
من بين الاعتراضات التي تتكرر على ما أكتب اعتراضان يبدوان، للوهلة الأولى، منفصلين، ولكنهما في الحقيقة يصدران عن إشكال معرفي واحد. أولهما أنني أُكثر، كما يرى بعض القراء، من إدخال الفلسفة ولغتها ومفاهيمها في موضوعات كان يمكن، في رأيهم، تناولها بعبارات أبسط وأقل حمولة فكرية؛ سواء أكان الحديث عن الدين أم القرآن أم الإنسان بوصفه ظاهرة أم تاريخه التطوري أم سلوكه الفردي والاجتماعي. أما الاعتراض الثاني فيتعلق بإصراري على الحديث عن «الحقيقة» والبحث عنها، إذ يرى هؤلاء أن هذا البحث لا يقوم على أساس معقول، لأن الإنسان، بحسب تصورهم، لا يستطيع أن يعرف الحقيقة أصلاً، هذا إن افترضنا أن ثمة حقيقة يمكن معرفتها.
وهذان الاعتراضان يستحقان جواباً يتجاوز الدفاع الشخصي عن أسلوب في الكتابة، لأن المسألة أعمق من أن تكون خلافاً حول اختيار الكلمات أو درجة تعقيدها؛ إذ أنها تتعلق بسؤالين من أقدم أسئلة المعرفة الإنسانية: بأي لغة ينبغي لنا أن نفكر في القضايا الكبرى؟ وما الذي نعنيه أصلاً حين نقول إننا نبحث عن الحقيقة؟
ولكن، هل يمكن الحديث عن الدين والإنسان من دون فلسفة؟
قد يبدو للبعض أن الفلسفة شيء يمكن إضافته إلى موضوع ما أو حذفه منه؛ كأن يكون لدينا حديث «خالص» عن الدين أو القرآن أو الإنسان، ثم يأتي أحدهم فيضيف إليه شيئاً يسمى الفلسفة فيجعله أكثر تعقيداً مما ينبغي. غير أن الأمر ليس بهذه البساطة. فحين نسأل: ما الإنسان؟ وما العقل؟ وما الوعي؟ وما معنى أن يكون الإنسان حراً؟ وما الفرق بين الحقيقة والتأويل؟ وكيف نعرف أن نصاً ما يعني ما نظن أنه يعنيه؟ وما حدود المعرفة البشرية؟ وما العلاقة بين الوحي والعقل؟ وهل يستطيع العلم تفسير الإنسان تفسيراً كاملاً؟ وما الذي يجعل تفسيراً ما أرجح من تفسير آخر؟ فإننا نكون قد دخلنا مجال الفلسفة، سواء أحببنا هذه التسمية أم لم نحبها. فالفلسفة لا تبدأ حين نستعمل كلمات مثل «الإبستمولوجيا» و«الأنطولوجيا» و«الميتافيزيقا»؛ إذ أنها تبدأ قبل ذلك بكثير، وذلك حين نسأل عن أسس ما نعتقد أننا نعرفه. ولهذا فإن مطالبة كاتب يبحث في الدين والقرآن والإنسان والتطور والمعرفة والحقيقة بأن يتجنب الفلسفة تماماً تشبه مطالبته بأن يناقش مسائل الرياضيات من دون منطق، أو أن يبحث في اللغة من دون أن يسأل عن المعنى. فالفلسفة ليست زينة لغوية تُضاف إلى الموضوع، وإنما تصبح ضرورة حين تبلغ الأسئلة مستوى لا تكفي فيه المعلومة الجزئية وحدها.
