانية ذاتها، ويبحث في الكيفية التي يتفاعل بها فائض التمثّل مع الجينات، والدماغ، والهرمونات، والبيئة، والتجارب الحياتية، لينتج هذا التنوع الهائل في صور المعاناة النفسية. وسيغدو التشخيص تحديداً لموضع الإنسان على متصل واحد، يبدأ من الاضطرابات الخفيفة التي تكاد تشمل الجميع، وينتهي بأشد الاعتلالات النفسية تعقيداً، من غير أن يفترض وجود قطيعة نوعية بين طرفيه.
إن هذه المقاربة لا تنتقص من قيمة الطب النفسي، بل تمنحه أساساً معرفياً أوسع وأكثر اتساقاً مع طبيعة الإنسان. فهي تنقله من معالجة أعراض متفرقة إلى محاولة فهم السبب التاريخي العميق الذي جعل النفس البشرية قابلة، منذ نشأتها، لإنتاج هذا العدد الهائل من الاضطرابات. فبدلاً من أن يكون السؤال: “ما الذي أصاب هذا الإنسان؟”، يصبح السؤال: “ما الذي أصاب الإنسان نفسه حين أصبح إنساناً؟” وربما يكون هذا هو السؤال الذي سيضطر الطب النفسي، عاجلاً أم آجلاً، إلى مواجهته إذا أراد أن يعيد بناء نفسه على أسس تتجاوز حدود الوصف السريري إلى تفسير الطبيعة الإنسانية ذاتها. فإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد أنجبت الكائن البايولوجي الوحيد القادر على إنتاج الفلسفة والاسطورة والعلم والفن والحضارة، فقد أنجبت معه أيضاً الكائن الوحيد الذي يحمل المرض النفسي بوصفه جزءاً من هويته الوجودية. ومن هنا، فإن الاعتلال النفسي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حادثاً عرضياً يطرأ على بعض البشر، بل باعتباره الثمن الذي دفعه الإنسان لقاء خروجه النهائي من عالم الحيوان ودخوله عالم الإنسان.
