الفلسفة بعد الإنسان الافتراضي… هل تتغير الأسئلة الكبرى؟

من بين جميع الحقول المعرفية التي يمكن أن تتأثر بنظرية الانعطافة التطورية الأولى، ربما لا يوجد حقل أكثر عمقاً من الفلسفة. فالفلسفة، منذ بداياتها، لم تكن مجرد بحث في الوجود أو المعرفة أو الأخلاق، بل كانت قبل كل شيء محاولة لفهم الإنسان الذي يطرح هذه الأسئلة. ولهذا فإن أي تحول جذري في تصورنا للإنسان لا بد أن يمتد أثره إلى طبيعة الأسئلة الفلسفية نفسها. فلقد اعتادت الفلسفة، على اختلاف مدارسها، أن تتعامل مع الإنسان كما لو كان معطىً نهائياً. ولقد اختلف الفلاسفة في تفسير العقل، والحرية، والوعي، والشر، والهوية، واللغة، والمعنى، لكنهم نادراً ما توقفوا عند احتمال أن يكون الإنسان الذي ينطلقون منه هو ليس الصورة الوحيدة الممكنة للكائن العاقل، بل مجرد احتمال تاريخي واحد تحقق من بين احتمالات أخرى. وقد يبدو هذا التفصيل بسيطاً، لكنه في الحقيقة يمس الأساس الذي قامت عليه الفلسفة الغربية والشرقية معاً. فالإنسان، في معظم الفلسفات، هو نقطة البداية. أما إذا أصبح هو نفسه موضع سؤال، فإن نقطة البداية تتحول إلى موضوع للبحث.
إن نظرية الانعطافة التطورية الأولى لا تقول إن الفلاسفة أخطأوا لأنهم درسوا الإنسان الحالي، فليس لديهم غيره. لكنها تدعونا إلى الانتباه إلى أن جميع المفاهيم الفلسفية الكبرى قد صيغت انطلاقاً من تجربة كائن يمتلك، وفق هذه الفرضية، فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. أي أنها صيغت انطلاقاً من نوع مخصوص من العقل، لا من العقل بوصفه مفهوماً مجرداً.
ومن هنا يبرز سؤال جديد: لو أن الإنسان الذي مارس الفلسفة كان مختلفاً في بنيته الذهنية، هل كانت الفلسفة نفسها ستولد بالصورة التي نعرفها؟
لنتأمل، على سبيل المثال، سؤال “الحرية”، فلماذا شغل هذا السؤال الفلسفة كل هذا الانشغال؟ لأن الإنسان يشعر بأنه ممزق بين ما هو كائن وما يريد أن يكون، وبين ما يفرضه الواقع وما يتخيله، وبين الرغبة والواجب، وبين الإمكان والفعل، ولكن ماذا لو كان الكائن العاقل لا يعيش هذا التمزق بالصورة نفسها؟ فهل كانت مشكلة الحرية ستبقى في مركز الفلسفة؟
والآن لنتأمل سؤال “الشر”، فلقد حاولت الفلسفة، منذ آلاف السنين، تفسير وجود الشر وعلاقته بالطبيعة الإنسانية وبالإرادة وبالنظام الكوني، ولكن كثيراً من هذه النقاشات يفترض، ضمناً، أن الإنسان يحمل في داخله القدرة على إنتاج أشكال من العدوان تتجاوز مقتضيات البقاء. أما إذا كان فائض العدوان نفسه هو نتيجة تحول تاريخي خاص، فإن سؤال الشر لا يختفي، ولكنه يتغير. فبدلاً من أن نسأل: لماذا يوجد الشر؟ قد يصبح السؤال: ما الذي جعل الإنسان قادراً على إنتاج هذا المستوى من الشر الذي لا تعرفه الطبيعة؟
