
من بين أكثر المسلمات رسوخاً في التصور التطوري المعاصر تلك التي تفترض أن المسافة الفاصلة بين الحيوان والإنسان، مهما بدت واسعة، ليست إلا حصيلة تراكم بطيء ومتصل لتحولات بيولوجية ونفسية امتدت عبر أزمنة سحيقة. ووفقاً لهذا التصور، لا ينبغي أن نبحث عن قطيعة حقيقية بين الطرفين، بل عن درجات متفاوتة من الخصائص نفسها: شيء من الذكاء هنا يتسع هناك، وبذور من الوعي تتعقد تدريجياً، وانفعالات بسيطة تتطور حتى تبلغ في الإنسان صورها المركبة. غير أن هذه المقاربة تواجه صعوبة كلما انتقلنا من مقارنة الأعضاء والوظائف البيولوجية إلى دراسة بعض الظواهر النفسية التي تكاد تعيد تعريف علاقة الكائن الحي بنفسه. ومن بين هذه الظواهر ما يمكن تسميته سلطان الإشفاق على الذات. فالإنسان لا يتألم فحسب، وإنما يستطيع أن يتألم لأنه يتألم؛ ولا يحزن لما أصابه فحسب، بل يستطيع أيضاً أن ينظر إلى نفسه بوصفها كائناً جديراً بالرثاء، وأن يعيد بناء قصته الشخصية بطريقة تجعل ذاته موضوعاً دائماً للشفقة. وقد يستحضر خسارات مضت منذ سنوات، ويتخيل حياة كان يمكن أن يعيشها ولم يعشها، ويقارن نصيبه بنصيب الآخرين، ثم يسأل: لماذا أنا؟ لماذا حدث هذا لي؟ ولماذا لم تكن حياتي على نحو آخر؟ وهنا نكون أمام شيء يتجاوز الألم البيولوجي بمعناه المباشر.
ينبغي، قبل كل شيء، تجنب الادعاء المبسط بأن الحيوان لا يعرف الألم أو الحزن أو الخوف أو حتى أشكالاً معقدة من التعلق والفقد. فالدراسات السلوكية تكشف أن كثيراً من الحيوانات تمتلك حياة انفعالية أكثر ثراءً مما كان يُعتقد سابقاً، وأن بعضها يُظهر سلوكيات اجتماعية مرتبطة بالفقد والضيق وطلب الحماية والمواساة. ولكن المسألة التي يتم طرحها هنا مختلفة. فالسؤال هو ليس: هل يتألم الحيوان؟ بل: هل يستطيع الحيوان أن يجعل من ذاته المتألمة موضوعاً لتمثل ذهني متكرر، ثم يشفق على هذه الذات بسبب القصة التي بناها عنها؟ ثمة فارق بالغ بين أن يشعر الكائن بالألم، وبين أن يقول، بالمعنى النفسي العميق وإن لم ينطقه لفظاً: “يا لشقائي أنا؛ لقد كان ينبغي ألا يحدث لي هذا؛ إن الآخرين أوفر حظاً مني؛ لقد ظلمتني الحياة؛ وما كان ينبغي أن تكون قصتي هكذا”. وهذا المستوى الثاني لا يتطلب جهازاً عصبياً يستجيب للألم فحسب، بل يتطلب شيئاً أكثر تعقيداً: ذاتاً تستطيع أن تنفصل تمثلياً عن نفسها، وتنظر إلى نفسها كما لو كانت تنظر إلى شخص آخر، ثم تحكم على مصيرها وتقارنه بمصائر ممكنة لم تتحقق. وهنا يبدأ الإشفاق على الذات.