ويبدو أن جزءاً مهماً من الاعتراض ينشأ من الخلط بين الفلسفة والسفسطة. والفرق بينهما جوهري، فالسفسطة تستخدم اللغة لكي توهم بوجود البرهان حيث لا برهان، أو لكي تنتصر في الجدل بصرف النظر عن الحقيقة. أما الفلسفة، في معناها الجاد، فتحاول أن تفعل العكس تماماً وذلك بأن تكشف الافتراضات المستترة، وأن تختبر اتساق الحجج، وأن تسأل عن معنى المفاهيم التي نستعملها وكأنها بديهية. ويمكن للفلسفة بالطبع، أن تكون رديئة، كما ويمكن للخطاب الفلسفي أن يتحول إلى استعراض لغوي غامض. ولكن سوء استعمال أداة معرفية لا يبطل الأداة نفسها. فاللغة العلمية يمكن أن تُستخدم لتغطية ادعاءات زائفة، ولا يعني ذلك أن العلم سفسطة، والمنطق يمكن أن يُساء استعماله، ولا يعني ذلك أن علينا التخلي عن المنطق. ولهذا فإن السؤال الصحيح هو ليس: لماذا تستخدم الفلسفة؟ بل: هل تؤدي الفلسفة المستخدمة وظيفة معرفية حقيقية؟ وهل توضح مفهوماً؟ وهل تكشف افتراضاً خفياً؟ وهل تميز بين مستويين كان الخلط بينهما سبباً في الخطأ؟ وهل تفتح احتمالاً لم يكن ممكناً رؤيته من داخل الإطار المعرفي السابق؟ فإذا كانت تفعل شيئاً من ذلك، فإن حذفها لا يجعل النص أكثر وضوحاً بالضرورة، بل قد يجعله أقل دقة.
كما وأن هنالك سبباً آخر يجعلني لا أستطيع التخلي عن اللغة الفلسفية، وهو سبب بسيط للغاية مفاده أن الأفكار التي أناقشها قد صيغ كثير منها أصلاً بلغة فلسفية. فالإنسان لا يعيش داخل لغة واحدة، لا بالمعنى اللساني ولا بالمعنى المعرفي. فثمة لغة للدين، ولغة للعلم، ولغة للفلسفة، ولغة للبايولوجيا التطورية، ولغة لعلم النفس، ولغة للأنثروبولوجيا، ولكل واحدة منها مفاهيمها وافتراضاتها وطرائقها في بناء السؤال والجواب. فإذا أردتُ أن أحاور فكراً فلسفياً، فكيف أفعل ذلك من دون أن أفهم لغته؟ فالأمر يشبه جماعة من الناس توارثوا عن آبائهم لغة لا يريدون التحدث بغيرها، ثم طُلب مني، وأنا أريد أن أفهمهم وأناقش أفكارهم عن الإنسان والكون، ألا أتعلم لغتهم لأن لغتي تكفيني! فكيف يحدث التواصل إذن؟
إن تعلم لغة الآخر لا يعني الخضوع له. وفهم الجهاز المفاهيمي لفلسفة ما لا يعني الإيمان بها. واستخدام مصطلح فلسفي لا يعني التسليم بكل التاريخ الفكري الذي ارتبط به؛ إذ أنه يعني امتلاك القدرة على دخول المجال الذي تُناقش فيه الفكرة فحسب، وفهمها من داخل بنيتها، ثم نقدها إن لزم الأمر. ولهذا فإن اللغة الفلسفية في كثير مما أكتب، ليست ترفاً بل هي لغة تواصل معرفي.
ويصبح الأمر أكثر وضوحاً حين يتعلق بالقرآن. فبمجرد أن نسأل: كيف نفهم النص؟ وما العلاقة بين النص والتأويل؟ وهل المعنى ثابت أم يتعدد؟ وما حدود العقل في فهم الوحي؟ وكيف نميز بين ما يقوله النص وما أضافه التاريخ؟ وما الفرق بين الحقيقة الإلهية وتمثلات البشر لها؟ فإننا نكون أمام أسئلة ذات طبيعة فلسفية وإبستمولوجية وهرمنيوطيقية، حتى لو لم نستخدم هذه المصطلحات. فحذف الكلمات الفلسفية لا يحذف المشكلة الفلسفية، إذ يمكن استبدال كلمة «إبستمولوجيا» بعبارة «كيف نعرف ما نعرفه؟»، لكن السؤال يبقى إبستمولوجياً! ويمكن أن نستبدل «الأنطولوجيا» بقولنا «ما طبيعة الشيء في ذاته وما الذي يمكن أن يوجد؟»، لكننا لم نغادر الأنطولوجيا! فالاعتراض على المصطلح شيء، والاعتراض على السؤال الذي يدل عليه شيء آخر تماماً.
