الاستبعاد القبلي… حين تتحول حدود المعرفة إلى حدود للوجود

من بين أكثر الأخطاء المنهجية خفاءً في تاريخ الفكر الإنساني ذلك الخطأ الذي يجعل الإنسان يخلط بين حدود معرفته وحدود الوجود نفسه. فهذا الخلط لا يقع، في الغالب، نتيجة سوء نية أو ضعف في التفكير، وإنما ينشأ حين يعتاد العقل نموذجاً معيناً في تفسير العالم، حتى يغدو هذا النموذج، مع مرور الزمن، معياراً يحاكم به الواقع، بدلاً من أن يبقى مجرد محاولة لفهمه. وهنا تنشأ إحدى أخطر صور الاستبعاد القبلي؛ ذلك الموقف الذي لا يكتفي بالقول إن ظاهرةً ما لم تثبت بعد، وإنما ينتقل، من حيث لا يشعر، إلى افتراض أنها لا يمكن أن توجد أصلاً.
ولعل هذا الانتقال يبدو يسيراً في ظاهره، لكنه يمثل في حقيقته قفزة فلسفية هائلة لا يملك المنهج العلمي، بما هو منهج، أن يبررها وحده. فالفرق بين أن نقول: “لا نملك دليلاً على وجود هذه الظاهرة”، وبين أن نقول: “هذه الظاهرة مستحيلة الوجود”، ليس فرقاً في الألفاظ، بل هو فرق في طبيعة الحكم نفسه. فالأولى عبارة إبستمولوجية تصف حالة معرفتنا الراهنة، أما الثانية فهي عبارة أنطولوجية تدّعي معرفة بطبيعة الوجود وحدوده.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي ينبغي لكل نظرية في المعرفة أن تواجهه بشجاعة: من أين حصل الإنسان على الحق الذي يخوله أن يحكم على جميع صور الوجود الممكنة، بينما لا يزال يعترف، في الوقت نفسه، بأن معرفته بالعالم لم تكتمل بعد؟!
إن العلم، في أنقى صوره، لا يدّعي امتلاك هذه السلطة؛ فهو لا يبدأ من اليقين، وإنما من الفرضية، ولا ينتهي إلى الحقيقة المطلقة، وإنما إلى أفضل تفسير تسمح به الأدلة المتاحة. ولذلك فإن قوته لم تكن يوماً في ادعائه الإحاطة بكل شيء، وإنما في استعداده الدائم لمراجعة نفسه كلما ظهر ما يدعو إلى تلك المراجعة. غير أن النجاح الهائل الذي حققه العلم الحديث أوجد، في كثير من الأحيان، ميلاً إلى تحويل بعض فروضه المنهجية إلى مسلمات فلسفية لا تخضع هي الأخرى للفحص. وهكذا أصبح من السهل أن يتحول النموذج التفسيري السائد إلى معيار خفي لما يجوز أن يوجد وما لا يجوز. ولكن النموذج العلمي، مهما بلغت دقته يظل وصفاً للواقع، وليس تشريعاً له. فالخرائط لا تصنع الجغرافيا، والنظريات لا تصنع الكون، وما ينجح في تفسير معظم الظواهر لا يكتسب، بسبب نجاحه، حق إلغاء كل ما قد يقع خارج حدوده.
ولعل تاريخ العلم نفسه يقدم لنا الدرس الأبلغ في هذا الشأن. فكم من ظاهرة بدت في عصر من العصور مستحيلة إلى الحد الذي لم يرَ العلماء حاجة حتى إلى مناقشتها، ثم تحولت بعد تطور أدوات الملاحظة والقياس إلى جزء من المعرفة العلمية المستقرة. ولم يكن السبب أن الواقع قد تغير، وإنما لأن النموذج الذي كنا ننظر من خلاله إلى الواقع كان أقل اتساعاً مما ينبغي. وليس المقصود من ذلك أن كل ما يبدو غريباً اليوم سيصبح حقيقة غداً، فمثل هذا الادعاء لا يقل افتقاراً إلى البرهان عن نقيضه. وإنما المقصود أن تاريخ المعرفة يعلمنا التواضع أكثر مما يعلمنا اليقين. فهو يعلمنا أن الاستبعاد لا يصبح مشروعاً إلا إذا استند إلى برهان يماثل في قوته البرهان المطلوب للإثبات.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل. فالعلم يطالب، بحق، كل من يدعي وجود ظاهرة غير مألوفة بأن يقدم أدلة قابلة للفحص والتكرار. وهذا هو جوهر المنهج العلمي. غير أن هذا المنهج نفسه لا يمنح أحداً الحق في أن يحول غياب تلك الأدلة إلى دليل على استحالة الظاهرة ذاتها. فليس كل ما لم يُثبت وجوده معدوماً، كما أن ليس كل ما لم يُفهم مستحيلاً. ولو تأملنا الأمر من زاوية منطقية خالصة، لوجدنا أن النفي المطلق ليس أقل حاجة إلى التبرير من الإثبات المطلق. فإذا كان الادعاء بأن شيئاً ما موجود يحتاج إلى دليل، فإن الادعاء بأنه لا يمكن أن يوجد في أي ظرف، ولا في أي موضع، ولا بأي صورة، هو الآخر يحتاج إلى معرفة من نوع استثنائي، تكاد تقتضي الإحاطة بالوجود كله.