ولعل أغرب ما في الإشفاق على الذات أنه يكشف انشطاراً تمثلياً لا نظير له في أبسط صور الحياة الحيوانية. فالإنسان يصبح فيه، في اللحظة نفسها، موضوع المعاناة ومراقب المعاناة. وهناك «أنا» تتألم، و«أنا» أخرى تنظر إليها وتقول: كم هي بائسة هذه الأنا. وبذلك يستطيع الإنسان أن يؤدي دورين على مسرح نفسي واحد: دور الضحية ودور المتفرج عليها. إن هذه القدرة لا يمكن اختزالها بسهولة في مجرد الإحساس بالألم؛ لأنها تفترض مستوى من التمثل الذاتي يسمح للكائن بأن يصنع صورة ذهنية عن نفسه، ثم يتعامل مع هذه الصورة بوصفها موضوعاً مستقلاً نسبياً عن اللحظة البيولوجية الراهنة. وهنا يظهر الارتباط العميق بين الإشفاق على الذات وما أسميه فائض التمثل. فالحيوان، في حدود ما تسمح به الأدلة المتاحة، يتعامل أساساً مع ما يحدث له، أما الإنسان فيستطيع أن يتعامل، فوق ذلك، مع تمثله لما حدث له. وهذا فارق هائل. فالحادثة قد تنتهي، ولكن تميلها لا ينتهي. والألم قد يزول، ولكن قصته قد تبقى. والخطر قد يختفي، ولكن الإنسان يستطيع أن يستحضره آلاف المرات، وأن يعيد بناء ذاته في ضوئه، وأن يجعل منه دليلاً على أن حياته كانت ظالمة أو تعيسة أو أقل مما كان يستحق. وبهذا يستطيع فائض التمثل أن يحوّل ألماً محدوداً في الزمن إلى معاناة تكاد تكون بلا حدود.
وهنا تتجلى إحدى أكثر خصائص الإنسان غرابة. فالطبيعة، في اقتصادها البيولوجي، تستخدم الألم عادةً بوصفه إشارة وظيفية. فالألم ينبه إلى إصابة، والخوف يحذر من خطر، والجوع يدفع إلى البحث عن الطعام، والعطش يدفع إلى البحث عن الماء. فلكل واحدة من هذه الحالات، في أصلها الوظيفي، علاقة بحاجة أو خطر أو اختلال. ولكن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بالمعاناة بعد زوال السبب المباشر الذي استدعاها. بل يستطيع أن يعيد إنتاجها من دون وجود السبب أصلاً. فيمكن لإنسان أن يكون جالساً في مكان آمن، لا يهدده شيء في اللحظة الراهنة، ثم يستحضر موقفاً وقع قبل عشرين عاماً، فيشعر مجدداً بأنه مظلوم أو مهان أو محروم. وقد لا يكتفي باستعادة الواقعة، بل يعيد تفسير حياته كلها من خلالها.
إن الطبيعة البيولوجية تقول، مجازاً: انتهى الحدث. أما فائض التمثل فيقول: لم ينته شيء ما دمت أستطيع أن استرجعه في ذهني. ومن هنا ينشأ شكل من أشكال المعاناة لا يعتمد استمرارُه على استمرار المؤثر الخارجي. وهذه نقطة بالغة الدلالة في فهم الإشفاق على الذات.
إذا استخدمنا عبارة اقتصاد الطبيعة بمعنى الاقتصاد الوظيفي الذي تميل فيه السمات المنتخبة إلى الارتباط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالبقاء والتكيف والتناسل، فإن الإشفاق المزمن على الذات يبدو ظاهرة مثيرة للإشكال. فالطبيعة لا تحتاج، من حيث الوظيفة المباشرة، إلى أن يبقى الكائن ساعات أو أياماً أو سنوات يعيد اجترار خسارة انتهت. ولا تحتاج إلى أن يقارن حياته بحياة افتراضية لم توجد قط. ولا تحتاج إلى أن يتخيل ما «كان ينبغي» أن يحدث بدلاً مما حدث. ولا تحتاج إلى أن يبني سردية كاملة يكون فيها ضحية دائمة لوجود لم ينصفه. فما الفائدة البيولوجية المباشرة من أن يعاني الكائن مرة بسبب الواقعة، ثم يعاني آلاف المرات بسبب تمثل الواقعة؟ إننا هنا أمام ما يمكن وصفه بأنه تضخم في الكلفة النفسية يتجاوز الوظيفة الأصلية للانفعال. فالخوف مفيد حين يجعل الكائن يهرب من المفترس، لكن ماذا عن الخوف من احتمال لم يقع؟ والحزن مفهوم وظيفياً حين يرتبط بفقد حقيقي، لكن ماذا عن الحزن على حياة افتراضية لم نعشها قط؟ والألم ضروري حين يحذر الجسم من الضرر، لكن ماذا عن الألم الذي يولده العقل لأنه يقارن الواقع بعالم متخيل يقول إن الأمور كان ينبغي أن تكون مختلفة؟ وهنا ننتقل من اقتصاد الواقع إلى “اقتصاد الممكنات”. وهذه النقلة قد تكون واحدة من أعظم التحولات التي فصلت الإنسان عن الطبيعة واقتصادها.