والأمر نفسه يصدق على سؤال “المعنى”، فالفلسفة الوجودية، على سبيل المثال، قامت إلى حد بعيد على افتراض أن الإنسان كائن يواجه فراغ المعنى، ويبحث عن غاية لوجوده، ويشعر بالقلق أمام الموت والزمن والعدم، ولكن هل هذا القلق خاصية لكل عقل ممكن؟ أم أنه خاصية للعقل الذي يعيش داخل فائض التمثّل، فيحوّل المستقبل إلى مصدر دائم للقلق، والماضي إلى عبء، والوجود إلى سؤال لا ينتهي؟
إن “الإنسان الذي لم يوجد قط” لا يقدم جواباً عن هذه الأسئلة، لكنه يجعلنا نطرحها بصورة مختلفة. فهو يدفعنا إلى أن نسأل: أي المشكلات الفلسفية تنتمي إلى العقل بوصفه عقلاً، وأيها تنتمي إلى الصورة التاريخية الخاصة التي اتخذها العقل الإنساني؟
ولعل هذا السؤال يبلغ ذروته في مسألة “الوعي”. فالوعي الإنساني لا يتميز بأنه يدرك العالم فحسب، بل بأنه يدرك نفسه وهي تدرك العالم. ثم لا يكتفي بذلك، بل يبني صورة عن هذه الذات، ويقارنها بما ينبغي أن تكون، ويحاكمها، ويعيد تفسيرها، ويعيش داخل حوار داخلي لا يكاد ينقطع. وهنا قد يكون فائض التمثّل هو الحلقة التي أغفلتها الفلسفة طويلاً. فالوعي لا يصبح معقداً فقط لأنه واعٍ، بل لأنه محاط بطبقات من التمثلات التي لا تكف عن إعادة إنتاجه. ولهذا قد لا يكون سؤال الوعي هو: كيف يشعر الدماغ؟ بل أيضاً: كيف أصبح هذا الشعور قادراً على إنتاج عالم كامل من الصور التي تنافس الواقع نفسه؟
إن هذا التحول يطال كذلك مفهوم “العقل”. فقد اعتادت الفلسفة أن تنظر إلى العقل بوصفه أداة للمعرفة، أو أساساً للأخلاق، أو شرطاً للحرية. غير أن العقل، وفق هذه المقاربة، ليس مجرد جهاز لإنتاج الحقيقة، بل جهاز لإنتاج الإمكانات أيضاً؛ إذ أنه لا يكتفي بأن يعكس العالم، ولكنه يعيد تشكيله، ويضيف إليه، ويحذف منه، ويبني فوقه عوالم رمزية كاملة. ومن هنا، فقد لا يكون الخطأ الفلسفي الأكبر هو الاعتقاد بأن الإنسان عاقل، بل الاعتقاد بأن العقل لا يعمل إلا في اتجاه الحقيقة. فالعقل يعمل أيضاً في اتجاه الوهم، ويعمل في اتجاه الأسطورة، وفي اتجاه الأيديولوجيا، وفي اتجاه الهوية، وفي اتجاه الخيال، وفي اتجاه الفن والعلم معاً. وكل ذلك لأنه لا يكتفي بإدراك الواقع، بل ينتج صوراً لا تنتهي عنه. وهذا يقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم الحقيقة نفسه. فالحقيقة، في الفلسفة التقليدية، كثيراً ما قُدمت بوصفها الغاية التي يسعى إليها العقل. ولكن إذا كان العقل نفسه ينتج باستمرار طبقات من التمثلات التي قد تبعده عن الواقع كما قد تقربه منه، فإن البحث الفلسفي لا يعود مجرد رحلة نحو الحقيقة، بل يصبح أيضاً رحلة لفهم الآليات التي تصنع الوهم.
ولعل هذا هو ما يفسر الحقيقة التي مفادها أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي استطاع أن ينتج في الوقت نفسه الرياضيات والأساطير، والعلوم والخرافات، والفلسفة والإيديولوجيا، والتأمل العقلاني ونظريات المؤامرة. فمصدر هذه الظواهر كلِها جميعاً قد يكون واحداً هو “العقل التمثلي”.