ولكن، هل يمتلك الإنسان مثل هذه الإحاطة؟ إن الجواب الذي يفرضه التواضع المعرفي لا يمكن إلا أن يكون بالنفي. ومن هنا فإن أكثر المواقف انسجاماً مع روح العلم ليس التصديق الساذج، ولا الإنكار المتعجل، وإنما هو تعليق الحكم إلى أن تتكلم الأدلة. غير أن تعليق الحكم شيء، والاستبعاد القبلي شيء آخر. فالاستبعاد القبلي لا ينتظر البرهان، لأنه يكون قد أصدر حكمه قبل أن يبدأ البحث. وهو، بهذا المعنى، يشبه الدوغمائية التي يدّعي محاربتها؛ إذ كما أن المؤمن بالخرافة قد يصدق بلا دليل، فإن المستبعد قبلياً قد ينكر بلا دليل. والفرق بينهما ليس في البنية المنطقية للموقف، وإنما في النتيجة التي ينتهي إليها كل منهما.
ولهذا فإن العقل العلمي الحقيقي لا ينبغي أن يتحالف مع أي من الطرفين؛ إذ أنه لا يقول: “كل شيء ممكن لأنه لم يُنفَ”، كما أنه لا يقول: “كل شيء مستحيل لأنه لم يُثبت”. بل يقول: “تختلف الاحتمالات باختلاف الأدلة، لكن باب الإمكان لا يُغلق إلا ببرهان يوازي جسامة الحكم بالإغلاق.”
وهذا هو المبدأ الذي يبدو أن نظرية المعرفة تحتاج إلى استعادته اليوم. فلقد تعودنا أن نعدّ الواقع مطابقاً تقريباً للنموذج الذي رسمناه له، حتى كدنا ننسى أن هذا النموذج ليس سوى تمثل معرفي قابل للمراجعة. وكلما ازداد نجاحه، ازدادت حاجتنا إلى تذكر أنه يبقى تمثلاً، وليس الواقع نفسه.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه العقل ليس أن يخطئ في تفسير ظاهرة جديدة، فهذا أمر طبيعي في تاريخ المعرفة، وإنما أن يرفض إمكان وجودها لأنه لم يجد لها مكاناً داخل نموذجه الحالي، وذلك لأن النموذج وُجد ليفسر الواقع، لا ليحدد حدوده. ولهذا السبب فإن الحاجة إلى تجاوز الاستبعاد القبلي لا تنبع من الرغبة في الدفاع عن الظواهر الخارقة، ولا من الميل إلى توسيع دائرة التصديق، وإنما من الحرص على حماية المنهج العلمي نفسه من أن يتحول، من حيث لا يشعر، إلى عقيدة مغلقة. فالعلم لا يفقد روحه حين يعترف بجهله، وإنما يفقدها حين يظن أن ما لا يعرفه لا يمكن أن يوجد.
ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي أن تستحضره أي إبستمولوجيا تتطلع إلى المستقبل: أن الوجود أوسع دائماً من نماذجنا عنه، وأن الطريق إلى المعرفة لا يبدأ بإخبار الواقع بما يجوز له أن يكون، بل بالإصغاء إليه كما هو، حتى وإن اضطرنا، في نهاية المطاف، إلى إعادة النظر في أكثر مسلماتنا رسوخاً.

أضف تعليق