ولعل العبارة الأكثر اختصاراً لهذه المفارقة هي أن الحيوان يستطيع أن يعاني مما حدث له، أما الإنسان فيستطيع أن يعاني أيضاً مما لم يحدث له. فترى إنساناً يحزن لأنه لم يصبح الشخص الذي تخيل أنه سيصبحه. وآخر يشفق على نفسه لأنه لم يحصل على الحب الذي اعتقد أنه يستحقه. وثالث يقارن حياته بحياة شخص آخر، ثم يتألم بسبب الفارق بين واقعين لم يكن بينهما في الأصل أي التزام طبيعي بالمساواة. ورابع يتخيل مساراً بديلاً لحياته: لو أنني اخترت كذا، ولو لم ألتق فلاناً، ولو ولدت في مكان آخر، ولو امتلكت هذه الفرصة…
فكلٌ من هؤلاء يعاني بسبب تاريخ افتراضي لم يقع! وهذا أمر بالغ الدلالة. فالانتخاب الطبيعي يتعامل مع ما يحدث في العالم الفعلي، أما الإنسان فقد أصبح قادراً على بناء عوالم ممكنة ثم محاكمة عالمه الفعلي على أساسها. ومن هنا يولد جزء كبير من الإشفاق على الذات. فالإنسان لا يقول (أنا أتألم) فحسب، بل يقول (كان ينبغي ألا أتألم). ولا يقول (فقدت شيئاً) فحسب، بل يقول (كان ينبغي أن يكون لي ما لم أحصل عليه). فالعبارة الصغيرة، «كان ينبغي»، قد تكون واحدة من أكثر العبارات كشفاً للقطيعة بين الواقع البيولوجي وعالم التمثل البشري.
والآن، إذا كانت نظرية الانعطافة التطورية الأولى تفترض أن الإنسان لم يظهر بمجرد تضخم تدريجي في القدرات الحيوانية، بل نتيجة تحول أحدث فائضاً نوعياً في القدرة على التمثل، فإن الإشفاق على الذات يقدم مثالاً شديد الوضوح على نتائج ذلك التحول. فالتمثل في حدوده الوظيفية مفيد بلا شك. فأن يتذكر الكائن الخطر هو أمرٌ مفيد. وأن يتوقع نتيجة سلوكه هو كذلك أمرٌ مفيد. وأن يبني نموذجاً ذهنياً محدوداً للبيئة قد يمنحه أفضلية تكيفية هائلة. لكن ماذا يحدث حين تتجاوز القدرة التمثلية حدود الحاجة الوظيفية؟ يحدث ما يمكن تسميته بـ فائض التمثل. فعندها لا يعود العقل يتمثل العالم لكي يتصرف فيه فحسب، بل يبدأ أيضاً في إنتاج عوالم بديلة، وماضٍ معاد البناء، ومستقبل متخيل، وصور للذات، وصور لما كان ينبغي أن تكون عليه الذات. وهكذا يصبح الإنسان قادراً على أن يقارن: ما هو بما كان يمكن أن يكون، وما حدث بما كان ينبغي أن يحدث، ومن هو بمن كان يتمنى أن يكون. وفي المسافة بين طرفي كل مقارنة يولد الألم التمثلي، ومن هذا الألم يولد الإشفاق على الذات.