ومن حق القارئ أن يفضل لغة أبسط، ومن واجب الكاتب أن يسعى إلى الوضوح ما استطاع. لكن تبسيط اللغة ينبغي ألا يتحول إلى تبسيط للمشكلة نفسها، وذلك لأن بعض الأفكار معقدة لا لأن الكاتب يريد تعقيدها، بل لأن موضوعها هو معقد بالفعل.
وهنا تظهر مفارقة جديرة بالتأمل. فحين يقول شخص: “لا ينبغي إدخال الفلسفة في الحديث عن الدين”، فإنه لا يقدم حقيقة محايدة، وإنما يتخذ موقفاً بشأن العلاقة بين العقل والدين وحدود المناهج التي يجوز استخدامها في دراسة الظاهرة الدينية، وهذا موقف فلسفي. وحين يقول: “لا يمكن للإنسان معرفة الحقيقة”، فإنه يقدم أطروحة عن حدود المعرفة البشرية. وهذه أطروحة إبستمولوجية، أي فلسفية بامتياز. وهكذا قد يجد من يرفض الفلسفة نفسه يمارسها في اللحظة ذاتها التي يعلن فيها رفضه لها! بل أن العبارة القائلة إن «الإنسان لا يستطيع معرفة الحقيقة» تقودنا مباشرة إلى سؤال أكثر إحراجاً: هل هذه العبارة نفسها حقيقة؟ فإن قيل نعم، فقد عرفنا حقيقة واحدة على الأقل! وبذلك سقط الادعاء بأن الحقيقة لا يمكن معرفتها مطلقاً! وإن قيل لا، فلا موجب لأن نصدق العبارة أصلاً! أما إذا قيل إن المقصود هو أن الإنسان يستطيع معرفة بعض الحقائق ولا يستطيع معرفة الحقيقة كاملة، فهنا نكون قد اقتربنا كثيراً من التمييز الذي أراه ضرورياً.
وحين أتحدث عن البحث عن الحقيقة، فإنني لا أدعي أن العقل البشري قادر على الإحاطة بكل حقيقة ممكنة، حيث ينبغي التمييز بين مستويين مختلفين جذرياً:
أولاً: حقيقة يمكن الوصول إليها إذا توافرت الأدوات المعرفية اللازمة.
ثانياً: حقيقة يتعذر على الإنسان الوصول إليها بسبب استحالة أنطولوجية أو بنيوية تتجاوز مجرد نقص المعلومات.
وهذا التمييز ذو دلالة بالغة.
