
من بين جميع الفروع الفلسفية، ربما لا يوجد فرع أكثر التصاقاً بالإنسان من نظرية المعرفة. فمنذ أن بدأ الإنسان يتأمل نفسه، ظل السؤال الذي يطارده هو: كيف أعرف؟ وما الذي يجعل معرفتي صادقة؟ وهل أرى العالم كما هو، أم كما يبدو لي؟ وهل يستطيع العقل أن يبلغ الحقيقة، أم أنه محكوم بحدود لا يستطيع تجاوزها؟ وقد انقسمت الفلسفات، على امتداد تاريخها، بين من منح العقل ثقة كبيرة، ومن نظر إليه بعين الريبة، ومن حاول أن يقيم المعرفة على التجربة، ومن جعلها ثمرة لبنى عقلية سابقة على التجربة، ومن رأى أن الحقيقة تُكتشف، ومن رأى أنها تُبنى. غير أن هذه الاتجاهات جميعاً، على اختلافها، اشتركت في افتراض ضمني نادراً ما يُناقش، وهو أن العقل الذي ينتج المعرفة هو عقلٌ معطى، يمكن دراسة نتائجه دون الحاجة إلى إعادة النظر في تاريخه التطوري.
ولكن ماذا لو كان هذا الافتراض نفسه بحاجة إلى مراجعة؟ وماذا لو كان العقل الذي نبحث في قدرته على المعرفة قد خضع، هو نفسه، لتحول مفصلي غيّر طريقة عمله؟
إن نظرية الانعطافة التطورية الأولى تدفعنا إلى طرح هذا السؤال. فهي لا تبدأ من المعرفة، بل من الكائن الذي ينتج المعرفة. ولا تسأل أولاً: كيف يصل العقل إلى الحقيقة؟ بل تسأل: ما نوع العقل الذي يحاول الوصول إليها؟
وهنا يصبح فائض التمثّل محوراً إبستمولوجياً، لا مجرد خاصية نفسية. فالإنسان لا يدرك الواقع كما تدركه الكائنات الأخرى، ثم يضيف إليه اللغة فحسب، بل يعيد بناءه بصورة مستمرة داخل منظومة من الرموز، والتصورات، والتوقعات، والاستعارات، والتأويلات، والفرضيات، والذكريات، والاحتمالات. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد العقل يعيش في مواجهة مباشرة مع العالم، بل في مواجهة مع العالم كما أعاد هو تمثله. وهذا لا يعني أن الإنسان فقد القدرة على معرفة الواقع، وإنما يعني أن العلاقة بينه وبين الواقع أصبحت تمر عبر وسيط دائم: التمثّل.
ومن هنا يمكن إعادة صياغة السؤال الإبستمولوجي الأشهر. فبدلاً من أن نسأل: هل تُطابِق المعرفة الواقع؟ قد يصبح السؤال: كيف يؤثر فائض التمثّل في مقدار اقتراب المعرفة من الواقع أو ابتعادها عنه؟
إن الفرق بين السؤالين كبير. فالسؤال الأول ينطلق من تصور ثنائي: العقل في جهة، والواقع في جهة أخرى. أما السؤال الثاني، فيضيف مستوى ثالثاً هو: عالم التمثلات الذي ينتجه العقل نفسه.
وعند هذه النقطة، لا يعود الخطأ المعرفي مجرد نقص في المعلومات، ولا مجرد خلل في الاستدلال، بل قد يكون نتيجة مباشرة لطريقة عمل العقل. فالإنسان لا يرى الشيء وحده؛ لكنه يرى توقعاته عنه أيضاً، ويرى ذكرياته معه، ويرى صورته عنه، ويرى ما يريد أن يراه فيه، ويرى ما يخشاه منه، ثم يظن، في كثير من الأحيان أنه يرى الواقع.