قد يعترض معترض قائلاً إن وجود ظاهرة تبدو غير نافعة لا يمثل دليلاً على أنها لم تنشأ بالتطور؛ فالتطور لا ينتج صفات مثالية كلها، وقد تظهر سمات محايدة أو آثار جانبية لسمات نافعة. وهذا اعتراض ينبغي أخذه بجدية. ولهذا لا يصح أن نقول إن الإشفاق على الذات، بمفرده، «يدحض» التطور البيولوجي أو يثبت استحالة الاستمرارية بين الإنسان والحيوان. ولكن القيمة الحقيقية للإشفاق على الذات تظهر عندما يوضع ضمن حزمة كاملة من الظواهر الإنسانية التي تتجاوز الوظائف المباشرة التي يمكن تفسيرها بسهولة بالانتخاب الطبيعي. فالإشفاق على الذات ليس ظاهرة معزولة؛ إذ أنه يتقاطع مع القلق الوجودي، والاجترار، والشعور بالعار، والاحساس بالذنب، والحسد، والبحث عن المعنى، والحنين إلى الممكنات الضائعة، والخوف من المستقبل البعيد، والتفكير في الموت، وبناء السرديات الكبرى عن الذات والعالم. وما يجمع هذه الظواهر جميعاً هو أن الإنسان لا يستجيب للواقع وحده، بل يستجيب أيضاً إلى تمثلاته للواقع. بل إن التمثل قد يصبح أقوى من الشيء الذي يمثله. وهنا تكمن الحجة الأعمق. فالسؤال هو ليس: هل يمكن العثور على تفسير تطوري منفصل لكل ظاهرة؟ إذ يمكن دائماً اقتراح سيناريو تكيفي محتمل، بل السؤال الأكثر صرامة هو:
هل يكفي نموذج التدرج البيولوجي المستمر لتفسير ظهور منظومة كاملة من الظواهر التي تشترك جميعاً في تجاوز الضرورة الوظيفية المباشرة، أم أننا أمام تحول نوعي في بنية التمثل نفسها؟
إن الحياة منذ أبسط صورها تقوم على مبدأ حفظ الذات. فالكائن يبحث عن الغذاء، ويتجنب الخطر، ويحمي جسمه، ويتناسل. لكن الإنسان أضاف إلى حفظ الذات شيئاً جديداً وغريباً يتمثل في (تفسير الذات)، ثم أضاف إلى تفسيرها (الحكم عليها) ثم أضاف إلى الحكم عليها (الإشفاق عليها). وهذه سلسلة لا تبدو بسيطة. فلكي يشفق الإنسان على نفسه، ينبغي أولاً أن يمتلك تصوراً عن «نفسه»، ثم تصوراً عما تستحقه هذه النفس، ثم تصوراً عن العالم الذي كان ينبغي أن تعيش فيه، ثم مقارنة بين ذلك العالم المتخيل والعالم الحقيقي. وهذه بنية معرفية متعددة الطبقات تتمثل في: أنا موجود وأنا أراقب نفسي الموجودة وأتصور حياة أخرى لهذه النفس وأقارن حياتها الواقعية بتلك الحياة الممكنة، ثم أحزن عليها بسبب الفارق. وهذه ليست استجابة بيولوجية بسيطة؛ إذ أنها دراما تمثلية كاملة تحدث داخل عقل واحد.