كما وتجدر الإشارة الى أن هناك حقائق كانت مجهولة ثم أصبحت معلومة. فلم يكن البشر يعرفون الجراثيم، ثم امتلكوا المجاهر والمناهج التي أتاحت لهم معرفتها. كما ولم يكونوا يعرفون البنية الجزيئية للوراثة، ثم تطورت الأدوات والنظريات التي سمحت بالكشف عنها. ولم يكن تعذر المعرفة في هذه الحالات دليلاً على أن الحقيقة غير موجودة، وإنما كان دليلاً على أن الأداة اللازمة للوصول إليها لم تكن قد ظهرت بعد. ومن هنا فإن قولنا: “نحن لا نعرف”، يختلف جذرياً عن قولنا: “لا يمكننا أن نعرف”. فالأولى عبارة تصف وضعاً معرفياً راهناً، أما الثانية فتحكم على جميع الإمكانات المعرفية المستقبلية. والانتقال من الأولى إلى الثانية يحتاج إلى برهان هائل لا يملكه الإنسان في معظم الأحيان. فقد تكون الحقيقة موجودة، وقد يكون عجزنا عن إدراكها عجزاً مرحلياً سببه افتقارنا إلى الأداة أو المنهج أو المفهوم الصحيح. وهنا يصبح البحث عن الحقيقة مشروعاً عقلانياً تماماً، بل يصبح التخلي عنه بسبب جهلنا الراهن موقفاً غير مبرر. ولكن هناك مستوى آخر، فقد توجد حقائق يتعذر علينا معرفتها لا لأن أدواتنا الحالية ضعيفة فحسب، وإنما لأن موقعنا في الوجود يجعل الوصول إليها مستحيلاً من حيث المبدأ. وهنا يمكن الحديث عن استحالة أنطولوجية. فالإنسان كائن محدود؛ محدود بالحواس، وببنية الدماغ، وبالزمان، وبالمكان، وباللغة، وبالشروط التي تسمح أصلاً بتكوّن تجربته. ومن الممكن، منطقياً على الأقل، أن توجد جوانب من الواقع لا يستطيع كائن بهذه البنية الوصول إليها مباشرة مهما بلغ تطوره المعرفي، لكن الاعتراف بهذه الحدود لا يؤدي إلى النتيجة التي يريدها المشككون في إمكان الحقيقة. فمن حقيقة أننا لا نستطيع معرفة كل شيء لا ينتج أننا لا نستطيع معرفة أي شيء. وهذه مغالطة ينبغي التنبه إليها. فحدود المعرفة لا تعني انعدام المعرفة.
كما وينبغي هنا التمييز بين موقفين كثيراً ما يجري الخلط بينهما. فالأول هو التواضع المعرفي: فأن أقول إن معرفتي محدودة، وإن بعض ما أعتقده قد يكون خاطئاً، وإن هناك حقائق قد لا أمتلك الأدوات اللازمة للوصول إليها، وإن بعض جوانب الوجود قد تظل خارج قدرتي المعرفية، هو موقف عقلاني. أما الثاني فهو العدمية المعرفية وذلك بأن أقول إنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة، ولذلك لا معنى للبحث عنها. وهذا موقف مختلف تماماً، بل أنه يوقع صاحبه في تناقض؛ لأنه لكي يقرر أن الحقيقة لا يمكن معرفتها، ينبغي له أن يعرف حقيقةً عن طبيعة الحقيقة وعن حدود المعرفة الإنسانية تسمح له بإصدار هذا الحكم الكلي.
ومن هنا فإنني لا أدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. فأنا أدافع عن شيء أكثر تواضعاً وأكثر عقلانية مفاده أن وجود حدود للمعرفة لا يلغي إمكان المعرفة، وأن تعذر بلوغ بعض الحقائق لا يبرر التخلي عن البحث عن الحقائق التي يمكن بلوغها.
ربما كان الخطأ الأكبر في هذا النقاش هو تصور الحقيقة وكأنها شيء يمتلكه شخص ثم يعلن للآخرين أنه قد استحوذ عليه بالكامل! إن البحث عن الحقيقة، كما أفهمه، ليس إعلاناً عن امتلاكها؛ بل أنه حركة مستمرة نحوها. فنحن نبني فرضيات، ونختبرها، ونقارن قدرتها التفسيرية، ونكشف تناقضاتها، ونستبعد ما لا يصمد منها، ونحتفظ مؤقتاً بما يبدو أكثر اتساقاً مع الأدلة، مع استعداد دائم لمراجعته إذا ظهرت معطيات جديدة. وهذا هو جوهر المعرفة الجادة. فالقول إن الحقيقة قد لا تكون قابلة للإحاطة الكاملة لا يجعل البحث عنها عبثاً، تماماً كما أن استحالة رسم خريطة تشتمل على كل تفصيل في الأرض لا تجعل الخرائط عديمة القيمة! فالمعرفة درجات واليقين درجات والوصول إلى الحقيقة قد يكون جزئياً أو تقريبياً أو تراكمياً. ولكن «جزئية المعرفة» شيء، و«استحالة المعرفة» شيء آخر.