ولعل هذا هو السبب في أن الإنسان استطاع أن ينتج، في الوقت نفسه، أعظم العلوم، وأعظم الأوهام في الوقت ذاته. فالآلة التي أنتجت الفيزياء هي نفسها التي أنتجت الأسطورة. والعقل الذي اكتشف قوانين الوراثة هو نفسه الذي صدق السحر. والقدرة التي بنت الرياضيات هي نفسها التي بنت نظريات المؤامرة.
إن هذا التناقض لا يعود، بالضرورة، إلى وجود عقلين مختلفين. بل قد يكون نتيجة لطبيعة العقل نفسه. فالعقل لا ينتج الحقيقة فحسب، ولكنه ينتج الإمكان ويولد الفرضية ويبني السيناريو ويملأ الفراغات ويصل بين أحداث لا رابط بينها ويحول الاحتمال إلى يقين إذا لم يخضع نفسه للنقد المستمر.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا احتاج الإنسان إلى المنهج العلمي، فالمنهج العلمي ليس مجرد طريقة لاكتشاف الحقيقة، بل هو، في جانب كبير منه، محاولة للحد من آثار فائض التمثّل. فالتجربة، والتكرار، والقياس، والمراجعة، والتحقق المستقل، والنقد، ليست مجرد أدوات للمعرفة، بل هي أيضاً وسائل لإجبار العقل على العودة إلى الواقع كلما ابتعد عنه. ولو كان العقل منضبطاً بالواقع بطبيعته، لما احتاج إلى كل هذه الآليات. ولكن الإنسان احتاج إليها، لأنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يبتعد عن الواقع وهو يعتقد أنه يقترب منه. وهذا يفسر مفارقة طالما حيّرت تاريخ المعرفة. فكلما ازداد الإنسان ذكاءً، ازدادت أيضاً قدرته على إنتاج أوهام أكثر تعقيداً. فالأيديولوجيات الكبرى لم يبنها الجهلاء. والأنظمة الفلسفية المغلقة لم يضعها أصحاب العقول البسيطة. ونظريات المؤامرة الأكثر إحكاماً كثيراً ما يصوغها أناس يمتلكون قدرة عالية على الربط والاستنتاج.
إن المشكلة ليست دائماً في ضعف العقل، بل قد تكون في فائض قدرته على التمثّل. فكلما اتسعت قدرة العقل على بناء الصور، اتسعت أيضاً قدرته على إنتاج صور لا يفرضها الواقع. وهنا تصبح المعرفة صراعاً دائماً بين الواقع والتمثّل.
ولعل هذا هو ما يفسر كون تاريخ العلم ليس تاريخ تراكم الحقائق فحسب، بل هو تاريخ التخلص من الأوهام أيضاً. فكل ثورة علمية كبرى لم تضف معرفة جديدة فحسب، بل هدمت تمثلات قديمة كانت تبدو بديهية. ولذلك فإن التقدم العلمي لا يمكن فهمه على أنه زيادة في المعلومات وحدها، بل هو أيضاً تقليص تدريجي لسلطة فائض التمثّل.
غير أن المفارقة هي أن العلم نفسه لا يستطيع الاستغناء عن التمثّل! فالفرضية العلمية هي تمثّل، والنموذج العلمي هو تمثّل، والمعادلة تمثّل، والنظرية تمثّل. ولكن الفرق بين العلم والوهم ليس في وجود التمثّل أو غيابه، بل في الكيفية التي يُعامل بها التمثّل. فالوهم يُعظم تمثلاته، أما العلم فيختبرها. والوهم يحتمي بتمثلاته، أما العلم فيحاول هدمها باستمرار. والوهم يبحث عما يؤكد هذه التمثلات، أما العلم فيبحث عما قد يفندها. وهذا هو الفارق الجوهري بين عقل يخضع لفائض التمثّل، وعقل يحاول التحرر من هذا الفائض.