ولعل هذا يقودنا إلى تعريف أكثر جذرية للإنسان. فالإنسان هو (ليس الحيوان العاقل، ولا الحيوان الناطق، ولا الحيوان الصانع) فحسب، إنه أيضاً: الكائن الذي يستطيع أن يعاني بسبب أشياء لا وجود لها إلا في ذهنه. فيمكنه أن يخاف مستقبلاً لم يقع، وأن يندم على ماضٍ بديل لم يحدث، وأن يحسد شخصاً بسبب صورة ناقصة صنعها عن حياته، وأن يشعر بأنه فاشل قياساً إلى معيار اخترعه المجتمع أو اخترعه هو، وأن يشفق على نفسه بسبب عالم كان ينبغي، في مخيلته، أن يكون أكثر عدلاً معه. وهنا يبلغ فائض التمثل ذروة مفارقته. فالقدرة نفسها التي سمحت للإنسان ببناء الحضارات، وابتكار العلوم، وكتابة الشعر، وتصور المستقبل، وإبداع الفلسفة، هي التي جعلته أيضاً قادراً على صناعة أشكال من المعاناة لم تكن الطبيعة في صورتها الحيوانية المباشرة بحاجة إليها. فلقد حصل الإنسان على قدرة مذهلة تتمثل في كونه يعيش ما ليس له وجود، لكنه دفع ثمناً مقابلاً، وذلك بأن يتألم مما ليس له وجود أيضاً.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الإشفاق على الذات بوصفه شيئاً أشبه بـ الحفرية النفسية الحية. فالحفريات الجسدية تكشف لنا تحولات الأجساد، أما بعض الظواهر النفسية فقد تكشف تحولات طرأت على بنية العقل نفسه. والإشفاق على الذات قد يكون واحداً من هذه الشواهد؛ إذ أنه يخبرنا بأن شيئاً بالغ القيمة الدلالية قد حدث حين أصبح الكائن لا يعيش نفسه فقط، بل يمثل نفسه لنفسه. وعند تلك اللحظة ظهرت مسافة بين الإنسان وذاته. وفي هذه المسافة وُلدت أشياء كثيرة كالوعي بالذات، والشعور بالعار، والكبرياء، والقلق، والندم، والاحساس بالذنب، والحنين، والبحث عن المعنى، والإشفاق على الذات.
وإذا كانت هذه الظواهر جميعاً ترتبط ببنية تمثلية واحدة، فإن البحث العلمي لا ينبغي أن يكتفي بتفسير كل واحدة منها منفردة، بل ينبغي أن يسأل عن التحول المشترك الذي جعلها جميعاً ممكنة. وهذا تحديداً هو السؤال الذي تطرحه فرضية الانعطافة التطورية الأولى.
ومن الضروري هنا تجنب سوء فهم محتمل. فالقول بوجود قطيعة نوعية بين الإنسان والحيوان لا يعني أن الإنسان «أفضل» منه بمعنى أخلاقي أو أن الحيوان كائن ناقص ينتظر أن يكتمل في الإنسان، بل قد تكشف ظاهرة الإشفاق على الذات العكس تماماً. فالاختلاف الذي نتحدث عنه قد يكون كلفة بقدر ما هو امتياز. فالحيوان، في حدود عالمه الإدراكي، قد يكون أكثر التصاقاً بضرورات الواقع المباشر. أما الإنسان فقد أصبح يعيش في عالمين في آن واحد: عالم الأشياء، وعالم تمثلات الأشياء. فالحضارة هي ثمرة هذا العالم الثاني، لكن كثيراً من الشقاء الإنساني هو من ثمار هذا العالم أيضاً.
ولهذا فإن الانعطافة التطورية الأولى التي صنعت الظاهرة الإنسانية، وفق هذه الفرضية، لا ينبغي فهمها بوصفها «ترقية» بسيطة في سلم التطور، وإنما بوصفها حدثاً مزدوج النتائج: منح الكائن إمكانات معرفية هائلة، وفي الوقت نفسه حمّله أعباء نفسية لم تكن موجودة بالصورة نفسها قبل ذلك.