لهذا كله أكتب أحياناً بلغة فلسفية. لا لأنني أريد أن أجعل البسيط معقداً، ولا لأن الغموض فضيلة، ولا لأن المصطلحات الثقيلة تمنح الأفكار قيمة لا تمتلكها. بل لأن بعض الأسئلة التي أتناولها تقع عند الحدود التي تتقاطع فيها علوم ومباحث متعددة، كالدين، والقرآن، والبايولوجيا التطورية، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، والسوسيولوجيا، ونظرية المعرفة، وفلسفة العلم. وحين تقع المشكلة عند تقاطع هذه الحقول المعرفية، فإن لغة حقل معرفي واحد لا تكفي لفهمها. فنحن نحتاج إلى لغة تستطيع الانتقال بين المستويات المعرفية كلها. والفلسفة، في أحد أهم أدوارها المعرفية، هي هذه اللغة، وذلك لأنها لا تحل محل العلم، ولا تحل محل الدين. ولكنها تسأل عن الافتراضات التي تقوم عليها قراءاتنا للعلم والدين والإنسان. وهذا بالضبط هو ما يجعل الفلسفة ضرورية.
إن من يطلب مني أن أتخلى عن الفلسفة لأنني أكتب عن القرآن أو الدين أو الإنسان يشبه، في نظري، من يطلب من مسافر يريد أن يدخل بلاداً تتحدث بلغة لا يعرفها ألا يتعلم هذه اللغة. فقد أستطيع أن أبقى داخل حدود لغتي. لكنني لن أستطيع أن أحاور الآخرين من داخل مفاهيمهم. ولن أستطيع أن أفهم الأسئلة التي طرحوها بالكيفية التي طرحوها بها. ولن أستطيع، بالتالي، أن أحدد أين أصابوا وأين أخطأوا. فأنا لا أتعلم لغة الفلسفة لكي أصبح أسيراً لها، بل لكي أستطيع مخاطبة من يفكرون بها، وفهم البناء الذي أقاموا عليه تصوراتهم عن الإنسان والكون والحقيقة، ثم مساءلة هذا البناء من داخله وخارجه معاً. أما الحقيقة، فإنني لا أزعم أنني أمتلكها، ولا أزعم أن الإنسان قادر على الإحاطة بها كلها. فأنا أميز فحسب بين حقيقة لم نصل إليها بعد لأننا نفتقر إلى أدوات معرفتها، وحقيقة قد يكون الوصول إليها ممتنعاً علينا بحكم شروط وجودنا ذاته. والفارق بين الأمرين هو الفارق بين الجهل والاستحالة. فالجهل يستدعي البحث، أما الاستحالة فتحتاج، قبل أن نعلنها، إلى برهان.
ولعل واحدة من أخطر عادات العقل البشري أنه كثيراً ما يحول عجزه المؤقت إلى حكم أبدي على الواقع؛ فيقول عن الشيء الذي لم يعرف كيف يصل إليه إنه لا يمكن الوصول إليه، وعن الشيء الذي لم يفهمه إنه غير قابل للفهم، وعن الحقيقة التي لم يمتلك أدوات اكتشافها إنها غير موجودة أو مستحيلة المعرفة. وصدق المثل العراقي القائل: “الذي لا يستطيع ان يصل الى العنب يقول عنه إنه حصرم”. ولهذا سأظل أبحث عن الحقيقة، لا لأنني أتوهم أنني سأحيط بها كلها، وإنما لأنني لا أرى في حدود معرفتي الحالية برهاناً على حدود الحقيقة نفسها. وسأظل أستعين بالفلسفة كلما احتاج السؤال إليها، لأن التخلي عن لغة فلسفية لمجرد أن بعض الناس لا يحبونها لن يجعل الأسئلة الفلسفية تختفي. فالإنسان، منذ أن سأل للمرة الأولى: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وكيف أعرف؟ وما الحقيقة؟ قد بدأ يتفلسف قبل أن يعرف حتى أن لما يفعله اسماً يسمى الفلسفة.