ومن هنا يمكن إعادة تعريف المعرفة نفسها؛ فالمعرفة ليست مجرد تراكم معلومات صحيحة، بل هي القدرة على إدارة العلاقة بين الواقع وتمثلاته. وكلما استطاع الإنسان أن يقلل المسافة بينهما، اقترب من الحقيقة. وكلما أصبحت التمثلات مستقلة عن الواقع، اقترب من الوهم. وهذا ينعكس أيضاً على مفهوم الموضوعية.
فالإنسان لا يصبح موضوعياً لأنه بلا تمثلات. فهذا مستحيل. إنما يصبح موضوعياً لأنه يدرك أن تمثلاته ليست الواقع. ولذلك يظل مستعداً لمراجعتها.
ومن هنا يمكن فهم التواضع العلمي فهماً جديداً؛ فالتواضع ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل هو ضرورة إبستمولوجية أيضاً. فالتواضع العلمي هو اعتراف بأن العقل الذي يبحث عن الحقيقة هو نفسه مصدر محتمل للخطأ. ولهذا فإن كل معرفة إنسانية ينبغي أن تبدأ بالنقد الذاتي.
وهنا تكتسب نظرية الانعطافة التطورية الأولى بعداً يتجاوز تفسير الإنسان. فهي تقدم تفسيراً جديداً لتاريخ المعرفة نفسها. فالإنسان لم ينتج الفلسفة والعلم والأسطورة لأن هذه الحقول منفصلة في أصلها، بل لأنها جميعاً خرجت من العقل التمثلي نفسه. والفرق بينها لا يكمن في أصلها، بل في الكيفية التي تتعامل بها مع تمثلاتها. فالفلسفة تحللها. والعلم يختبرها. والفن يجسدها. والدين يهذبها ويوجهها، وذلك بمقتضى المقاربة الإيمانية. والإيديولوجيا تغلقها على نفسها. ولهذا فإن تاريخ المعرفة قد لا يكون تاريخاً لصراع بين العقل واللاعقل، بل تاريخاً لصراع بين أنماط مختلفة من التعامل مع فائض التمثّل.
ومن هنا يكتسب مفهوم الحقيقة معنى جديداً، فالحقيقة ليست شيئاً يقبع خارج الإنسان في انتظار أن يلتقطه العقل كما تُلتقط الأشياء. كما وأنها ليست مجرد بناء ذاتي يصنعه الإنسان كما يشاء أيضاً، بل هي ثمرة علاقة معقدة بين واقع قائم، وعقل قادر على تمثله، ومنهج يستطيع أن يميز بين التمثلات التي تقترب من الواقع، والتمثلات التي تبتعد عنه.
وعندئذ يصبح السؤال الإبستمولوجي الأكبر مختلفاً عما كان عليه عبر قرون. فلا يعود السؤال “كيف نعرف؟” فحسب، بل يصبح أيضاً “كيف نتعامل مع فائض التمثّل حتى لا يتحول من أعظم مصادر المعرفة إلى أعظم مصادر الوهم؟”. وربما يكون هذا هو السؤال الذي ستضطر نظرية المعرفة في المستقبل إلى مواجهته. فإذا كان تاريخ الإنسان هو تاريخ العقل التمثلي، فإن تاريخ المعرفة هو ليس إلا تاريخ المحاولات المتواصلة لإقامة توازن دقيق بين قدرة العقل على تخيل العالم، وقدرته على العودة إليه.
ولعل الحضارة كلها يمكن أن تُقرأ من هذه الزاوية بوصفها رحلة طويلة، لا من الجهل إلى العلم فحسب، بل من فائض التمثّل غير المنضبط إلى فائض تمثّل يخضع شيئاً فشيئاً لمقتضيات الحقيقة. وعندئذ قد نكتشف أن السؤال الذي شغل الفلاسفة منذ آلاف السنين: “كيف نعرف؟” لم يكن ينبغي له ان يكون السؤال الأول، وذلك لأن سؤالاً آخر أكثر عمقاً منه كان من المفترض أن يسبقه “ما الذي حدث للعقل حتى أصبح قادراً، في الوقت نفسه، على أن ينتج الحقيقة والوهم معاً؟”.