ومن هنا يكتسب سؤال “الهوية” معنى جديداً. فالإنسان لا يولد وهو يحمل هوية مكتملة، بل يبنيها من خلال الصور التي يكونها عن نفسه، وعن جماعته، وعن تاريخه، وعن مستقبله. وإذا كانت هذه الصور جزءاً من فائض التمثّل، فإن الهوية نفسها لا تعود جوهراً ثابتاً، بل بناءً متحركاً يمكن أن يتضخم أو ينكمش أو يتحول إلى أداة للتحرر أو إلى وسيلة للصراع.
وهذا ينعكس بدوره على “الفلسفة الأخلاقية”. فالفضيلة، في كثير من النظم الفلسفية، قُدمت بوصفها انسجاماً بين الإنسان وطبيعته، ولكن إذا كانت الطبيعة الإنسانية نفسها تتضمن فوائض تدفعها إلى تجاوز حدودها الوظيفية، فإن الفضيلة قد تصبح، في أحد معانيها، قدرة على إدارة هذه الفوائض، لا على إنكارها. فالشجاعة هي ليست إلغاءً للخوف، بل هي ضبطٌ له. والكرم هو ليس إلغاءً للرغبة في التملك، بل هو منعٌ له من التحول إلى جشع. والتواضع هو ليس إنكاراً للذات، بل هو مقاومة لتضخم صورتها. والعفة هي ليست إلغاءً للرغبة، بل هي إعادة وصلها باقتصادها الإنساني. والعدل هو ليس غياب القوة، بل هو منعها من أن تتحول إلى فائض عدوان. وهكذا تصبح الأخلاق، في أحد وجوهها، فناً لإدارة الفوائض التي أنتجها الإنسان.


ولعل أكثر ما يتغير، في ضوء الإنسان الافتراضي، هو صورة الفلسفة عن نفسها. فقد اعتادت الفلسفة أن تبحث عن الإنسان. أما الآن، فإنها قد تجد نفسها مطالبة بالبحث في “الإنسان الممكن” أيضاً، ليس لأن هذا الإنسان موجود، بل لأن مقارنته بالإنسان الفعلي تكشف أن كثيراً من الأسئلة التي عدّتها الفلسفة أزلية قد تكون، في جانب منها، أسئلة تخص نمطاً معيناً من الوعي. وهذا لا يقلل من قيمتها، بل يعيد وضعها في سياقها التاريخي. فالحرية، والمعنى، والشر، والهوية، والوعي، والحقيقة، هي ليست أوهاماً، ولكن طريقة طرحها قد تكون مشروطة بالكائن الذي يطرحها.
ومن هنا يمكن أن تصبح الفلسفة، للمرة الأولى، فلسفةً تقارن بين صور مختلفة ممكنة للعقل، وليست فلسفةً تكتفي بالعقل الذي تحقق بالفعل. وربما يكون هذا هو التحول الأكبر الذي يدعونا إليه “الإنسان الذي لم يوجد قط”. فهو لا يطلب منا أن نهجر الفلسفة، بل أن نوسع أفقها، وألا نبحث عن معنى الإنسان فحسب، بل عن معنى أن يكون الإنسان احتمالاً من بين احتمالات عديدة. وألا نتعامل مع الأسئلة الكبرى بوصفها نهائية، بل بوصفها أسئلة طرحها عقل معين، في تاريخ معين، بعد تحول معين. وعندئذ قد تكتشف الفلسفة أن أعظم ما يمكن أن يحدث لها هو ليس العثور على جواب جديد، بل اكتشاف أن بعض الأسئلة التي رافقتها منذ آلاف السنين لم تكن أسئلة العقل مطلقاً، وإنما كانت أسئلة الإنسان الذي اختاره التاريخ. وربما حين ندرك ذلك، لن تتغير أجوبة الفلسفة وحدها، بل ستتغير الفلسفة نفسها.

أضف تعليق