وهنا يمكن التمييز بين مفهومين: الألم والشقاء. فالألم قديم قدم الحياة العصبية، أما الشقاء، بمعناه الإنساني المركب، فيحتاج إلى أكثر من الألم؛ إذ انه يحتاج إلى ذاكرة تستعيد وخيال يقارن ووعي بالذات يراقب ومعيار يحكم وزمن نفسي يمتد بين ما كان وما هو وما سيكون. ولهذا قد يتألم الحيوان حين يُصاب، لكن الإنسان يستطيع أن يحمل إصابته معه بعد شفائها في صورة قصة عن الظلم أو الخسارة أو سوء الحظ. فالجرح الجسدي يلتئم، أما الجرح التمثلي فقد يعيد العقل فتحه بلا نهاية. ومن هنا يمكن القول إن فائض التمثل لم يضف إلى الألم الإنساني شدة فحسب، بل أضاف إليه أبعاداً جديدة. فلقد جعل الألم قابلاً للاستعادة. وقابلاً للتخيل. وقابلاً للمقارنة. وقابلاً للسرد. ثم جعله قابلاً لأن يصبح هوية.
وحين يقول الإنسان: «أنا الإنسان الذي حدث له كذا»، قد تتحول واقعة عابرة إلى تعريف دائم للذات. وهنا يبلغ الإشفاق على الذات أقصى سلطانه.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ظاهرة الإشفاق على الذات تضعنا أمام سؤال أعمق بكثير من سؤال انفعالي أو نفسي محدود؛ إذ أنها تدعونا إلى إعادة التفكير في طبيعة التحول الذي فصل الإنسان عن بقية الكائنات. فثمة فرق بين كائن يتألم، وكائن يعرف أنه يتألم، وثمة فرق أكبر بين كائن يعرف أنه يتألم، وكائن يستطيع أن ينظر إلى نفسه المتألمة، ويقارن مصيرها بمصير افتراضي، ويحكم بأن الحياة لم تنصفها، ثم يعيد إنتاج معاناتها بواسطة الذاكرة والخيال واللغة.
وعند هذه النقطة لا نكون أمام زيادة كمية بسيطة في الذكاء. بل نكون أمام بنية جديدة للعلاقة بين الكائن وذاته. وهذه البنية هي التي تجعل الإشفاق على الذات واحداً من الشواهد المهمة التي ينبغي إدخالها في أي نقاش جاد حول الاستمرارية بين الحيوان والإنسان. ليس لأنه، منفرداً، برهان نهائي على انقطاع التطور، بل لأنه ينضم إلى شبكة واسعة من الظواهر التي تشير كلها في الاتجاه نفسه الذي يؤكد أن شيئاً ما قد حدث في تاريخ الإنسان جعل قدرته على التمثل تتجاوز حدود الوظيفة البيولوجية المباشرة، حتى أصبح الإنسان قادراً على إنتاج عالم داخلي يفوق العالم الخارجي اتساعاً وتأثيراً.
ولعل المفارقة الكبرى أن الطبيعة، إذا كانت قد صنعت عبر الانتخاب كائناً يسعى إلى تجنب الألم، فقد انتهت مع الإنسان إلى كائن يستطيع أن يصنع الألم لنفسه من مجرد فكرة. فالإنسان لا يعاني فقط مما هو كائن، بل مما كان يمكن أن يكون. ولا يشفق على نفسه بسبب ما فقده فحسب، بل بسبب ما تخيل أنه كان يستحقه ولم يحصل عليه. وهنا ربما نعثر على واحد من أكثر تجليات الانعطافة التطورية الأولى دلالة والمتمثل في أن الإنسان، حين تجاوز اقتصاد الطبيعة، لم يصبح الكائن الذي يستطيع أن يفكر في نفسه فحسب، بل أصبح الكائن الذي يستطيع أن يقف خارج نفسه تمثلياً، وينظر إليها، ويرثيها، ويشفق عليها، ثم يعاني مرة أخرى لأنه أدرك أنه يعاني.
وتلك دائرة لم تعد الطبيعة وحدها هي التي تديرها. فلقد أصبح التمثل نفسه قوةً تصنع واقعاً نفسياً موازياً للواقع البيولوجي؛ واقعاً يستطيع فيه الإنسان أن يكون، في اللحظة ذاتها، الجريح والشاهد على الجرح، وصاحب المأساة وراويها، والذات التي تتألم والذات التي تشفق عليها.
